دمشق ـ « القدس العربي»: أثارت مقاطع مصورة تظهر أطفالا داخل سجن الأقطان شمال الرقة، الذي كان تحت سيطرة «قسد» تساؤلات واسعة حول ظروف احتجازهم وطبيعة التهم المنسوبة إليهم، حيث نقلت وكالة الأنباء الرسمية «سانا» شهادات مؤثرة لأطفال أُفرج عنهم من سجن الأقطان شمال الرقة، تحدثوا خلالها عن تعرضهم لانتهاكات جسدية ونفسية أثناء احتجازهم.
وقال أحد الصبية، الذي لا يتجاوز عمره 12 عاما، في مقطع مرئي «عناصر من قسد كانوا يضربونني بالعصي، ويقدمون لنا خبزا عفنا فاسدا، ويصبّون علينا المياه الباردة، ما تسبب بتفاقم تقرحات في جسدي».
وفي مقابلة مع فتى (15 عامًا) من دون الكشف عن هويته، بثّتها قناة “الإخبارية السورية” الحكومية مساء السبت، قدّم شهادة مباشرة تكشف جانبًا من ممارسات التعذيب والمحاكمات التي وصفها بالجائرة داخل السجن.
وحسب روايته، بدأت المأساة عندما اعتقل جهاز الأمن العام التابع لـ«قسد» الفتى قرب «دوار النعيم» في الرقة، بتهم تتعلق بتسريب معلومات لجهات وُصفت بـ“الإرهابية” وتنفيذ أعمال تخريبية.
وأوضح أنه نُقل بداية إلى مقاطعة الأمن العام، ثم إلى فرع «مكافحة الإرهاب» في سجن الأقطان، حيث خضع لجولات تحقيق قاسية رافقها تعذيب جسدي شديد.
وقال: «قضيت عشرة أيام في زنزانة انفرادية، من دون طعام كافٍ، ومن دون رؤية ضوء الشمس، وسط روائح خانقة لا تُحتمل».
ووصف مثوله أمام ما سُمّيت بـ«المحكمة والنيابة» بأنه كان مجرد “كيلٍ للاتهامات”، مشيرًا إلى تعرضه لسوء معاملة وإهانات متكررة من القضاة، الذين كانوا يصرخون في وجهه باستمرار، على حد تعبيره.
وأضاف أن الحكم الصادر بحقه بالسجن سبع سنوات شكّل «لحظة تحطم حياته» إذ كان يحلم بإكمال دراسته والحصول على الشهادة الثانوية.
وكشف الفتى عن وجود أطفال ومراهقين دون سن الثامنة عشرة داخل سجن الأقطان، موزعين على مهاجع تضم معتقلين من فئات عمرية مختلفة، بعضهم يواجه التهم نفسها المتعلقة بـ«الإرهاب».
وتحدث عن واحدة من أكثر اللحظات رعبًا داخل السجن، حين اقتحمت عناصر “قسد” المهاجع وأطلقت الرصاص الحي عشوائيًا فوق رؤوس السجناء وهم تحت أغطيتهم، ما بثّ الذعر في نفوسهم.
أما عن الساعات الأخيرة قبل خروجه من السجن، فأشار إلى أنه عاش حالة من الترقب والخوف من “التصفية الجسدية” على يد الحراس قبل انسحابهم.
وأضاف: «فجأة دخل عناصر وأبلغونا أنهم من الدولة السورية، وأن السجن تم تحريره. تقدمتُ أنا ورجل مسن يبلغ من العمر 65 عامًا ونحن نرتجف خوفًا، حتى تأكدنا أن الأبواب فُتحت وأن كابوس الاعتقال انتهى». وقالت إدارة السجون التابعة للإدارة الذاتية، في بيان، إن سجن الأقطان شمال الرقة كان يضم أطفالا، وإنه جرى التعامل معهم وفق المعايير الدولية.
وأوضحت أن قسما مخصصا في السجن كان يضم عددا من الأحداث، بعضهم متورط في جرائم متنوعة رفعت بشأنها شكاوى رسمية من المواطنين، فيما وقع آخرون ضحايا للتجنيد والاستغلال من قبل تنظيم «داعش» حسب البيان.
وأضافت أنها نقلت هؤلاء الأحداث قبل ثلاثة أشهر من سجن الأحداث إلى سجن الأقطان بسبب الظروف الأمنية، مؤكدة أنهم خضعوا خلال فترة احتجازهم لمعاملة خاصة تتوافق مع المعايير الدولية، وتم توفير برامج تأهيلية تهدف إلى إصلاح السلوك وتأهيلهم نفسيا واجتماعيا وضمان اندماجهم في المجتمع بعد انتهاء مدد احتجازهم.
فيما أعلنت وزارة العدل السورية أنه بعد انتهاء عملية تسليم سجن الأقطان في محافظة الرقة وخروج عناصر «قسد» منه، جرى استلام السجن أصولا من قبل الجهات الأمنية المختصة، في إطار بسط سلطة الدولة وإعادة المؤسسات إلى عملها وفق أحكام القانون.
وأكدت في بيان رسمي، أن الجهات المعنية باشرت الاطمئنان على سلامة السجناء وأمنهم، واتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان حقوقهم الإنسانية والقانونية، بما ينسجم مع القوانين النافذة والمعايير القضائية المعتمدة، بما في ذلك تأمين الطعام والمياه والدواء.
كما أعلنت عن تشكيل لجان قضائية مختصة لدراسة الأوضاع القانونية لجميع السجناء ومراجعة ملفاتهم بدقة، تمهيدا للبت فيها بالسرعة الممكنة وفق الأصول القانونية، وبما يحقق العدالة وسيادة القانون. وأكدت الوزارة متابعتها لهذا الملف بمسؤولية وشفافية، مطمئنة أهالي السجناء إلى أن هذه اللجان باشرت عملها فورا.
وسبق أن أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري أن وحدات من الجيش بدأت بنقل عناصر «قسد» من السجن ومحيطه في محافظة الرقة إلى مدينة عين العرب شرق حلب، موضحة أن هذه الخطوة تمثل الإجراء الأول لتطبيق اتفاق الثامن عشر من كانون الثاني، والذي ينص على تسلم وزارة الداخلية إدارة السجن، بينما أفادت وزارة الداخلية أن «إدارة السجون والإصلاحيات فيها تسلمت سجن الأقطان وباشرت فوراً بإجراء عملية فحص دقيقة وشاملة لأوضاع السجناء وملفاتهم الشخصية والقضائية، مع التأكيد على متابعة كل ملف على حدة، بما يضمن تطبيق الإجراءات القانونية بحق جميع الموقوفين والالتزام الكامل بمبادئ حقوق الإنسان وسيادة القانون».
وكان محيط السجن قد شهد قبل أيام اشتباكات بين «قوات سوريا الديمقراطية» التي تحصنت داخله، والقوات الحكومية، قبل أن تنسحب الأولى بموجب تفاهم جرى برعاية التحالف الدولي.
وفي مركز الرقة، تنتظر مئات النساء وكبار السن والأطفال بملابسهم التقليدية بمشاعر من القلق لمعرفة مصير ذويهم.
السوري محمد النهار، وهو من سكان الرقة، قال إنه ينتظر ابنه الذي احتجزه « قسد» قبل 6 أشهر وهو في سن الـ20 لمجرد التقاطه صورا مع جنود من الجيش السوري في دمشق.
وأكد النهار في حديثه للأناضول، أن التنظيم اتهم ابنه بالانضمام إلى الجيش السوري والذهاب إلى محافظة السويداء.
وشدد على أن عناصر «واي بي جي» طلبوا منه 1000 دولار للإفراج عن ابنه من سجن الأقطان.
فيما قال المواطن السوري عبد الرحمن، وهو من مدينة رأس العين التابعة لمحافظة الحسكة، إن التنظيم احتجز والده لأن شقيقه انضم إلى صفوف الجيش السوري الحر عام 2016.
وأوضح عبد الرحمن أن والده يبلغ من العمر 74 عاما وهو معتقل منذ 10 أعوام.
وأكد أن من بين المفرج عنهم من قبل الحكومة مؤخرا أطفال في سن 10 سنوات و7 سنوات.
… ومطالبة حقوقية بحماية مسارح الجريمة
دعت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» الأحد، إلى حماية مسارح الجريمة في مراكز الاحتجاز السابقة الخاضعة لسيطرة «قسد».
وقالت في تقرير نشره موقع قناة «الإخبارية» إنّ سيطرة الحكومة على عدد من مراكز الاحتجاز في شمال شرق سوريا يمثّل تحدياً عاجلاً يتمثل في حماية الأدلة المرتبطة بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، محذرة من خطر فقدانها.
وبينت أن «قسد» تتحمّل مسؤولية واسعة عن أنماط احتجاز تعسفي وانتهاكات ممنهجة، شملت القتل والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز التابعة لها.
ووثقت خلال الفترة الممتدة بين 8 كانون الأول 2024 و23 كانون الثاني 2026، مقتل 204 مدنيين، بينهم 24 طفلاً و19 سيدة، كما وثّقت الشَّبكة ما لا يقل عن 819 حالة اعتقال تعسفي، إلى جانب ما لا يقل عن 15 حالة تعذيب وسوء معاملة.
ولفتت إلى أن أي خلل في جمع الأدلة أو حفظها أو توثيقها قد يؤدي إلى استبعادها قضائياً، بما يقوّض حقوق الضحايا في الحقيقة والعدالة، محذرة من أخطار فقدان الأدلة بسبب التدمير المتعمد، أو الوصول غير المنضبط، أو التدهور البيئي.
وفيما يتعلق بمخيم الهول، أكدت أنه ينبغي اتخاذ إجراءات فورية لتوثيق هويات جميع المحتجزين وظروف احتجازهم، والشروع في إجراءات الإفراج القانونية عن المحتجزين دون سند قانوني، وصون جميع السجلات التي قد تثبت حالات فردية للاحتجاز التعسفي، وفصل الأسر، والوفيات أثناء الاحتجاز، مع إنشاء مراكز معلومات تمكّن الأسر من الإبلاغ عن المفقودين وتقديم بيانات ما قبل الوفاة يعد أمراً بالغ الأهمية لدعم جهود تحديد الهوية مستقبلاً.
ودعت الدولة السورية إلى تأمين جميع مراكز الاحتجاز التي أصبحت الآن تحت سيطرتها، بصورة فورية، عبر نشر أفراد أمن مدربين لإنشاء نطاقات حماية مادية، وتطبيق بروتوكولات دخول صارمة تشترط تصريحاً كتابياً وتوثيقاً كاملاً، ومنع أي إزالة أو إتلاف أو نقل للأدلة من المواقع.
وطالبتها بالإسراع في إبرام اتفاقيات تعاون رسمية مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة لسوريا، واللجنة الدولية لشؤون المفقودين، ولجنة الأمم المتحدة للتحقيق، ومنح هذه الهيئات حق الوصول لجمع الأدلة وفق المعايير الجنائية الدولية.
- القدس العربي


























