أعادت التطورات المتسارعة في مدينة حلب السورية، وما رافقها من اشتباكات بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” ملف أمن الحدود العراقية إلى واجهة الاهتمام الأمني في بغداد، وسط مخاوف رسمية من انعكاسات محتملة على الداخل العراقي، وهو ما استدعى تحركات استباقية على الحدود المشتركة.
وأكدت مصادر عراقية مطلعة، لـ”العربي الجديد”، أن دوائر القرار الأمني في البلاد تنظر بقلق إلى مسار الأحداث في حلب، لا سيما بظل هشاشة الوضع الأمني في بعض مناطق سورية القريبة من الحدود العراقية، واحتمالات أن تكون المواجهات مجرد بداية ستمتد إلى باقي مناطق قسد التي تسيطر عليها المحاذية للعراق في دير الزور والحسكة. ووفقاً لمسؤول أمني عراقي رفيع، فإن “توجيهات عليا صدرت إلى القيادات العسكرية تقضي بإجراء مراجعة شاملة ومتكاملة لخطة ضبط الحدود المشتركة مع سورية من جهة محافظة نينوى والتي تسيطر عليها قوات قسد، مع التركيز على إعادة تقييم الانتشار العسكري وآليات المراقبة، ومستوى الجاهزية الميدانية، بما ينسجم مع طبيعة التهديدات المحتملة”.
وأكد مسؤول، اشترط عدم ذكر اسمه، لـ”العربي الجديد” أن التوجيهات “استباقية” في ظل تقديرات سورية ترجّح احتمال امتداد عمليات الجيش السوري، في المستقبل القريب، إلى مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” المحاذية للحدود مع العراق. وأشار إلى أن “الخطة الجديدة لا تزال قيد المراجعة، وتستند إلى جملة من السيناريوهات المحتملة، من بينها موجات نزوح متوقعة، أو تحركات غير منضبطة لمجموعات مسلحة، أو محاولات تسلل لعناصر متطرفة”.
وتأتي هذه التحركات الأمنية بالتوازي مع موقف سياسي عراقي، عبر عنه وزير الخارجية فؤاد حسين، الذي حذر أمس الخميس، من تداعيات الاشتباكات الحاصلة في حلب على الوضع في العراق. جاء ذلك خلال اتصال هاتفي أجراه مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان آل سعود، وفقاً لبيان صادر عن الخارجية العراقية. وذكر البيان، أنه “جرى خلال الاتصال تبادلُ الآراء بشأن أوضاع المنطقة، ولا سيّما التطورات الأخيرة في سورية، وخاصة الأحداث الجارية في مدينة حلب، مع تأكيد ضرورة وقف الصراعات، والاستمرار في المسارات التفاوضية، ولا سيما بين الحكومة الانتقالية وقيادات قوات سوريا الديمقراطية (قسد)”.
وأعرب حسين، عن قلقه “إزاء ما يجري في حلب من هجمات تستهدف مناطق مدنية وسكنية، وما نتج عنها من نزوح آلاف المواطنين الكرد خارج مناطقهم”، مؤكداً “أهمية العمل المشترك من أجل إيقاف هذه الهجمات ودعم الأمن والاستقرار في سورية”، مشدداً على أن استمرار هذه الأحداث “ستكون له انعكاسات مباشرة على الوضع في العراق”.
وتخشى السلطات العراقية من أن تؤدي الأوضاع غير المستقرة في مناطق سيطرة قوات “قسد”، إلى فرار آلاف السجناء من أعضاء تنظيم “داعش”، الموجودين لديها، أو أن تنتقل خلايا التنظيم المبعثرة في البادية السورية إلى داخل العراق. ويرى مختصون في الشأن الأمني، أن القلق العراقي يعكس إدراكاً لخطورة المرحلة ومحاولة لتفادي تكرار سيناريوهات سابقة شهدت تسرب التهديدات عبر الحدود، في وقت تسعى فيه بغداد إلى تحصين استقرارها الداخلي وسط أحداث متسارعة في المنطقة.
وقال الخبير الأمني، سعد الجبوري، وهو ضابط عراقي متقاعد برتبة عميد، إن “أي اضطراب أمني في الشمال السوري ينعكس تلقائياً على العراق بحكم الجغرافية وتشابك الملفات الأمنية”، مبيناً لـ”العربي الجديد”، أن “الحدود العراقية السورية كانت وما تزال هدفاً للاختراق سواء من الجماعات المتطرفة أو شبكات الجريمة المنظمة”. وشدد أن “مراجعة خطة أمن الحدود تمثل خطوة ضرورية واستباقية، وأن نجاحها يعتمد على التنسيق بين الانتشار العسكري الفعال والعمل الاستخباري الدقيق والتنسيق الإقليمي، لا سيما في ظل بيئة أمنية متغيرة وسريعة التعقيد”.
يجري ذلك في وقت تواصل فيه السلطات العراقية على نحو متسارع، بناء السور الإسمنتي بين العراق وسورية من جهة شمال البلاد وغربيها، وعلى طول يصل لأكثر من 620 كيلومتراً، مع خنادق وحواجز مختلفة، ضمن مشروع أطلقته الحكومة، بات يُعرف محلياً بـ”إغلاق الحدود”. ويشترك العراق مع سورية في حدود تبلغ أكثر من 620 كيلومتراً، وشهدت الحدود بين البلدين على مدى العقدين الماضيين عمليات تسلل لجماعات مسلحة، أبرزها تنظيم القاعدة، بين 2004 و2011، ومن ثم تنظيم “داعش”، فضلاً عن عمليات تهريب واستيلاء جماعات مسلحة مختلفة على المناطق الحدودية مع العراق.
ومنذ إسقاط نظام الأسد، بدأت الحكومة العراقية تنفيذ خطة لتأمين الحدود مع سورية ومنع عمليات التسلل بين البلدين، واتخذت إجراءات مشددة، وعززت وجودها العسكري على الحدود بوحدات قتالية كبيرة. وأطلق العراق فعلياً في العام 2020، بدعم غربي، مشروعاً لتأمين الحدود مع سورية المحاذية لمحافظتي الأنبار ونينوى، تتضمن إنشاء جدار إسمنتي وحفر خنادق بعرض وعمق ثلاثة أمتار إضافة إلى مد الأسلاك الشائكة ونصب أبراج المراقبة، ويمتد من منطقة فيشخابور شمال غربي العراق مروراً بمنطقة ربيعة وسنجار. وهذه المناطق هي نقطة نشاط لمسلحي حزب العمال الكردستاني وتقابلها مناطق سورية يسيطر عليها مسلحو قوات سورية الديمقراطية “قسد”.
- العربي الجديد


























