لم يعُد ما تشهده مدينة حلب في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، مجرّد توتر أمني قابل للاحتواء، ولا حلقة إضافية في سلسلة اشتباكات موضعية اعتادت عليها المدينة خلال السنوات الماضية. فالتصعيد الذي استمر ثلاثة أيام متواصلة، وانتهى بإرسال نحو ثمانين حافلة من منطقة دير حافر لإخلاء قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من الأحياء المذكورة، ودخول قوات الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية السورية بدلاً عنها، يشير بوضوح إلى تحول نوعي في مقاربة دمشق لملف “قسد” داخل المراكز الحضرية الكبرى.
هذا التحول لا ينفصل عن انتهاء المهلة الزمنية غير المعلنة لاتفاق 10 آذار/مارس، ولا عن التبدلات الإقليمية والدولية التي أعادت ترتيب أولويات الفاعلين في الملف السوري. كما أنه يعكس إدراكاً متزايداً لدى الحكومة السورية بأن استمرار الوضع القائم داخل أحياء مكتظة بالسكان، لم يعُد قابلاً للإدارة بالأساليب القديمة، لا سياسياً ولا أمنياً.
من الاشتباك الدوري إلى القرار السياسي
شهدت حلب خلال الأشهر الماضية جولات توتر متكررة بين القوات الحكومية و”قسد”، كان أبرزها في تشرين الأول/أكتوبر وكانون الأول/ديسمبر 2025. في كل مرة، كانت الاشتباكات تنتهي بتفاهمات محدودة، غالباً بوساطات غير معلنة، تعيد تثبيت خطوط السيطرة دون تغيير جذري في المعادلة. إلا أن الجولة الأخيرة كسرت هذا النمط.
ففرض حظر تجول، ومنح مهلة لإخلاء المدنيين، ثم الانتقال إلى خطوة عملية تمثلت بإخلاء قوات “قسد” نفسها من الأحياء، يعكس قراراً سياسياً واضحاً بإعادة ضبط المشهد الأمني، وليس مجرد الرد على مصادر نيران أو احتواء حادث أمني طارئ. هذا القرار جاء في لحظة سياسية حساسة، تزامنت مع تراجع هامش المناورة لدى “قسد” داخل المدن، ومع رغبة دمشق في استثمار التوازنات الدولية الراهنة لصالح تثبيت سيادتها في مراكز الثقل الحضري.
من الإطار السياسي إلى العبء الأمني
وُقّع اتفاق 10 آذار بوصفه إطاراً مرحلياً لتنظيم العلاقة بين دمشق و”قسد”، وفتح مسار تدريجي للاندماج الأمني والإداري، أو على الأقل لضبط الاحتكاك داخل المدن. غير أن التطبيق العملي للاتفاق ظل متعثراً منذ البداية، بفعل اختلاف التفسيرات، وتضارب المصالح، وغياب آلية تنفيذ واضحة.
في حالة حلب، تحوّل الاتفاق مع مرور الوقت إلى عبء أمني على الحكومة السورية، بدل أن يكون أداة تهدئة. فوجود “قسد” داخل أحياء ذات كثافة سكانية عالية، مع احتفاظها ببنية عسكرية مستقلة، خلق واقعاً هجيناً يصعب ضبطه، ويجعل أي حادث أمني مرشحاً للتصعيد السريع.
ومع انتهاء المهلة غير المعلنة للاتفاق، بدا أن دمشق اختارت التعامل معه كمرجعية سياسية شكلية، مع تجاوز بنوده عملياً عبر فرض وقائع ميدانية جديدة، من دون إعلان رسمي عن إلغائه أو الانسحاب منه.
سيطرة أمنية لا اقتحام عسكري
على الرغم من توصيف الخطوة بأنها “حسم”، إلا أن ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية لا يرقى إلى مستوى معركة عسكرية شاملة. فاختيار قوات الأمن الداخلي لتنفيذ الانتشار بدلاً من وحدات عسكرية تقليدية، يعكس حرصاً على تقديم العملية كإجراء سيادي مؤسساتي، لا كحملة عسكرية عقابية.
هذا الخيار يعكس أيضاً إدراكاً لدى دمشق لصعوبة القتال داخل أحياء حضرية مكتظة، وللكلفة السياسية والإنسانية لأي اقتحام واسع. فـ”قسد” راكمت خبرة طويلة في حرب المدن، وتستخدم شبكات أنفاق ونقاط قنص، ما يجعل أي مواجهة مفتوحة محفوفة بخسائر كبيرة، لا سيما بين المدنيين.
لذلك، يمكن فهم العملية على أنها إعادة هندسة للسيطرة، تهدف إلى تفكيك الوجود العسكري لـ”قسد” داخل المدينة، مع الإبقاء على هامش تفاوضي يمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
توازنات دقيقة
ولا يمكن قراءة ما جرى في حلب بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي. فالولايات المتحدة، الداعم الرئيسي لـ”قسد” في شمال وشرق سوريا، لا تبدو في موقع يسمح لها بالدخول في مواجهة مباشرة مع دمشق داخل مدينة بحجم حلب، خصوصاً في ظل أولويات أخرى تتعلق بإعادة الانتشار وتقليص الانخراط العسكري المباشر.
أما إسرائيل، فتنظر إلى الملف من زاوية أمنية بحتة، مع تركيزها على تثبيت تفاهماتها جنوب سوريا، واستخدام بعض الملفات الداخلية كورقة ضغط غير مباشرة في مفاوضاتها مع واشنطن ودمشق. وفي هذا الإطار، يبدو أن استمرار اتفاق 10 آذار شكلياً يخدم هذه التوازنات، عبر إبقاء “قسد” ضمن هامش حركة محدود، دون تمكينها من فرض وقائع جديدة داخل المدن.
الانقسام داخل دمشق
يعكس توقيت العملية وطبيعتها أيضاً توازناً دقيقاً داخل بنية القرار في دمشق. فمن جهة، هناك جناح أمني–عسكري يرى في أي وجود مسلح خارج السيطرة المباشرة للدولة، تهديداً لا يمكن التساهل معه. ومن جهة أخرى، هناك جناح سياسي أكثر حذراً، يسعى إلى تجنب أي تصعيد قد يتحول إلى أزمة دولية أو كارثة إنسانية.
ما جرى في حلب يمكن قراءته كمحصلة لهذا التوازن: خطوة حازمة، لكنها محسوبة؛ تدخل أمني، لا اجتياح عسكري؛ فرض وقائع، مع ترك باب السياسة مفتوحاً.
مستقبل الاتفاق
بعد التطورات الأخيرة، بات اتفاق 10 آذار في وضع رمادي. فهو لم يُلغَ رسمياً، لكنه فقد الكثير من مضمونه العملي. استمرار الاشتباكات كأداة ضغط، مقابل فرض وقائع ميدانية جديدة، يجعل الاتفاق أقرب إلى مرجعية سياسية تُستخدم عند الحاجة، لا إلى إطار ملزم للتنفيذ.
في هذا السياق، يُحتمل أن يستمر الاتفاق شكلياً، مع إعادة تفسير بنوده بما يتناسب مع ميزان القوى الجديد، خصوصاً داخل المدن الكبرى. أما في حال فشل هذا المسار، فقد يتحول الاتفاق إلى مجرد وثيقة مؤجلة الانفجار.
ما يحدث في حلب يتجاوز كونه مواجهة عسكرية محدودة، ليشكّل اختباراً سياسياً لقدرة دمشق على إعادة ضبط السيادة داخل مركز حضري بالغ الحساسية. كما أنه اختبار لـ”قسد” في تحديد خياراتها بين الاندماج المشروط أو الانسحاب من المدن الكبرى.
الحسم العسكري، في هذا السياق، يبدو ضرورياً لكنه غير كافٍ. فالنجاح الحقيقي لا يقاس فقط بالسيطرة الميدانية، بل بقدرة الحكومة على تحويل هذه السيطرة إلى استقرار طويل الأمد، وإلى مسار سياسي يخفف من احتمالات الانفجار المتكرر.
في النهاية، تبقى حلب مرآة لتعقيدات المشهد السوري كله: مدينة تختبر حدود القوة، وإمكانات السياسة، وقدرة الاتفاقات على الصمود في وجه الواقع. أما اتفاق 10 آذار، فيقف اليوم على مفترق طرق، بين أن يُعاد إنتاجه بصيغة جديدة، أو أن يُترك ليتآكل تدريجياً تحت ضغط الميدان.


























