في أدبيات النزاعات المسلحة، يتمخّض عن الثورات أو النزاعات العسكرية ما يُسمّى بالفصائل العسكرية، وهي تُعدّ وتُصنَّف كفاعلٍ ما دون الدولة. وهذه الفواعل إمّا أن تكون نتيجة ثورات شعبية تواجه النظام السياسي ردًّا على العنف غير الشرعي من قبل الدولة، أو تكون نتيجة صراع بين المعارضة والنظام، كطرف ثالث يتغذّى على الفوضى ويحمل مشروعًا مختلفًا عن السياق العام عقب انهيار السلطة المركزية.
غير أن هذا التصنيف لا يكون ثابتًا، بل يرتبط بوظيفة الفاعل وعلاقته بمشروع رؤية سياسية ناضجة وبديلة. فبحسب مقاربات الفاعلين من دون الدولة، لا يُعدّ وجود السلاح بحد ذاته مؤشرًا على اللاشرعية، بل يصبح كذلك عندما يتحوّل الفاعل المسلّح إلى كيان يعتمد في بقائه على استدامة الصراع بدل إنهائه.
في الثورة السورية، كانت فصائل المعارضة فاعلًا ما دون دولة طبيعيًا لديه هدف وحيد، وهو إسقاط نظام الأسد وإعادة بناء دولة الحرية والقانون وفق رؤية وطنية موجودة رغم كل تباينات الفصائل العسكرية، بعكس تنظيمات أخرى، كحال قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي لا تمتلك رؤية واضحة بهذا المعنى الوطني، بل كانت تتغذّى على الصراع العسكري خلال فترة الثورة السورية وتناقض الأجندات المحلية والدولية، ما جعلها تنظيمًا هجينًا ما دون دولتي، يقوم على الصراع ولا يمتلك مشروعًا سياسيًا واقعيًا، ولا شرعية سياسية أو شعبية، إلا في حدود تناقضات الملف السوري.
لقد لعبت قسد دور المفسد للسلام، ولمجال السلام ذاته. ووفق نظرية “المفسدين” في عمليات السلام، لا يُعدّ تعطيل الاتفاق بالضرورة تعبيرًا عن رفض نهائي أو قبول، بل قد يعكس سلوك “المفسد” الذي يسعى إلى “السيولة”، وفق مفهوم “زيغمونت باومان”، بمعنى التمييع المقصود، في ظل إدراك قسد لتغيّر ميزان القوى.
عقب سقوط نظام الأسد وسيطرة فصائل الثورة السورية، إثر عملية “ردع العدوان” على دمشق، دخلت سوريا مرحلة جديدة عنوانها “احتكار العنف الشرعي”، مع تحوّل فصائل الثورة تدريجيًا إلى فاعل دولتي من خلال إعادة بناء منظومة الجيش، بما يتوافق مع أطروحات “تشارلز تيلي” حول تشكّل الدولة الحديثة عبر توحيد أدوات القوة ضمن مؤسسة عسكرية مركزية. وقد مثّل برنامج إعادة الدمج والتسليح المنظّم الإطار العملي لتحويل الفصائل المسلحة من فاعلين ما دون الدولة إلى مكوّنات ضمن جيش وطني خاضع للسلطة السياسية الجديدة. وفي ظل هذه المتغيرات، بقيت قسد تُعدّ فاعلًا ما دون دولة، ما وضعها نظريًا في موقع الفاعل المعرقل لمسارات التحوّل، لا الفاعل المقاوم لها. فالفاعلون الذين لا يستطيعون الانتقال من فاعل حرب إلى منطق الدولة يصبحون جزءًا من مشكلة بناء الدولة، لا جزءًا من حلّها.
حتى جاء اتفاق آذار/مارس 2025، الذي شكّل نقطة اختبار حاسمة، ليس فقط على المستوى السياسي، بل على المستوى البنيوي لطبيعة قسد ودورها. فقد كان هذا الاتفاق بمثابة إعلان من الحكومة السورية الجديدة عن نيتها عدم خوض حرب جديدة، ومنح مجال للتفاوض السياسي، وتجنيب سوريا حربًا داخلية جديدة. وكان ذلك بمثابة رسالة ودعوة لقسد بضرورة الالتحاق بالواقع الجديد، والتحوّل من فاعل ما دون دولة يتغذّى على الفوضى ويغيب عنه المشروع، إلى فاعل يُعدّ جزءًا من منظومة الجيش السوري ومشروع وطني شامل. غير أن تعطيل قسد، على مدار عام كامل، حال دون تنفيذ الاتفاق.
لقد لعبت قسد دور المفسد للسلام، ولمجال السلام ذاته. ووفق نظرية “المفسدين” في عمليات السلام، لا يُعدّ تعطيل الاتفاق بالضرورة تعبيرًا عن رفض نهائي أو قبول، بل قد يعكس سلوك “المفسد” الذي يسعى إلى “السيولة”، وفق مفهوم “زيغمونت باومان”، بمعنى التمييع المقصود، في ظل إدراك قسد لتغيّر ميزان القوى. غير أن إطالة هذا التعطيل تنقل الفاعل تدريجيًا من موقع المساومة إلى موقع العزلة السياسية، والحرب الشرعية على فاعل ما دون دولة، خاصة في بيئة انتقالية تسعى إلى تثبيت الاستقرار وتجنّب العودة إلى الحرب.
يُعدّ هذا الاتفاق بمثابة طوق نجاة لقسد، ولا سيما لمظلوم عبدي، الذي يبدو أنه لم يتعلّم من التجارب القريبة قبل البعيدة. فتجربة الرئيس أحمد الشرع، كفاعل أعاد تشكيل هويته التنظيمية بشكل مستمر، تُظهر أن الإصرار على الواقع الجامد لا يساعد على تحقيق نتائج مرضية، بينما التفاعل مع المتغيرات الظرفية والزمنية يساهم في التطوّر المستمر وتحقيق المكاسب.
فالمشروع المرتبط بهدف يتطوّر ويتّسع هو أهم وأولى من التمسّك بسياقٍ ماضٍ وتقليدي لا يساعد على تحقيق نتائج مرضية. وكانت خطوة حلّ “هيئة تحرير الشام”، وقبلها الانتقال من جبهة النصرة إلى تنظيم ذي هوية محلية، قرارًا حاسمًا ورؤية نوعية تقوم على مقاربة أن “الثابت الوحيد في السياسة هو المتغيّر”.
ليس مظلوم هو الخاسر بالضرورة، بل قد يكون رابحًا إذا ما فهم التحوّلات واستثمرها على مستوى البنية الداخلية، عبر دفع الأطراف المعطِّلة إلى خارج بنية قسد نفسها، والتوجّه نحو إعادة هيكلة تتوافق مع الظروف الموضوعية والسياقية في سوريا.
هذا المتغيّر، الذي ما إن استطاع مظلوم عبدي أن يتماهى معه، قد يمنحه فرصة حقيقية ليكون فاعلًا مهمًا في سوريا خلال المرحلة الانتقالية. وتعكس هذه التحوّلات جدّية حكومية في التعامل مع مظلوم كفاعل، بشرط فهمه للتحولات الجديدة وتفاعله معها بإيجابية. فالتنظيمات ما هي إلا وسيلة، وعندما تتحوّل إلى هدف قائم بذاته تصبح تنظيمات سائلة. والتغيير في سوريا جاد، فلكل مرحلة سياقها المختلف، وربما لا تساعد عقلية مظلوم الحالية على إدراك هذه التحوّلات.
في خيارات قسد الحالية، ليس مظلوم هو الخاسر بالضرورة، بل قد يكون رابحًا إذا ما فهم التحوّلات واستثمرها على مستوى البنية الداخلية، عبر دفع الأطراف المعطِّلة إلى خارج بنية قسد نفسها، والتوجّه نحو إعادة هيكلة تتوافق مع الظروف الموضوعية والسياقية في سوريا. ويقوم ذلك أولًا على فكّ ارتباط جدي بحزب العمال الكردستاني، وإعادة توليف بنية جديدة متماهية مع السياق المحلي السوري، عبر استثمار الضغط الشرعي الذي تمارسه الحكومة السورية، والعمل على تفكيك داخلي حقيقي، تدريجي وقابل للتحقيق. وثانيًا، من خلال العودة إلى اتفاق آذار وتطبيقه ضمن الإطار الوطني الجامع، حينها ستكون دمشق طرفًا مساندًا لمشروع عبدي المتجدّد وفق السياق الجديد.
لذا، فإن إعادة تعريف دور وبوصلة قسد نحو سوريا ودمشق كوطن جامع تُعدّ الخيار الوحيد. حينها سيكون مظلوم شريكًا حقيقيًا، وسيُجنّب سوريا استقطابًا إثنيًا لا يستفيد منه سوى حزب العمال الكردستاني المصنّف على قوائم الإرهاب، والذي يحمل طروحات متطرفة لا يمكن تحقيقها. وبناءً على ذلك، فإن الخيارات المتاحة أمام قسد، ولا سيما أمام مظلوم عبدي، لا تتحدّد بمنطق الخسارة أو الربح الآني، بل بقدرتها على إعادة تعريف دورها وهويتها السياسية ضمن إطار وطني جامع، وتطبيق الاتفاق السياسي كفرصة أخيرة. ولمظلوم تحديدًا خياران لا ثالث لهما: إمّا الارتهان لقيادات حزب العمال الكردستاني المتطرّفة، أو التحوّل إلى فاعل دولتي يمارس دوره، معارضًا كان أو مؤيدًا، ضمن الحدود الوطنية السورية، لا خارجها.
- تلفزيون سوريا


























