ملخص
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وهو من أصل کوبي، يحذر قادة كل الدول من ممارسة الألاعيب مع ترمب. النظام الإيراني لعب معه فقصف المنشآت النووية. تشافيز لعب مع أسلافه، لكنه نجا من انقلاب عسكري. مادورو لعب معه فانتهى داخل سجن في نيويورك.
العالم غاضب وخائف وعاجز أمام مشاهد صادمة في السباق الإمبریالي بين الكبار وحتى بين قوى إقليمية. سباق رآه مبكراً ألكسندر یاکوفلیف رفیق غورباتشوف، قائلاً إن “الإمبراطوريات تنمو بسرعة مدهشة، لكنها مملوءة بالتناقضات، فيعجز 70 كارل ماركس عن تحليلها”.
الرئيس فلاديمير بوتين بدأ الرد على ما سماه “أكبر كارثة جيوسياسية في القرن الـ20″، وهي انهيار الإمبراطورية السوفياتية، بغزو جورجيا وفصل إقليمين عنها أيام الرئيس جورج بوش الابن، وضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا أيام الرئيس باراك أوباما، ثم الهجوم على أوكرانيا أيام الرئيس جو بایدن.
والرئيس دونالد ترمب الذي رفع شعار “لنجعل أميرکا عظيمة ثانية” سارع إلى اللحاق بالسباق بقصف فنزويلا واقتياد رئيسها نیکولاس مادورو وزوجته إلى نيويورك للمحاكمة، مثلما فعل الرئيس جورج بوش الأب بغزو بنما واقتياد رئيسها نورييغا إلى ميامي للمحاكمة. والتهمة الأولى هي تجارة المخدرات وحمايتها ونشرها في أميركا، والجائزة هي النفط والغاز. لكن المشهد المدهش عسكرياً شديد الحماقة سياسياً، ولا حدود لمضاعفاته ولسياسات الخلط بين القرون والانتقال من قوة الحق إلى حق القوة.
روسيا، كما قال ديمتري ترينين، غادرت القرن الـ20 من بابين “باب إلى القرن الـ21، وباب إلى القرن الـ19″، وأميركا بقيادة ترمب عادت من نهاية الربع الأول من القرن الـ21 للقرن الـ19. وبوتين عاد لـ”مبدأ بريجنيف” الذي يعني “السيادة المحدودة” لحلفاء موسكو وجيرانها، وترمب عاد لـ”مبدأ مونرو” عام 1823 الذي اعتبر أميركا اللاتينية “حديقة خلفية” للولايات المتحدة لا نفوذ هناك لأية قوة سواها.
والرئيس الصيني شي جينبينغ يبحث عن مبدأ صيني قديم لكنه رفع على الطريق شعار “آسیا للآسيويين”، والترجمة العملية له هي إبعاد أميركا وأوروبا من النفوذ في آسيا حيث تنفرد الصين العظمى بالنفوذ، أي شيء “من مبدأ مونرو” آخر.
وفوق ذلك، فإن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف طالب في مؤتمر ميونخ للأمن بإنهاء “النظام العالمي الليبرالي” الذي صنعته وسيطرت علیه أمیركا. وترمب أعلن بوضوح في استراتيجية الأمن القومي لإدارته “أن لا مكان بعد الآن لنظام عالمي”. فما هو البديل؟
الأمم المتحدة باقية كمنبر للخطابات وسط العجز عن تسوية أية مشكلة تخص إحدى الدول الخمس صاحبة حق “الفيتو” في مجلس الأمن، وعلى الأرض كثير من “البنية الفوضوية” للعلاقات بين الدول، كما تنبأ کینیث والتز في كتاب “نظرية السياسة الدولية” الصادر عام 1977. أليس في صورة مادورو مكبلاً بالقيود في نيويورك بقرار من واشنطن التي هي “روما الجديدة” ما يعيد العالم للإمبراطورية الرومانية، وحرص القياصرة وقادتهم العسكريين على نقل خصومهم من الملوك المهزومين داخل قفص للعرض في شوارع روما؟ أليس ما يقود إليه وضع كل شيء في خانة الأمن القومي تجريد قضايا الأمن القومي من جوهرها؟ وهل يبقى للكبار وسواهم في السباق الإمبريالي سوى ممارسة السياسة بحسب مبدأ سمك القرش، التحرك الدائم نحو ضحية جديدة أو الموت؟
ما فعله ترمب في فنزويلا ينطبق عليه ما يصفه الخبير الاستراتيجي البريطاني المخضرم لورنس فريدمان بأنه “النجاح الکارثي”، فالخطوة التالية في فنزويلا تصطدم بحاجز ضخم يحول دون القدرة على الإدارة الأميركية الانتقالية للبلد قبل نقل السلطة إلى المعارضة التي تدعي مع واشنطن أنها ربحت الانتخابات الرئاسية لكن التزوير بدّل النتائج. صحيح أن نظام مادورو الموروث من هوغو تشافيز أهدر ثروة هائلة، وأفقر بلداً غنياً يملك أكبر احتياط نفطي في العالم، فضلاً عن احتياطات الغاز ودفع 8 ملايين شخص إلى الهجرة بسبب سوء الإدارة المالية والاقتصادية ونقص المواد الأولية للموائد والأدوية، ليذهب الفنزويليون إلى كولومبيا لشراء الحاجات. لكن الصحيح أيضاً أن “الثورة البوليفارية” الحاكمة لها شعبية واسعة ولديها جيش مؤمن بها وجیش شعبي من 5 ملايين شخص جرى توزيع الأسلحة عليهم. ونائبة الرئيس، الرئيسة الموقتة، أعلنت بقوة مع وزير الدفاع أن الشعب سيدافع عن النظام والثروة ولن يستسلم للإمبريالية الأميركية. ولا مخرج من هذا المأزق إلا بواحد من أمرين، إما تفاهم سياسي وإجراء انتخابات رئاسية ونيابية بإشراف دولي، وإما حرب أميركية واسعة على فنزويلا حتى إسقاط النظام.
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وهو من أصل کوبي، يحذر قادة كل الدول من ممارسة الألاعيب مع ترمب. النظام الإيراني لعب معه فقصف المنشآت النووية. وتشافيز لعب مع أسلافه، لكنه نجا من انقلاب عسكري. ومادورو لعب معه فانتهى داخل سجن في نيويورك. ولا أحد يعرف ما الذي يجرب ترمب فعله في كوبا وكولومبيا ونيكاراغوا وبقية بلدان أميرکا اللاتينية المحكومة من اليسار. ولا أحد يجهل خطورة أن يوسع ترمب حربه تطبيقاً لـ”مبدأ مونرو”. لکن من الوهم تجاهل “ضعف الرجال الأقوياء” الذي كتب عنه في العدد الأخير من “فورين أفيرز” ستيفن كوتكين من معهد هوفر في جامعة ستانفورد ومؤلف “ستالين: قوة عظمى توتاليتارية”. والوهم الأكبر هو أن تنفرد روسيا أو الصين أو أوروبا أو أميرکا بالسيطرة على أوراسيا، أو أن ينجح ترمب في الانفراد بالسيطرة على أميركا اللاتينية.
أما الاستنكارات الصادرة في معظم عواصم العالم لخرق ترمب ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ سيادة الدول، فإنها مواقف للأرشيف، ولو كانت ضرورية. وأما نجاح ترمب أو فشله في مغامرة فنزويلا، فإنه يعطي إيران وتركيا وإسرائيل مزيداً من الحوافز لممارسة سياسة إمبريالية والتوسع على حساب سوريا والعراق ولبنان. ولا شيء يمنع شي جينبينغ من أن يستسهل استعادة تايوان بالقوة. ومرحباً بكم في غابة القوي بقوته، و”نظام” الفوضى في سباق الإمبراطوريات نحو القرن الـ19، بأسلحة القرن الـ21.
- إندبندنت



























