إنّ خطاب المظلوميات يُبلّد الضمير الإنساني، ويُعفي المؤمن به من الإحساس بالذنب وهو ينتهك حقوق الآخرين. هو خطاب يُستخدم لتشكيل جماعات فئوية مُتجانسة قابلة للتجييش والهيمنة. إنّ الإيمان بعقيدة المظلومية الفئويّة يعني التحوّل إلى أداة بيد زعامات سياسية -دينية تستثمر الألم لصناعة مشاريع خراب.
كلُّ خطابِ مظلوميةٍ سوف يبنى عليه تعاطف انتقائي، وغالباً ما يكون على حساب دمٍ آخر جرى استبعاده خارج إطار هذه المظلومية. حين تتحول المظلومية إلى خطابٍ سياسي أو ثقافي مغلق، فهي لا تُنصف الضحية بل تُعيد إنتاج الإقصاء وتبرير العنف ضد الآخرين.
من الضروري بمكان التمييز بين الظلم والمظلومية، الظلم: فعلٌ مُتعين يمكن إثباته بالقرائن والأدلة، ويقع على فرد أو جماعة مُحددة، ويستوجب المطالبة بالعدالة وإنصاف الضحية. أي هو ظاهرة موضوعية، وصاحب الحق المباشر في مواجهته هو الضحية نفسها، بينما المظلومية: ليست مجرد تعرّض جماعة لظلم تاريخي، بل هي قالب ثقافي واعتقاد نفسي–اجتماعي يترسخ في الذاكرة الجمعية، ويتجاوز الفرد المُتضرر ليشمل جماعة بكاملها، وبما يشمل أولئك الذين لم يتعرضوا للظلم مباشرة.
المظلومية لا تخمد مع مرور الزمن، ولا تزول بتغيّر الأحوال أو حتى بانقلاب الأدوار بين الضحية والجلاد. هي تولد إحساساً مُبالغاً فيه بالاضطهاد مع قلقً وجوديً دائم يُسهِّل الدخول في دوائر مفرغة من العنف والعنف المضاد، ومن أشهر نماذجها في التاريخ: المظلومية اليهودية والمظلومية الشيعية.
تتميّز عقيدة المظلومية بثباتٍ قد يشلّ التفكير السياسي النسبي، ويُعطّل قراءة الواقع ومتغيراته، كما تُسهم في تبليد الحس الإنساني والأخلاقي لدى المؤمنين بها. ما يلفت الانتباه أن خطاب المظلومية يبقى ثابتاً رغم تغيّر الواقع. فإسرائيل، رغم تفوقها العسكري وارتكابها مجازر إبادة بحق الشعب الفلسطيني، ما تزال تسوّق نفسها كـ”ضحية” عبر استدعاء الهولوكوست والمظلومية اليهودية! لنتساءل هنا، ما الذي يجعل خطاب المظلومية جذّاباً وقابلًا للتسويق رغم كل تناقضاته؟!
المظلومية الكردية – قراءة نقدية
بداية لا بد من الإقرار بوجود ظلم وتمييز قومي مارسته السّلطة الأسدية–البعثية بحق السوريين الكرد، وهو ظلم يستوجب المعالجة ضمن إطار وطني سوري جامع. وقد جاء المرسوم الرئاسي رقم 13 خطوة إيجابية في الطريق الصحيح. لكن، إذا سلّمنا مؤقتاً بوجود “مظلومية كردية” في سوريا، فكيف يمكن الاستمرار في هذا الخطاب في ظل واقع سياسي جديد ومُستجد؟
منذ حوالي عشر سنوات، أقامت قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، بدعم أميركي–أسدي، كياناً سياسياً يُكرّس أيديولوجيا قومية كردية متعصبة في محافظات الجزيرة السورية الثلاث، والتي غالبية سكانها من السوريين غير الكرد. وقد مارس القمع المفرط على كل معارضيه، حيث قامت “قسد”، على سبيل المثال لا الحصر، بتهجير سكان عشرات القرى العربية في محيط مدينة عين العرب.
المنطق السياسي يقتضي، في هذه الحالة، الانتقال للحديث عن مظلوميات أخرى عربية أو آشورية مثلاً! وليس الاستمرار في إنتاج خطاب المظلومية الكردية نفسه من قبل ” قسد” وأحزاب أخرى ومثقفين كرد مؤيّدين لها.
الأمر ذاته ينطبق على إقليم كردستان العراق، حيث “يحكم الأكراد أنفسهم”، ومع ذلك لم يتراجع خطاب المظلومية، رغم وجود شواهد موثقة على ممارسات تمييز وعنف بحق لاجئين وأفراد عرب سوريين قبل أسابيع قليلة! المُشكلة هنا أن خطاب المظلومية لا يتغير بغض النظر عن موقع الجماعة: في السلطة أو خارجها.
في الحقيقة، إن المُستفيد الأكبر من ترك خطاب المظلومية الكردية هم أهلنا السوريون الكرد قبل غيرهم، حيث أن الخروج من دائرة المظلومية يتيح للانسان إعادة تعريف نفسه بشكل متوازن كمواطن عليه واجبات ويتمتع بحقوق المواطنة المتساوية.
المظلومية العلوية وإرث الخوف
كثيراً ما يُسوَّق لخطاب مظلومية علوية يُعاد فيها استحضار مظالم تعود لحقب مملوكية وعثمانية بعيدة، بما يشمل مجازر تاريخية في مدينة حلب وغيرها. المسألة هنا ليست تاريخية بقدر ما هي نفسية–سياسية. لقد شكّلت عقيدة المظلومية العلوية قلقاً وجودياً عميقاً لدى قطاعات واسعة من العلويين، وتمّ استخدام هذا القلق والخوف المُزمن من قبل السلطة الأسدية، حيث شكّلت مجتمعات علوية سورية حاملاً اجتماعياً–سياسياً للسلطة الأسدية.
وقد تمتّع علويون كثر بامتيازات ونفوذ سلطوي غير متناسب مقارنة بالسوريين الآخرين، وقد حدث ذلك في إطار خطة مدروسة من قبل السلطة الأسدية بما يحافظ على فقر المجتمعات العلوية ويقصي أي صوت سوري وطني معارض داخل المجتمعات العلوية.
بالعودة إلى خطاب المظلومية، فرغم انتقال “علويين” إلى موقع السلطة، بقي خطاب الضحية حاضراً، وتمّ استخدامه من قبل السلطة الأسدية ومن ثم فلول السلطة الأسدية لتبرير جرائم حرب وانتهاكات بحق مجتمعات سورية أخرى. دعّم النظام الأسدي خطاب المظلومية العلوية بشكل مُمنهَج وغير معلن، كما ضخّم الخوف من “الآخر”، ليُقدّم حرب الإبادة التي شنّها ضد السوريين بوصفها “دفاعًا وجوديًا” عن النفس.
إن تخلي أهلنا السوريين العلويين اليوم عن عقيدة وخطاب المظلوميات يحقق مصلحة مؤكدة لهم، للخروج من قوقعة الخوف، وإعادة ترميم النسيج الاجتماعي السوري والانطلاق إلى الفضاء السوري العام بعيداً عن الحُمولات الثقيلة للماضي. إنَ تقدم الحكومة السورية في خطوات ملموسة في مسار العدالة الانتقالية سوف يساعد ويُضعف سردية المظلومية العلوية وغيرها من المظلوميات السورية الموازية.
المظلومية السنية – خطر التكوين الطائفي
خلال الثورة السورية تعرضت مجتمعات سورية سُنّية واسعة إلى مجازر إبادة وتهجير واسع وعنف مُمنهج من قبل السلطة الأسدية وميليشيات شيعية عابرة للحدود. إنّ الجرائم التي تم ارتكابها هي في الواقع جرائم قابلة للتوصيف القانوني والمُحاسبة والعدالة الانتقالية.
لكن تحويل هذه الوقائع الجُرمية إلى “عقيدة وخطاب مظلومية سنية” يحمل مخاطر جسيمة وينقل الصراع من حيز العدالة إلى حيز الثأر الطائفي، حيث يُعرّف الجاني بصفته الطائفية وليس بصفته الشخصية الجُرمية، كما أنّ هذا قد يؤسس لصراع مظلوميات متقابلة (سنية/علوية/شيعية) يُقوّض المشروع الوطني السوري ومسيرة دولة المواطنة المتساوية.
مثلًا إنّ القول: “نحن السنة قدّمنا مليون شهيد” يحوّل الضحية إلى هوية جماعية، ويمنح تفضيلاً سياسياً وأخلاقياً لمجرد الانتماء الطائفي! كما أن المجتمع السوري السُّني نفسه متعدد ومركّب، فهناك سُنّة كانوا ضحايا، وهناك سنّة تورطوا في القتل وأعمال التشبيح والنهب. وبالمثل، ليس كل العلويين شركاء في جرائم النظام؛ ومن المفيد هنا أن تنذكّر كيف قُتل مئات المدنيين العلويين على أساس طائفي في موجة العنف التي حدثت في الساحل في آذار 2025.
نؤكد هنا على تجاوز خطاب المظلومية السنّية، وضرورة النظر إلى المستقبل وبناء الدولة السورية الحديثة، وهذا لا يستقيم بحضور خطاب المظلومية السنّية أو غير السنّية، فبناء سوريا الحديثة يحتاج إلى دولة مؤسسات، ويحتاج إلى فصل السلطات، وديمقراطية، واستقلال القضاء، وكفاف معيشي، وليس بحاجة لاستحضار مظلوميات وتاريخ مشحون بالمآسي وذاكرة الثأر والانتقام.. ولنا في التجربة العراقية المُجاورة درس مفيد!
ببساطة، لا يمكن بناء سوريا وطنًا جامعًا ودولة حديثة قائمة على المواطنة المتساوية في ظل خطاب المظلوميات. ما نحتاجه هو تفكيك مفهوم المظلومية في الخطاب الإعلامي والتعليمي، والانتقال من مشاريع المظلومية إلى مشروع العدالة الانتقالية، أي إنصاف الضحايا كأفراد، لا ككتل طائفية أو قومية.
- الثورة السورية



























