نعم، إنَّ أكثر ما يحتاجه السوريون اليوم هو الكتاب، تعبت أياديهم ورؤوسهم من العنف والصراع والتحدي والردود المستعجلة، الكتاب اليوم أحد عوامل الأمان الرئيسية لدى السوريين.
يدخل كثيرون في مقارنات مجحفة من مثل: كيف تقيمون معرضاً للكتاب والمخيمات تغرق في إدلب؟ تلك مقارنة خاسرة أخلاقياً، غير أنها ليست مقارنة صائبة، لأن بناء الدول لا يعني أن نهمل قطاعاً ونترك قطاعاً آخر، وفِقْهُ الأولويات لا يجعل القراءة في آخر السلم، بل أعلاه (اقرأ باسم ربك الذي خلق)!
ليس شعاراً أن نقول اليوم: إن أكثر ما نحتاجه هو القراءة، أو أن نقول: انتهت معركة السلاح وبدأت معركة الوعي، بل هو الواقع الذي يعيشه السوريون. شكَّل المعرض الذي يقام هذه الأيام في دمشق علامة على تعافٍ من نوع ما، وأن البلد الذي يكاد يخرج من صراع طويل يحتاج أكثر ما يحتاج إلى لحظات تأمل وقراءة يلتقط فيها السوريون أنفاسهم حيث لحظة السلام مع كتاب وفنجان قهوة!
يحمل تنظيم معرض الكتاب إشارات رمزية عدة أبرزها: عودوا إلى القراءة، فهي مدخل الأثر والوجود ولا يمكن لعمل لا يقوم على التخطيط والقراءة المتأنية أن ينجح، أي الخروج من الانفعال وردة الفعل إلى التنظيم والتحضير والحوار والمناقشة.
كثير من السوريين لديهم ذكرياتٌ مع الكتاب والقراءة ومعارض الكتب في دمشق وإدلب واسطنبول والقاهرة والرياض والشارقة. فرحلات السوريين الإجبارية صنعت لكل منهم ذاكرة جديدة مع معارض الكتب، لذلك، فإن إقامة المعرض في دمشق بعد هذا الحل والترحال هو نوع من تحفيز الذاكرة، وتذكر اللحظة التي قلنا فيها: متى سيقام لدينا معرض (مثل خلق الله الآخرين)! وها هي بلدنا قد تحررت وصار لدينا معرض للكتاب مثل (خلق الله الآخرين).
كتبٌ، وقراء، وراغبون بالشراء، وتنظيم، ومساحات مفتوحة، وأنشطة ثقافية متنوعة، هكذا عبر الناشرون والمحللون وهم يقدمون أدلة على نجاح المعرض. لم يتوقف الأمر عند ذلك فحسب، بل ضيوف شرف للمعرض: السعودية وقطر، ومن أجدر منهما أن يكونا ضيفي سورية في أول معرض للكتاب بعد التحرير؟
أخذ المنظمون بكل أسباب النجاح: كتب دون رقابة مسبقة، مكان ملائم، أنشطة ثقافية، تنوع في الفئة المستهدفة، توقيعات للكتب، إعلانات ملائمة، متابعة أمنية، والأهم: إرادة أن ينجح المعرض.
ظهرت علامات النجاح منذ اليوم الأول، عبر إقبال القراء واستبشار الناشرين بالبيع، والأسئلة التفصيلية عن الكتب، والحوار مع القراء ولقاءات الأشخاص الذين شتَّتتهم سُبل الحرب، إضافة إلى المدعوين من المثقفين والمبدعين الذين تجدهم في هذا المقهى أو ذاك، يتبادلون لغة الشوق ولهفات الغياب ولوعات الغربة والاستبشار بمستقبل البلد!
كرّر المثقفون العرب جملة ذات دلالة فريدة: (فرحنا لكم)! ما أجمل دلالات هذه الجملة! تذمَّرَ بعض محبي المعرض من المكان البعيد، لكن الواقع يكشف أن هذا المكان البعيد الواسع خير من المكان الضيق القريب، خاصة أن وسائل النقل متوفرة. والمعرض فرصة كي يتواعد الأصدقاء ويلتمّ شملهم ويذهبوا معاً!
لمعارض الكتب طاقة إيجابية أبعد من البيع والشراء، وهي طاقة الحروف والكلمات والجمل التي تشع فتصنع فضاء من الطاقة الإيجابية لدى الزائرين! لا يعدم الباحث عن الملاحظات من أن يجدها، يحدث ذلك في هولندا والقاهرة والمغرب، وأي معرض للكتاب، أو أي نشاط نقوم به، لكن لنتذكر قبل أن نثبِّت الملاحظة أن البلاد خارجة من صراع وعنف وحرب، ولنتذكر أن البلاد تنظم معرضها الأول بعد سنة ونيف من التحرير، لذلك فمن الطبيعي أن تكون هناك ملاحظات وألا تكون الأمور على “البِكْلة”! لا نسوغ الخطأ، لكن مطلوب أن نتفهم ظروف بعضنا البعض!
مهلاً، قبل أن نخرج من المعرض؛ هناك فرصة ثمينة لنتعرف عن كثب، إلى جهة سورية فاعلة جديدة: الأمانة العامة للشؤون السياسية. من هم؟ وكيف يعملون؟ وما دورهم؟ ستجد في جناحهم مجموعة من الشباب السوريين بلباس أنيق، وابتسامة واضحة، يقدمون القهوة ويبتسمون في وجوه الزائرين، ويشرحون للراغبين دور الشؤون السياسية، وكيف أنها محاولة لإعادة العمل السياسي إلى سوريا!
كيف؟ الأمر بسيط جداً: أن يكون كل ما يتعلق بسوريا قابلاً للحوار والنقاش والتصحيح والتطوير! وهل أنتم سلطة بمفهوم السلطة التنفيذية؟ لا، نحن مساعد وميسّر ومنظم، فبناء البلدان لا يحتاج إلى سلطة تنفيذية وقضائية وبرلمانية وإعلامية فحسب، بل نحتاج إلى أرض سياسية خصبة وحوار ونقاش!
خطوة ذكية جداً؛ أن يكون تقديم الأمانة العامة للشؤون السياسية إلى الجمهور السوري من خلال معرض الكتاب، هذا يعني من جملة ما يعني أن مهمتها الرئيسية: القراءة، والتأمل، وإيجاد الحلول، وتقريب وجهات النظر، والتذكير بأسس بناء الدول!
قبل أنْ تخطو قدماك خارج المعرض: لا تنس أن تقول: إن تنظيم المعرض في هذا الظرف، وهذا التوقيت محاولة مهمة لاستئناف الحياة الطبيعية، ولا يفوت المنظمين ضعف القدرة الشرائية لدى المواطن، وربما تردّد ناشرون كثيرون بالقدوم!
بالتأكيد سمعنا الكثير وقرأنا عن أديب خارج سوريا لم يُدْعَ، وكان حقه أن يدعى، عمن كان يمكن أن يشارك وتم تناسيه أو نسيانه، عن جهة غابت، وكان من الطبيعي أن تكون موجودة، عمن لا يستحق الدعوة ودُعِيَ.. عن تفصيل تنظيمي هنا أو هناك.. من الطبيعي أن يكون بعد كل معرض، بل بعد كل عمل، تقييم ومراجعة كي يتم تجاوز الأخطاء وتطوير العمل وهذا بالتأكيد سيحدث..!
ستسمع احتجاجاً عن كثرة الكتب الدينية مثلاً؟ الواقع أن هذه الظاهرة موجودة في معظم معارض الكتب العربية، وهي تعبير عن وجود زبون يرغب بشراء تلك الكتب، ولا علاقة لكون السلطة في سوريا ذات توجه ديني، بل إنها تعبير عن توجهات المجتمع السوري مثله مثل المجتمعات العربية الأخرى.
وقد تسمع اعتراضاً على وجود ناشط يوقع كتابه، علينا ألا ننسى أن الناشط هو أحد أصحاب القيمة في الضمير السوري اليوم، الخارج من الحرب، مهلاً أيها الأحبة: علينا أن نقبل بعضنا البعض، وأن نتفهم اختلافاتنا!
المؤكدُ أن دمشق، عبر وزارة الثقافة، اختارت تحدّي تنظيم المعرض بإشراف مباشر من رئاسة الجمهورية، ونجحتْ فيه، والمؤكد كذلك أن من لا يعمل لا يخطئ، المهم أن نتعلم من الخطأ كي لا نكرره، وهذا شأن السوريين عبر تاريخهم، وإلا لما التقطت البلاد أنفاسها واستأنفت الحياة ثانية رغم وعثاء الحرب!
- الثورة السورية



























