بقيت الثقافة في سوريا دهراً كاملاً بعيدة عن أن تكون مجالاً محايداً أو فضاءً مستقلاً، فقد شكّلت على الدوام ساحة صراع مفتوح بين وجهتين متناقضتين: ثقافة تسعى إلى الحرية بكونها فعلاً نقدياً وحقاً إنسانياً، وأخرى كرّسها الاستبداد باعتبارها أداة ضبط وتجميل وإعادة إنتاج للسلطة. ومنذ عقود، جرى التعامل مع الثقافة الرسمية كامتدادٍ للسياسة، لا بوصفها مجالاً قادراً على مساءلتها أو الوقوف على مسافة منها.
ضمن هذا السياق، كانت المؤسسات التابعة لوزارة الثقافة مجرد هياكل إدارية، وفضاءات مشحونة دائماً بأسئلة الخلفيات السياسية والأمنية لإداراتها، ومدى قرب القائمين عليها من مراكز القوة والنفوذ. وغالباً ما خضعت الوظائف الكبرى فيها لمنطق الولاء والمحسوبيات أكثر من خضوعها لمعايير الكفاءة أو الرؤية الفنية.
اختزال النقاش في سؤال “الكفاءة” وحده يبدو مضللاً. ففي المراحل الانتقالية، لا تقوم القرارات العامة فقط على معايير مهنية بحتة، بل على اعتبارات رمزية وسياسية تهدف إلى كسب ثقة جمهور واسع..
ومع اندلاع الثورة السورية، لم تُعلّق هذه الإشكاليات، بل تكرّست وتعمّقت، إذ تحولت المؤسسات الثقافية إلى ساحات كشف واختبار تأييد القائمين عليها بشكل مطلق للنظام الأسدي، واتسعت الفجوة بين ثقافة رسمية مؤيدة أو مبرّرة للعنف، وثقافة أخرى هامشية أو منفية، حاولت أن تحافظ على معنى الحرية في أكثر اللحظات قسوة.
من هنا، فإن أي قراءة للتعيينات الثقافية التي جرت بعد سقوط النظام البائد بمعزل عن هذا التاريخ الطويل من التسييس والتشظي، أو اعتبارها مسألة إدارية معزولة، تبدو غير واقعية، فهي حلقة جديدة في صراع مستمر حول معنى الثقافة، ودورها، ومن يملك حق تمثيلها في مرحلة انتقالية لم تُحسم ملامحها بعد.
في هذا الإطار، أقدمت الوزارة وبقرارات من الوزير محمد ياسين صالح على تعيين عدد من الأسماء الفنية المعروفة في مواقع قيادية للمؤسسات، من بينها تعيين الفنان جهاد عبدو مديراً عاماً للمؤسسة العامة للسينما، والممثل والمخرج غطفان غنّوم عميداً للمعهد العالي للفنون المسرحية، والممثل نوار بلبل مديراً لمديرية المسارح والموسيقى. وقد جرت هذه الخطوات في لحظة مشحونة بتوقعات عالية، إذ ساد تعويل واسع على أن سقوط النظام سيقود فوراً إلى نهوض المشهد الثقافي الذي تسيطر عليه الدولة، وأن من سيتولى إدارة المديريات الفاعلة سيحظون بقدر من التوافق بين أطياف مختلفة، أي من المعارضين، والرماديين، وحتى أولئك الذين التزموا الصمت خلال سنوات الثورة.
من هنا، يظهر أن الجدل لم يأتِ فقط من طبيعة الأسماء المختارة، وإنما من اصطدام هذه التكليفات بتلك التوقعات، وبما حمله توقيتها من دلالات سياسية ومؤسسية.
الاعتراض جاء من جهتين أساسيتين: الأولى، شخصيات عملت داخل هذه المؤسسات طوال سنوات الحرب، لم تكن منخرطة في المعارضة العلنية للنظام، لكنها تعتبر نفسها قد حافظت على ما تبقى من البنية المؤسسية، وترى أن لها أحقية أخلاقية أو مهنية في إدارة هذه المرحلة. والثانية، أطراف منافسة ترى في هذه التعيينات إقصاءً أو تجاوزاً لمبدأ الكفاءة والخبرة الأكاديمية والإدارية.
غير أن اختزال النقاش في سؤال “الكفاءة” وحده يبدو مضللاً. ففي المراحل الانتقالية، لا تقوم القرارات العامة فقط على معايير مهنية بحتة، بل على اعتبارات رمزية وسياسية تهدف إلى كسب ثقة جمهور واسع، هو حشد الثائرين المنتصرين أو المتضررين من النظام السابق. ومن الصعب تصور إدارة ثقافية تحظى بقبول هذا الجمع من دون أن تضم أسماء كانت واضحة الموقف في رفض النظام البائد.
لا ينبغي تحويل هذه التعيينات إلى معركة كسر عظم مبكرة، ولا إلى إدانة استباقية للتجربة الانتقالية. الأهم هو الاعتراف بأننا في مرحلة “كومون” ضرورية: مرحلة تحضير، قراءة، وتجميع معطيات، لا مرحلة إنجازات كبرى.
في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أن المؤسسات الثقافية السورية لم تكن يوماً خلال أكثر من نصف قرن محايدة أو سليمة، بل كانت، في جوهرها، أدوات سياسية تعاني من ترهل إداري وخلل بنيوي عميق. وعليه، فإن تصوير الأحوال الراهنة كأنها بداية الانهيار هو تجاهل لحقيقة أن هذا الوضع سابق ومستمر.
ومن جهة أخرى، لا يمكن المراهنة على أفراد، مهما كانت نياتهم، لإنقاذ مؤسسات بهذا الحجم من الدمار. فلا جهاد عبدو يستطيع إنقاذ السينما السورية، ولا غطفان غنّوم قادر وحده على إصلاح المعهد العالي، ولا نوار بلبل قادر على انتشال المسرح السوري. والدور الممكن حالياً لهؤلاء يقتصر على إدارة الشؤون اليومية ومحاولة وضع تصورات أولية وخطط انتقالية، لا أكثر؛ لا لعجز في قدراتهم، بل لأن السياق نفسه، أي المرحلة الانتقالية، تتركز على شؤون الحياة اليومية واستعادة البلد من خرابه الكبير، من دون إهمال الضروري والملح في الشؤون الأخرى.
الإشكال الأكبر اليوم لا يتمثل في إصلاح الوضع الثقافي بحد ذاته، وإنما في قدرة الدولة على خلق بيئة جاذبة للسوريين، داخل البلاد وخارجها، للمشاركة الفعلية في إعادة البناء الثقافي من دون حسابات صغيرة، وفي تأمين الحد الأدنى من الميزانيات الضرورية لانطلاق أي مشروع جاد.
ورغم أن بعضهم يستخف بما نشهده حالياً من توجه واضح نحو المظاهر الاحتفالية: إعادة افتتاح المعارض، تنظيم فعاليات كبرى، عرض أفلام كانت ممنوعة، ومحاولات استعادة حضور دار الأوبرا، إلا أن هذه الخطوات ذات قيمة رمزية كبيرة، لكنها في الوقت ذاته، غير قابلة للاستمرار ما لم تُدعَم برؤية طويلة الأمد، وخطط واضحة، وإرادة سياسية ومالية حقيقية.
في المحصلة، لا ينبغي تحويل هذه التعيينات إلى معركة كسر عظم مبكرة، ولا إلى إدانة استباقية للتجربة الانتقالية. الأهم هو الاعتراف بأننا في مرحلة “كومون” ضرورية: مرحلة تحضير، قراءة، وتجميع معطيات، لا مرحلة إنجازات كبرى. وبالتأكيد فإن كل حكم نهائي بالفشل قبل انقضاء هذه المرحلة، سيكون أقرب إلى تصفية حساب منه إلى نقد مسؤول.
- تلفزيون سوريا



























