تفضح الصور والشهادات والتفاصيل التي خرجت من الجزيرة السورية حكم قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، وتطرح أسئلة كثيرة حول شراكتها مع رعاتها ومموليها الأميركيين والأوروبيين، الذين أمدّوها بالمال والسلاح، ووفّروا لها التغطية الدولية، وكان يهمهم محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) فقط، من دون وضع ضوابط قانونية وأخلاقية لإدارة ثلاث محافظات تمثل ثلث سورية. لقد تسبّب التسيب الدولي بقدر كبير من المعاناة لجزء من الشعب السوري، عاش تحت حكم حزب العمال الكردستاني التركي العابر للحدود، ضمن شروطٍ لا تحترم حقوق الإنسان الأساسية في التعليم والصحة والغذاء والماء الصالح للشرب. تشهد كل التفاصيل على أن أهل تلك المناطق عاشوا أكثر من عشرة أعوام أوضاعاً مزرية داخل معتقل كبير من دون أن يلتفت أحد إلى ما لاقوه من تمييز وفقر وانتشار للأمراض. وتفيد إحصاءات رسمية بأن النسبة الأكبر من نزلاء المشافي في دمشق وحلب هم من محافظات الحسكة والرقة ودير الزور الغنية بالثروات التي جرى نهبها، ولم يتم توظيف ولو جزء يسير منها لصيانة البنية التحتية للصحة، بينما صرفت “قسد” موازناتٍ مهمّة على حفر الأنفاق.
نشرت “قسد” المعتقلات ومخيمات الاحتجاز على كامل مساحة الجزيرة، والتهمة جاهزة، الانتماء إلى تنظيم داعش أو التعاطف معه. لقد تحوّل ثلث مساحة سورية إلى ميدان لصيد الساحرات، وقرابة خمسة ملايين إلى متهمين مطاردين، ما أدّى إلى نزوح عشرات آلاف الشباب، وجرى تكديس آلاف من عوائل “داعش” في مخيم الهول داخل بيئة خطرة، يضاف إلى ذلك ترك أعداد كبيرة من المعتقلين من دون محاكمات. والمسألة التي لا تقل غرابة سجن “قسد” عشرات القاصرين، ممن لا ينتمون لـ”داعش” مع بالغين. ويعني ذلك كله أن الولايات المتحدة وأوروبا تركتا لـ”قسد” حرّية التصرف من دون وضع آلية مشتركة للإشراف والمتابعة، ما أفسح المجال أمامها لأن تتحوّل إلى نظام حكم أقام قانونه الخاص حسب مصالحه ووفق حساباته، مستفيداً من تهمة “الداعشية”.
يحارب حزب العمال الكردستاني تركيا منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، بهدف انتزاع حقوق أكراد تركيا بالسلاح. والنتيجة، بعد حوالي نصف قرن، وقوع آلاف الضحايا من الطرفين، وإلحاق دمار كبير بالقرى الحدودية مع سورية. وفي معركته تحالف مع نظام الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد الذي استخدمه ضد الدولة التركية، ومن ثم تخلى عنه عام 1998 تحت التهديد باجتياح حلب، وطرد زعيمه عبد الله أوجلان، الذي انتهى في سجن جزيرة إيمرلي التركية. ولم يتعظ رفاقه من ذلك الدرس، بل تحالفوا مع الأسد الابن في عام 2011 ضد الثورة السورية، وتحوّل الحزب إلى شرطي ضد العرب والكرد السوريين، واستفاد من الحرب الدولية ضد “داعش”، ليحكم الجزيرة وينهب ثرواتها ويقمع أهلها.
تتعدّى المسؤولية حيال ما تعرض له أهل الجزيرة من اضطهاد ونهب لثرواتهم من “قسد” الأطرافَ الدوليةَ التي كوّنت هذا التنظيم، إلى نظام بشار الأسد، والهيئات التي تصدّرت تمثيل الثورة السورية. لم يتعامل هؤلاء مع الجزيرة بوصفها جزءاً أصيلاً من سورية، وسكتوا عن انتهاكات “قسد” ضد المجتمع المحلي بالجزيرة السورية بنسائه ورجاله وأطفاله، ولم يتحرّكوا ضد قرارها بمنع التعليم بالعربية. ولولا أن المنطقة ليست خزّان ثروات كبيراً، كان يمكن أن يتنازلوا عنها. قلة هم من شعروا بمعاناة أبناء الجزيرة تحت حكم “قسد”. وأجزم، من دون تردّد، بأن الغالبية العظمى من السوريين لا تملك تصوّراً كافيا عن وضع أهلها، ما يستدعي مراجعة شاملة من السلطة الجديدة كي لا تكرّر أخطاء الأنظمة السابقة، والخطوة الأولى أن تغادر عقلية أن الجزيرة آبار نفط وغاز وأهراءات قمح وقطن، وأهلها عشائر من العربان لا تجيد سوى الفزعات.
- العربي الجديد


























