في السياق السوري، برز مفهوم “تحالف الأقليات” بوصفه سرديةً إشكاليةً تفتح الباب أمام تساؤلاتٍ شائكةٍ وعميقة حول ملامح الدولة الجديدة المنشودة. من الناحية النظرية على الأقلّ، لا يمكن مقاربة هذا المفهوم بوصفه خياراً أخلاقياً ينطلق من حسّ المبادرة الاستباقية، بل بصفته نتاجاً وضعياً لنزاعات غير محسومة، تُدار فيها الهُويّات بوصفها وقوداً للصراع أكثر منها مدخلاً للحل. وعبر إعادة إنتاج روايات قديمة تقوم على حماية الخصوصية الاجتماعية والدينية في بيئة مضطربة، بحثاً عن مظلات حماية خارجية بديلة، تنشّطت ديناميات “الربيع الأقلوي” لابتكار هندسة جديدة للعمل السياسي في علاقته التاريخية الملتهبة بـ”الفزّاعات” الإسلامية.
تعزّز هذا “الربيع” القصير بتصريحات إسرائيلية (علنية) تحدّثت عن تحالف طبيعي مع مستضعفي المنطقة، وصولاً إلى مؤتمر أقيم في تل أبيب نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي (2025) لدعم السوريين الكرد والدروز والعلويين والمسيحيين، ما أعاد إلى الأذهان سيناريوهات التحالفات الهُويَّاتية التي ظلّت تلجأ إلى الشعارات الفضفاضة بعيداً من الإدراك الحيوي للمتغيّرات، حتى أخضعتها شروط الواقع وإكراهاته. غير أنّ تحليل الواقع الميداني والسياسي أشار دائماً إلى تناقض جلي بين الممارسة وخطاب “الأقليات”؛ لأنه نتيجة تقاطع مصالح ظرفي بين مجموعات بعينها، خلقت آمالاً منتفخة غير واقعية قابلة للانفجار في أيّ وقت، وغالباً ما بُرِّر هذا التجاوز بأحكام الضرورة، التي تنطوي على مساحاتٍ ضبابيةٍ تُعنى بإدارة اللحظة الوجودية خارج المعطيات القائمة.
المأمول إغلاق صفحة كاملة من الصراع القائم على الهُويّات المسلّحة، وفتح مسار جديد تُدار فيه الخصوصيات عبر القانون، لا عبر السلاح والرهان على الخارج
على التوازي، تبنّت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) زعامة هذا “الربيع” الطارئ ممثّلاً عابراً للطوائف والقوميات، فاختارت توقيتاً مدروساً لعقد “كونفرانس وحدة الموقف لمكوّنات شمال شرق سوريا” في الحسكة (8 أغسطس/ آب 2025)، قبيل جولة تفاوضية مرتقبة في باريس مع موفدين عن الحكومة السورية، واستقطبت في المؤتمر أبرز الشخصيات المعارضة، مستثمرةً سرديات القلق الوجودي والخوف من الاستباحة والإقصاء.
لم يكن المؤتمر فعاليةً تنظيميةً مارقةً، بل محاولةٌ لإيجاد مشهد سياسي واعد يوحي بوجود إجماع مكوّناتي على خيار اللامركزية الإدارية، وتقديم هذا الخيار بوصفه ضمانةً للتمثيل والحماية في مرحلة ما بعد الصراع، لا مطلباً خاصاً بالإدارة الذاتية، متمخّضاً من صيغة حكم تضمن الشراكة من دون عودة، ما تصفها بـ”المركزية الإقصائية”، عبر إيجاد قواسم مشتركة نفسية وسياسية بين مكوّنات تجتمع على اختلافها العضوي مع قيادات الدولة الجديدة ذات اللون الواحد.
الهدف القريب من هذا المسار كان ممارسة ضغط سياسي وازن على الحكومة الجديدة، عبر تقديم “قسد” نفسها وسيطاً معبّراً عن مصالح “الأقليات”، وليس طرفاً تفاوضياً يسعى لتثبيت مكاسب سلطوية خاصّة بها. غير أن هذا التكتيك، وعلى الرغم من زخمه الإعلامي، ظلّ هشّاً من حيث المضمون، إذ اصطدم بواقع أن دمشق تنظر إلى مثل هذه التحالفات الغائمة أدواتٍ وظيفية تهدف إلى التقسيم، لا تعبيراً حقيقياً عن توافق وطني، ما يحدّ من قدرتها على إحداث اختراق فعلي في مسار التفاوض أو فرض وقائع سياسية دائمة.
واليوم تتسارع الأحداث بوتيرة غير مسبوقة بعد الطوفان الكردي في الإقليم، إثر تخلّي الولايات المتحدة عن حليفها الوفي “قسد”، ما يعكس تحوّلات عميقة في موازين القوى بعد تمكّن الجيش السوري من بسط سيطرته الكاملة على المناطق الواقعة غربي نهر الفرات، إضافة إلى مدينتَي الرقّة ودير الزور، مع إحكام قبضته على حقول نفطية استراتيجية شرق النهر. لا يمكن قراءة هذا التحوّل إنجازاً عسكرياً معزولاً، بل يأتي في سياق صراع مركّب تتداخل فيه العوامل العسكرية والاقتصادية والسياسية، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة تعيد طرح الأسئلة الكبرى حول وحدة الجغرافيا ومستقبل المشاريع المتنازعة على الأرض السورية.
فعلياً، بدأ الهجوم العسكري على “قسد” بعد اجتماع باريس أوائل يناير/ كانون الثاني الجاري بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين برعاية وسيطة أميركية وفرنسية، ومن ثم صدور مرسوم رئاسي أعلن ضمان حقوق الكرد وخصوصياتهم الثقافية واللغوية بنصّ القانون، مستهدفاً في العمق نزع الذريعة السياسية التي بنت عليها “قسد” مشروعها سنوات: الادعاء بأنها الحامي الوحيد لحقوق “الأقليات” في مواجهة مركز متشدّد ورافض. فالدولة، عبر المرسوم، وجّهت رسالةً مزدوجةً: الأولى إلى المجتمع الكردي أنّ حقوقه ليست رهناً ببقاء قوة مليشياوية معادية لدمشق، بل يمكن صونها ضمن الإطار الوطني الجامع؛ والثانية إلى “قسد” نفسها بأن وظيفتها السياسية قد استُنفدت، وأن استمرارها قوةً مستقلّةً لم يعد مُبرَّراً، لا أخلاقياً ولا سياسياً. والمأمول إغلاق صفحة كاملة من الصراع القائم على الهُويّات المسلّحة، وفتح مسار جديد تُدار فيه الخصوصيات عبر القانون، لا عبر السلاح والرهان على الخارج.
في ضوء ما سبق، لم يسقط مشروع “قسد” نتيجة هزيمة عسكرية مباشرة بقدر ما كان ثمرة مسار طويل من التآكل الداخلي والارتهان الخارجي وفقدان الرؤية السياسية الثاقبة التي ستحصّنه مستقبلاً. فمنذ نشأته، بُني هذا المشروع على دعم أميركي مكثّف وفّر له قوة ميدانية ونفوذاً تفاوضياً، لكنّه في الوقت ذاته وضعه في موقع التابع لإرادة خارجية متقلّبة.
إقليمياً، اصطدم مشروع “قسد” بجدار صلب من الرفض والقلق، خصوصاً تركيا التي رأت فيه تهديداً مباشراً لأمنها القومي. ومع تغيّر أولويات واشنطن، انكشف المشروع سريعاً، إذ لم يمتلك شبكة أمان دولية بديلة، ولا قدرة ذاتية على الصمود في وجه التحوّلات الكبرى. تزامن ذلك مع إخفاق “قسد” في الداخل في إنتاج شرعية وطنية جامعة مع المكوّن العربي، الذي ينظر إليها قوةً كرديةً تحاول تغليف مشروعها بخطاب جذّاب مكوّناتي وحقوقي.
وبالتالي؛ لم تنجح “قسد” في تحويل تفوّقها العسكري مكسباً سياسياً دائماً. ومع تغيّر موازين القوى وتراجع الغطاء الخارجي، تحوّلت هذه السياسة عبئاً ثقيلاً، لتجد نفسها أخيراً أمام لحظة حاسمة لم تعد فيها قادرةً على فرض شروطها أو حتى الحفاظ على مشروعها؛ لأنه كان (دائماً) بلا عمق سيادي حقيقي: بلا دعم دولي ثابت، وبلا شرعية وطنية واسعة، وبلا توافق إقليمي يسمح له بالتحوّل واقعاً مستداماً. وعندما تلاقت هذه العوامل في اللحظة المناسبة، لم يعد سقوطها احتمالاً، بل نتيجة حتمية لمسار مشوّه منذ البداية.
أصبحت مشاريع الحكم الذاتي مساراتٍ غير قابلة للحياة خارج الدولة السورية
ويمكن القول إنّ نهاية “قسد” تعني نهاية مشروع “حلف الأقليات”، ليس رهاناً كاملاً على فيدراليات يُعاد إنتاج شرعياتها التفاوضية فحسب، عبر ما يمكن وصفها “شراكة المظلومية”، بل أيضاً لفشلها الذريع في نزع الجاذبية الأيديولوجية المتمسّحة بالدين للجماعات السلفية الفاعلة. وهكذا تضع جميع الأطراف المنضوية ضمن هذا الحلف أمام واقع جديد ومُعقَّد: إما الاندماج ضمن الدولة السورية الموحّدة وفق شروطها وتوصياتها، أو مواجهة تداعيات سياسية وأمنية لا يمكن التنبّؤ بمآلاتها الكارثية على الإطلاق.
بالمختصر، شكّل “الربيع الأقلوي” (وتداعياته) مرحلةً مفصلية عزّزت مفهوم المظلومية المُستعصِية، وربما لم يعد ممكناً النظر إلى مشاريع الحكم الذاتي إلّا بوصفها مسارات غير قابلة للحياة خارج إطار الدولة السورية، باعتبارها رهانات سياسية وُلدت في ظلّ فراغ القوة واختلال التوازنات، ثم ارتبطت، على نحوٍ مباشر أو غير مباشر، بإمكانية نجاح نموذج “قسد” بوصفه حالةً رائدةً يمكن استنساخها. ومع انكشاف هذا الواقع اليوم، تصبح العودة إلى الدولة، مهما كانت الملاحظات على أدائها، الخيار الأقلّ كلفةً مقارنةً بمغامرات سياسية بلا غطاء أو أفق.
- العربي الجديد


























