ربما لم يكن حجم الوقفات الاحتجاجية الأخيرة على رفع تسعيرة الكهرباء متناسباً مع طموحات الداعين لها، إلا أنها على ما يبدو استثارت الإعلام الحكومي، فأتى الرد عبر رسوم كاريكاتورية في صحيفة “الثورة السورية”، يسخر صاحبها مما يسمّيه “المواطن الشامل”، الجالس وراء شاشة لينشط على السوشيال ميديا، مدّعياً الفهمَ في جميع التخصصات. في رسم آخر، يظهر المواطن وهو يرفض تصريحات وزير الاقتصاد التي تنص على إنهاء “دور الحكومة الأبوي”، ليكون المواطن مرة أخرى في موقع المتذمّر بغير وجه حق.
الأرقام التي ذكرها المحتجون على رفع تسعيرة الكهرباء فادحة بالمقارنة مع رواتب أصحاب الدخل المحدود، فالكلفة الشهرية للاستهلاك الاعتيادي تفوق الحد الأدنى للأجور. والحد الأدنى نفسه يُستهلك جزء كبير منه كأجور للمواصلات ضمن المدينة أو المحافظة الواحدة، وتحلّ الكارثة إذا اضطر الموظف إلى العمل في محافظة أخرى. وهذا هو حال المعلمات والمعلمين في محافظتي اللاذقية وطرطوس، ضحايا قرار وزير التربية بإعادتهم إلى المحافظات التي وقّعوا عقوداً للعمل فيها، بعد قرار للوزير السابق بنقلهم من تلك المحافظات إلى أماكن إقامتهم الفعلية.
أمام مديريتَي التربية في اللاذقية وطرطوس، تظاهر المعلمون والمعلمات مطالبين بإسقاط القرار، على غرار الذين تظاهروا في دمشق مطالبين بإلغاء قرار رفع تسعيرة الكهرباء، وأسوة بأصحاب البسطات الذين تظاهروا أمام القصر البلدي في حلب احتجاجاً على منع البسطات التي يسترزقون منها، فهتفوا: بدنا نعيش.. نحن جماعة دراويش. وبعيداً، في الجغرافيا والمغزى المباشر، كان الحشد الذي شهد اكتظاظاً وتدافعاً في دير الزور، قبل حوالى أسبوع، حيث ازدحم أمام شعبة التجنيد عدد كبير من الراغبين في التطوّع لمصلحة “الجيش العربي السوري”.
قيل في الرد على المحتجين على تسعيرة الكهرباء الجديدة إنها تتناسب مع التكاليف، ومع معدلات الأسعار العالمية. والواقع أنها تناهز الأسعار الأعلى عالمياً لا المتوسط، فوق أن المقارنة لا تأخذ متوسط الدخل بالحسبان، ولا أوضاع الطبقات الأفقر، حيث تحصل هذه الطبقات في العديد من الدول الرأسمالية على دعم حكومي يساعد على ردم الفجوة بين الدخل وفاتورة الكهرباء التي ربما تبلغ 10% من الحد الأدنى للأجور لا أكثر.
المحتجون هنا وهناك يقولون: إما أن تكون المقارنة ببلدان أخرى شاملة أو لا تكون. فالواقعية الاقتصادية، حتى ضمن توجهات السوق الحر، تقتضي الموازنة بين الدخل والإنفاق. ونعلم أن الموازنة بين الاثنين تغيب، أو يتم تغييبها عمداً، عندما يكون هناك احتكار في قطاع ما أو احتكار متعدد القطاعات، ما ينفي عن الاقتصاد كونه حرّاً على صعيد الأجور والدخل معاً. ولا فرق في حالة الاحتكار بين أن يكون احتكاراً بقوة السلطة وقوانينها أو احتكاراً بحكم الواقع الذي يجعل جهة ما تتحكم بالكتلة الأكبر للأجور، أو بقطاعات الإنفاق المتعلقة بالخدمات الأساسية، أو بالاثنتين معاً.
صورة الاحتجاجات في أماكن متفرّقة تعكس الواقع بأمانة، ولو كان عدد المحتجين قليلاً حتى الآن. فالواقع يتجلّى في هذه الفجوة بين الدخل وفاتورة الكهرباء، أو تكاليف المواصلات العامة. وحتى الاحتجاج على منع البسطات، الذي يبدو قراراً سليماً من ناحية الشكل، هو احتجاج محقّ على إجراء مجحف في حق المساكين “الدراويش” الذين تقتات عائلاتهم من هذه التجارة البسيطة. يُذكر أيضاً أنه حتى في العديد من البلدان الرأسمالية يحظى أصحاب البسطات برعاية الحكومة والبلديات، وأصحاب البسطات في باريس مثلاً يتنقلون ببضائعهم من حي إلى حي على مدار الأسبوع، ليمارسوا مهنتهم في أماكن وشوارع محددة من قبل البلديات فيما يُعرف باسم الـ”مارشيه”.
الواقع هو أن القرارات الحكومية لا تتناسب إطلاقاً مع الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، ولا يبرر عدمَ التناسب أن البلد في وضع استثنائي لجهة التدهور الذي تسببت به سنوات الحرب، ومن قبلها عقود من فساد السلطة وسوء الإدارة المتعمد. بل إن السلطة مسؤولة عن إنعاش الآمال الوهمية بتحسّن معيشي سريع، وقد أشاع أنصارها وبعض مسؤوليها مناخاً من التفاؤل، من خلال مذكّرات تفاهم استثمارية لم يُلحظ لها أدنى أثر، وحملات تبرّع في معظم المدن السورية، بقيت بدورها بلا أثر ملموس، والاحتفال مراتٍ بإزالة للعقوبات الأميركية من دون أن تكون إزالتها كافية لتدفق الاستثمارات.
ثمة نوم في العسل لا يتناسب إطلاقاً مع الواقع الاقتصادي، ولا مع الإمكانيات الحكومية. والحديث عن إرث ثقيل لا يظهر إلا في مواجهة الاحتجاجات؛ أي إنه لا يحضر كما ينبغي على سبيل تشخيص الأوضاع بدقة، من أجل وضع خطط واضحة وعلنية للتعافي. ولئن كانت الفجوة بين التصريحات والواقع محبطة فإن عدم وجود خطة واقعية معلنة يفاقم من الإحباط، وتنعدم الثقة بالإجراءات الحكومية. سيكون من الصعب مثلاً إقناع المساكين الذين تحت خط الجوع بتحمّل فواتير إضافية، ما لم يكن الطلب منهم مشفوعاً بكونه مؤقت، وضمن مدة محدودة تتحسن أحوالهم في نهايتها.
الحديث هو عن معاناة حوالى 90% من السوريين صنّفتهم تقارير أممية في أواخر عهد بشار الأسد تحت خط الفقر، والسواد الأعظم منهم تحت خط الجوع إذا اعتُمدت المعايير الدولية لهذا التصنيف. أي أنهم لا يملكون ترف النقد من وراء الشاشات كما يصوّره كاريكاتير صحيفة “الثورة السورية”، وليسوا في مرحلة الكفاية التي تغنيهم عن “دور الحكومة الأبوي” حسبما يفيد به كاريكاتير ثانٍ في الصحيفة ذاتها.
والمسؤولية لا تقع على الرسام وحده، فهناك تيار يساند التوجهات الحكومية الخاصة بالتخلي عن الدور الاجتماعي. اسمه هكذا “الدور الاجتماعي للدولة”، لا “دور الحكومة الأبوي”. وتفشّي الأمية والشعبوية يدعونا للتذكير بأن الدور الاجتماعي للدولة شأن مختلف عن تجربة القطاع العام التي عرفتها سوريا من خلال النمط السوفيتي، وهذا الدور الاجتماعي موجود في أعتى الرأسماليات وأشدّها توحّشاً، وحتى ترامب المعادي له بقوة لم يستطع التنصّل منه نهائياً.
الدولة ليست تاجراً، هي صمام الأمان الاقتصادي والاجتماعي، وإلا انفجرت الصراعات على نحو عنيف يصعب التكهّن بعواقبه. والذين تنادوا إلى مظاهرات مطلبية قد يبقون قلّة مسالمة بالمقارنة مع كثرة لا يُعرف موعد انفجارها، وثمة في تجربة الأمس القريب ما يجدر تأمله على هذا الصعيد. حتى الحشد الذي أشرنا إليه، الراغب في التطوّع في الجيش، يشير إلى الداء نفسه. فالتطوع في الجيش أو قوى الأمن مدفوع بالأحوال المعيشية المتردية، هكذا كان شأن العسكرة طوال عقود، وأيضاً منذ عام 2012. ولا نخطئ في الزعم بأن البلد سيكون بخير متى صارت مراكز التجنيد خاوية من الشبّان، حتى وهي تقدّم لهم المزيد من المغريات.
- المدن


























