مرّت الفكرة العربية، منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى اليوم، على الصعيدين النظري والعملي، بثلاث مراحل، اتسمت المرحلة الأولى الإصلاحية بسيطرة النزعة الليبرالية الدستورية على فكر ممثليها في المشرق العربي، والذين كان جلّهم من أعضاء (الجمعيات العربية) كنجيب عازروي، وإلى جوارهم يقف الكواكبي، وانضم إليهم، بعد خضوع المشرق للاحتلالين البريطاني والفرنسي، رجال جدد أمثال الأمير شكيب أرسلان، والريحاني، وإدمون رباط، ومحمد كردعلي، فكانت الخطط تتجه بدعوتها إلى اتحاد فيدرالي بين دول دستورية ليبرالية، وهو ما ظهر جلياً في قرارات رجال الحركة العربية في مؤتمرهم بدمشق (المؤتمر الوطني السوري) عام 1920، وظهر جلياً، كذلك، في اقتراح أرسلان عام 1937، قيام اتحاد بين العراق والسعودية وسورية وفلسطين وشرقاً، وعبره يمكن استثارة مصر للانضمام إليه، وهي اقتراحات شبيهة بمشروع الريحاني (الاتحادي).
أثمرت جهود هؤلاء، فضلاً على تأثير المناخ، الفكري الوحدوي، الذي تركه منظّرو "الأيديولوجية القومية" العربية، وفي مقدمتهم ساطع الحصري، وقسطنطين زريق، والعلايلي، عن قيام الجامعة العربية في عام 1945، التي كانت أكثر اتساقاً مع المشاريع الاتحادية لهؤلاء الليبراليين، الذين مزجوا ما بين الليبرالية، والفكرة الدستورية، والصيغة الفيدرالية للوحدة، فكانت أقلّ من متطلبات الإيديولوجيون القوميون، وأصحاب الراديكاليات، على الرغم من أنها أسست إطاراً وحدوياً مفتوحاً على إمكانية تطوير مؤسساتها تبعاً لإرادة تلك الدول.
أما المرحلة الثانية والتي اتسمت بالراديكالية، حيث تحكّم أصحاب الأيديولوجيات (التقدمية) اليسارية باتجاهات السياسة العربية الرسمية والشعبية، على الأقل، ما بين عامي1956 و1970، والتي يمكن تسميتها "بالحقبة الناصرية" أو "الحقبة التقدمية"، تحولت فيها مصر بقيادة عبد الناصر إلى مركز للعمل الوحدوي، وقائدة له، فقد هيمن على توجهاتها نموذج (الدولة الأمة) الواحدة، أو الوحدة الاندماجية، التي يحتل فيها التقدميون موقع القيادة، بعد أن يضموا أقطارهم، عن طريق الانقلاب أو الثورة، الى القطر التقدمي المحوري، لا سيما مصر الناصرية (الإقليم القاعدة) من دون اكتراث بالأطر الدستورية الديموقراطية للدولة، طالما أن هؤلاء التقدميين قد أسقطوا الليبرالية والديموقراطية من أولوياتهم لحساب ما سموه الديموقراطية الاجتماعية، ودفعوا صيغة "الجامعة العربية" إلى خارج مرماهم الوحدوي، وحصروا دورها برعاية ما يسمى "التضامن العربي"، كحد أدنى للعمل الوحدوي.
لقد انتعش هذا المشروع الفكري تحت قيادة عبد الناصر، التي انجذبت إليها الكتلة الأساسية من الجمهور العربي، إثر "نكبة" عام 1948، وتدهور سمعة النظم الليبرالية، وانكشاف عجز (الجامعة العربية) عن مواجهة متطلبات المعركة، فلاح لسنوات وكأن العرب قد اقتربوا من تحقيق وحدتهم، التي تحولت إلى واقع فعلي بعد اتحاد سورية ومصر عام 1958، إلاّ أن انفصال سورية عام 1961، وصعود نظم عربية "تقدمية" منافسة لعبد الناصر بدلاً من أن تكون معاضدة له، ولا سيما سلطات البعث في سورية والعراق، قاد إلى استنزاف المشروع الوحدوي (التقدمي) برمته، وزاد من عمق التشرذم العربي، وذلك بإضافة محور جديد للصراع ادخل النظام العربي في مناخ (الحرب الباردة) العربية، المستعرة آنئذٍ، بين الأنظمة المحافظة، والأنظمة التقدمية، وهو ما شكل الوضعية التاريخية لهزيمة حزيران 1967، ولتراجع المشروع الوحدوي (التقدمي) برمته، لحساب شعار (وحدة الصف) لخدمة استراتيجية (إزالة آثار العدوان)، وبالتالي إلى استعادة الجامعة العربية لدورها في خدمة هذه الاستراتيجية.
المرحلة الثالثة، وهي التي ترافقت مع انكشاف استنفاد "النظام التقدمي" لطاقته، وتراجع شعبيته، وانهيار مفاهيمه العامة في البناء التنموي، أو الوحدوي، إذ أنه بعد أن دارت الأفكار دورتها، وتقدمت المسرح أفكار جديدة، واستُعيد الاعتبار فيها للمفاهيم قديمة، وفي مقدمتها مفاهيم الديموقراطية، ومؤسساتها، والنظم الدستورية، ودور الشعب والمشاركة، وازداد الانتباه أكثر فأكثر إلى دور الجامعة العربية ودور مؤتمرات القمة، كحاضنة لا بد منها للارتقاء بالعمل العربي (الوحدوي)، وإطار واقعي ومؤسسي متدرج لرعاية هذا العمل.
فبعد أن استخفّت الحقبة التقدمية طويلاً بالجامعة العربية، وغيبت دورها، لحساب طرائقها (الانقلابية) في الوحدة، يتأكد الآن أكثر فأكثر أهمية تفعيل مؤسساتها المختلفة لاستنهاض العمل العربي المشترك، مع التأكيد على حقيقة، أنه لا بديل عنها إذا أراد العرب فعلاً تطوير علاقاتهم في ما بينهم على طريق بناء تكتل عربي جماعي، يمكن أن يقودهم تدريجياً إلى شكل من الاتحاد، أو الوحدة، يأخذ في الاعتبار العمل المؤسسي، والتدرجي، وأن يدرك الجميع، بما فيهم أصحاب أيديولوجية القومية، أن ما لا تستطيع أن تقوم به الجامعة، ليس حجة عليها بل على أعضائها، وأن الجامعة بالنهاية تعكس ما يريده العرب، أو ما يقدرون عليه. لهذا فإن الارتقاء بعمل الجامعة يتعلق، على كل حال، بمدى ترسخ الحياة الديموقراطية في الأقطار العربية، وبقدرة الشعب على التأثير في مجريات الأحداث، وبمدى ابتعاد الزعامات العربية عن سياسة المحاور، وعن الادعاء بأنهم وحدهم ممثلون للأمة، ولعل في انتظام انعقاد مؤسسه القمة الأمة، وتعزيز المصالحة العربية، على قاعدة المساواة والاحترام المتبادل بأشخاصهم ودولهم، سيقود إلى وصل ما انقطع مع توجهات أصحاب الفكرة العربية الدستورية الديموقراطية الاتحادية.
"المستقبل"




















