مع دخول سورية عامها الثاني بعد سقوط الأسد ونظامه، لا يمكن لعين موضوعية متفحّصة إلا أن ترصد العديد من الإنجازات التي حقّقتها السلطة الانتقالية؛ منها (على سبيل المثال) تعافي الوضع الأمني عموماً، وتوافر مستويات معقولة من الحريات العامة (بمعايير منطقتنا طبعاً)، وتحسّن بعض الخدمات. ويظل نجاحها الأكبر متمثّلاً، قطعاً، في إنهاء عزلة سورية الدولية، ورفع العقوبات الأميركية والأوروبية، وآخرها، وأكثرها سوءاً، “قانون قيصر”.
لكن العقدة التي ما زالت تستعصي إعادة توحيد البلاد. ليس لأنه لم يُسجَّل هنا أيُّ تقدم فحسب، بل حصل (وللمفارقة) تراجع كبير (بعد خروج السويداء كلّياً من سيطرة المركز، بفعل استغلال إسرائيل انتهاكات يوليو/ تموز 2025، وتقديم نفسها حاميةً لجزء من المواطنين السوريين، واستمرار الغليان في الساحل)، وهو ما يتطلّب من السلطة الجديدة أن تفكّر في أسبابه، بغرض العمل، ليس في تجاوزها فقط، بل لمنع تفاقم الوضع أيضاً، بعد أن صرنا نسمع دعوات إلى “الفدرلة” تنطلق من دمشق وحلب، بعد أن تردّدت في السويداء والساحل ومناطق سيطرة “قسد”، وهذا ينذر بخطر شديد.
وفي تقديري أن فرضيتَين تستند إليهما السلطة في محاولة إعادة توحيد البلد تحتاجان إلى إعادة نظر. الأولى الاعتقاد أنه كلّما تركّزت السلطة واحتُكِرت، ازدادت السيطرة، ومعها فرص النجاح في شدّ الأطراف إلى المركز. هذا التفكير (التقليدي) كان ينفع عندما كان النظام السياسي السائد في العالم هو نظام المَلكيات المطلقة، حين تتجسّد السيادة بشخص الحاكم/ الملك، ومنه تنبثق التشريعات والقوانين، وحين كانت الشعوب مجرّد رعايا تقتصر مهامهم في الحياة على ثلاث: دفع الضرائب، والتجنيد وقت الحرب، والتصفيق وقت الاحتفال.
ولّى هذا الزمن، بدليل أن الدول العربية التي كانت تعتمده صارت اليوم إلى فشل وانهيار، أو في طريقها إلى ذلك (سورية، العراق، ليبيا، السودان، الصومال، اليمن…). أكثر الدول موحّدة اليوم، ليس بفعل مركزة السلطة واحتكارها، بل بفضل مشاركتها وتفويضها. فكلّما اتسعت دائرة المشاركة، شعر الناس بالاعتراف بوجودهم وبأدوارهم ومسؤولياتهم، وازداد التصاقهم وانتماؤهم إلى مشروع دولتهم. وكلّما شعروا بالإقصاء والتهميش والإهمال، ازدادت ميولهم للعزلة والانفصال، خاصةً في بلد خرج توّاً (أو ربما لم يخرج بعد) من حرب داخلية طويلة، ولا يملك المركز (الضعيف أصلاً) فوق ذلك الإمكانيات التي تسمح له بفرض إرادته بالقوة على أطرافه.
ليس هذا كلاماً مرسلاً، بل حقيقة يؤكّدها الواقع. لا يمكن إدارة الدولة بعقلية الشركة، حيث يملك ربُّ العمل سلطةَ الفصل والوصل بحكم الملكية، ولا بعقلية الفصيل، فيملك قائده القرار بفعل صفاته القيادية، أو يستمدّ سلطته من أنه يدفع رواتب عناصر فصيله. الدولة تُدار فقط بعقلية الدولة المُمثِّلة لإرادة الشعب، صاحب السيادة، وبرضا قواه الاجتماعية والسياسية ومشاركتهم.
الفرضية الثانية التي تحتاج إعادة نظر من السلطة الجديدة هي الاعتقاد بأن قرار توحيد الدولة موجود في الخارج، وبالتعامل مع هذا الخارج وإرضاؤه، يفقد الطرف الداخلي “المتمرّد” إرادة المقاومة ومقوّماتها المستمدّة من الراعي/ السيّد الخارجي. هذا تفكير خطير؛ لأنه يبرّر، من جهة، تقديم تنازلات (كبرى أحياناً) للخارج في مقابل رفض فعل الشيء نفسه مع الداخل (وهذا تماماً نهج نظام الأسد، وأحد أسباب الثورة عليه). ولأنه، من جهة ثانية، ينكر على السوريين امتلاكهم أيّ إرادة وطنية مستقلة، ويجرّدهم من كراماتهم، ويجعلهم مجرّد “مرتزقة” أو تابعين لأجندات خارجية، وفي هذا إهانة كبرى لتضحيات الشعب السوري وثورته، التي انطلقت بإرادة وطنية خالصة عبّر عنها بعفوية أبناء سورية وبناتها الذين طفح كيلهم من ظلم نظام الأسد وفساده.
صحيح أن سورية كانت منذ استقلالها، نتيجة هشاشة هُويّتها الوطنية، وانقساماتها الطائفية والجهوية، والعلاقة المعقّدة بين أريافها ومدنها، مرتعاً للتدخلات الخارجية، ولدى بعض نُخبها، حتى تلك القابلية للتدخل الخارجي، لكن هذا لا ينفي أبداً حقيقة وجود ديناميات داخلية سورية مستقلة يجب الاعتراف بها والتعامل معها من أجل توحيد البلد. فالعامل الخارجي سيبقى موجوداً، يغذّي الانقسامات الداخلية، ما لم تُعالَج. فإصلاح البيت يبدأ من الداخل، ومن خلاله أيضاً تُقطَع الطريق على التدخلات الخارجية.
خلاصة القول: مشكلات سورية وحلولها موجودة في داخلها، وفقط من خلال المشاركة والاعتراف بحقوق الجميع في دولتهم، والتعامل معهم مواطنين أحراراً، فيمكن توحيد البلد، ودرء مخاطر التقسيم، وبناء دولة قوية عصية على التدخلات الخارجية.
- العربي الجديد


























