التاريخ السوري، لمن يتأمله بعيداً عن الاستخدام السياسي، ليس تاريخ جماعة واحدة، ولا سردية غالبة، إنما هو تاريخ تشكّل طويل، معقّد، تداخلت فيه المدن والأرياف، الطوائف والمذاهب، التجارة والفكر، الدولة والمجتمع.
من دمشق التي كانت لقرون مركزاً إدارياً وسياسياً لبلادٍ أوسع من حدودها الحالية، إلى حلب التي مثّلت نموذجاً لمدينة اقتصادية منفتحة، مروراً بالساحل والجزيرة والجنوب، تشكّل التاريخ السوري كمسار تراكمي، وليس كصراع دائم على الغلبة.
إن الخيال الوطني يتكوّن عبر تراكم خبرات سياسية واجتماعية وثقافية، ويظهر في طريقة فهم المجتمع لتاريخه، وفي اللغة المستخدمة لوصف الذات العامة..
حين تشكّلت الدولة السورية الحديثة في مطلع القرن العشرين، لم تكن وليدة هوية فئوية، بقدر ما كانت نتاج نقاشات سياسية وفكرية واجتماعية حاولت، بوعي أو بارتباك، أن تكتشف ماهية العيش المشترك في كيان واحد. لم يكن هذا المسار مثالياً، ولا خالياً من الصراعات، لكنه كان يؤسس لخيال وطني يرى في سوريا إطاراً سياسياً جامعاً، لا مجرد ساحة تنافس بين جماعات.
أما الخيال السياسي داخل المجتمع يتشكل باعتباره قدرة جماعية على تصور المجال العام، وعلى ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع، وعلى تخيّل قواعد العيش المشترك. هذه القدرة تتغذّى من التعليم، ومن السرديات التاريخية المتداولة، ومن اللغة المستخدمة في الشأن العام. في السياق السوري، لا بد أن يظهر الخيال السياسي بوصفه نتاجاً لتجارب متراكمة، وحين يضيق هذا الخيال، يتراجع حضور الفكرة الوطنية كإطار سياسي قابل للحياة، ويحل محلها تصوّر مجزّأ للمجتمع وللدولة.
وهنا لا بد أن يُفهم التعدد في سوريا كنتاج تاريخي طويل الأمد، تشكّل عبر تفاعل الجغرافيا، والاقتصاد، وأنماط الاستقرار، والتحولات الاجتماعية. هذا التعدد يظهر في المدن والأسواق، وفي البنى الاجتماعية، وفي العلاقات بين الريف والمدينة، لذا فإن إدراك التعدد بهذه الصيغة يمنح الهوية الوطنية طابعاً تاريخياً مركّباً، ويجعلها إطاراً سياسياً قابلاً للاستمرار.
كما يشكّل المجال العام المساحة التي يُعاد فيها إنتاج الخيال الوطني. الصحافة، والتعليم، والكتابة الثقافية، والخطاب السياسي، جميعها أدوات تشكّل التصوّرات العامة عن الوطن والتاريخ والهوية. في الإطار السوري، لعب هذا المجال دوراً محورياً في نقل التجربة الوطنية، وفي صياغة النقاش حول الدولة والمجتمع، فكلما حافظ المجال العام على اتصاله بالتاريخ المركّب، ازدادت قدرة المجتمع على تخيّل مستقبل سياسي مشترك.
إن الخيال الوطني يتكوّن عبر تراكم خبرات سياسية واجتماعية وثقافية، ويظهر في طريقة فهم المجتمع لتاريخه، وفي اللغة المستخدمة لوصف الذات العامة، وفي تصوّر المجال المشترك الذي يجمع السكان ضمن إطار الدولة. ولا بد في سوريا، أن يبرز الخيال الوطني كحقل مفتوح للتشكّل المستمر، مرتبط بسرديات التاريخ، وبما يُتداول في المجال العام حول معنى الانتماء وحدود الهوية الجامعة.
يحمل التاريخ السوري طبقات متعددة من التجربة السياسية والاجتماعية. شهدت المدن السورية الكبرى، دمشق وحلب وحمص وحماة، أنماطاً متباينة من الإدارة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية منذ أواخر العهد العثماني، إذ أسهمت هذه الخبرات في إنتاج وعي عام بالدولة والمجتمع خلال مرحلة الانتداب، ثم في العقود اللاحقة للاستقلال. لقد تشكّلت هذه الذاكرة عبر مسارات متقاطعة، شاركت فيها فئات اجتماعية متنوعة، وأسهمت في صياغة تصور مشترك عن المجال العام، وعن فكرة الوطن كإطار سياسي يتّسع للتعدد.
في حين تتأسس المواطنة في بعدها التاريخي على معرفة مشتركة بتجربة الدولة والمجتمع عبر الزمن، لتمنح هذه المعرفة المواطنة مضموناً يتجاوز الإطار القانوني، وتربط الفرد بالمجال العام بوصفه امتداداً لتاريخ سياسي واجتماعي مشترك.
كذلك تتأثر الذاكرة العامة بطبيعة ما يُروى من التاريخ، وبالزوايا التي تحظى بالاهتمام في الخطاب العام. قراءة التاريخ من زوايا جزئية تُفضي إلى تضييق مساحة التخيل السياسي، لأن الذاكرة العامة تمثّل مادة الخيال الوطني، وحين تُختصر التجربة السورية في محطات محددة أو روايات أحادية، يتراجع حضور المسار التاريخي الطويل الذي شكّل الدولة والمجتمع. هذا المسار يتضمن إدارة التنوع، وبناء المؤسسات، والتحولات الاجتماعية التي رافقت وترافق نشوء الدولة.
إن توسّع المعرفة التاريخية المشتركة يسهم في ترسيخ فهم أعمق للمجتمع والدولة؛ هذا التوسّع يعزّز قدرة المجال العام على إدارة الخلاف السياسي ضمن أطر مشتركة، ويمنح الخيال الوطني قاعدة معرفية متينة.
تتأسس الهوية الوطنية في السياق السوري على فكرة المواطنة السياسية، التي تمنح الأغلبية دوراً إجرائياً في إدارة الشأن العام عبر آليات تمثيلية. هذا الدور يرتبط بقواعد دستورية وقانونية تنظّم العلاقة بين المجتمع والدولة، لذا فإن الفهم السياسي للأغلبية يختلف عن الفهم الاجتماعي القائم على الانتماء الجماعي، لأن المجال السياسي يعمل وفق منطق التمثيل والمساءلة. هذا التمييز يفتح المجال أمام خيال وطني قادر على استيعاب التعدد ضمن إطار قانوني جامع.
بالعموم، فإن الشرعية السياسية تتكوّن عبر آليات مؤسسية وتنظيمية تنظم العلاقة بين المجتمع والدولة؛ وإلى جانبها تظهر شرعية سردية تُبنى عبر التاريخ والذاكرة العامة. في التجربة السورية، يجب أن يتداخل هذان المستويان في تشكيل الوعي السياسي. هذا التداخل يؤثر في الخيال الوطني، وفي طريقة فهم السلطة والمواطنة والانتماء، ما يستدعي قراءة دقيقة للعلاقة بين التاريخ والمجال السياسي.
كذلك تستند استعادة التاريخ في السياق السوري إلى قراءة تراكمية للتجربة الوطنية، تركّز على تطوّر المؤسسات، وعلى التحولات الاجتماعية، وعلى أدوار الفاعلين السياسيين عبر الزمن. هذا النوع من القراءة يرفد الخيال الوطني بأدوات فهم أعمق للمجال العام، ويمنح النقاش السياسي قدرة أعلى على تجاوز الاختزال.
إن توسّع المعرفة التاريخية المشتركة يسهم في ترسيخ فهم أعمق للمجتمع والدولة؛ هذا التوسّع يعزّز قدرة المجال العام على إدارة الخلاف السياسي ضمن أطر مشتركة، ويمنح الخيال الوطني قاعدة معرفية متينة.
- تلفزيون سوريا






















