ضروري للقادة العرب المجتمعين في القمة العربية في سرت – والغائبين عنها أيضاً – أن يتمعنوا في خريطة النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي كما تبدو على الساحة الدولية اليوم. واجبهم أن يتداركوا كل ما من شأنه أن يقوّض زخم الاهتمام الدولي بفلسطين وبالقدس، لأن هذا الاهتمام يُرعب إسرائيل أكثر من تدهور العلاقة الأميركية – الإسرائيلية الثنائية. مسؤوليتهم أن يبنوا على شبه الإجماع العالمي في معارضة الإجراءات الإسرائيلية التصعيدية والاستيطانية بدعمهم هذا الإجماع بكل ما هو مطلوب منهم، لا سيما في إطار تشجيع المحادثات التقاربية التي ترعاها الولايات المتحدة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. عليهم أن يفعلوا ذلك حتى إذا استمرت إسرائيل في ضرب الشريحة الدولية بعرض الحائط ومضت بمشاريعها الاستيطانية المرفوضة دولياً. هكذا يترك العرب لإسرائيل فرصة الاصطدام مع الأسرة الدولية، ولمثل هذا التصادم منافع عدة للطرف الفلسطيني تفوق بكثير أنماط الترفع عن الاستراتيجيات الذكية الصبورة واستبدالها بقرارات اعتباطية تتمناها وتتوقعها إسرائيل لا سيما من قمة سرت. إسرائيل تراهن أيضاً على سقوط الفصائل الفلسطينية في فخ استفزازاتها كي تتملص من الورطة الصعبة الواقعة فيها. انما حتى الآن تبدو هذه الفصائل واعية للفخ، تفكر هي أيضاً بجدوى ترك الساحة للمواجهة الإسرائيلية مع الولايات المتحدة، ومع «اللجنة الرباعية». وهذه اللجنة تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا الى جانب الولايات المتحدة، ولقد تعمدت الصين التصريح علناً انها تدعمها وتنوي لعب أدوار مباشرة وبناءة على رغم ما جاء في بيانها الصادر عن اجتماعها المهم في موسكو. الحكومة الإسرائيلية تسير في مسار الاصطدام ليس فقط مع الحكومات وإنما أيضاً مع الرأي العام العالمي وكذلك ربما مع الرأي العام الإسرائيلي الذي بدأ يتمعن بمعنى ما تسير إليه التطورات خلال الأسبوعين الماضيين. حتى اللوبي الإسرائيلي داخل الولايات المتحدة تبدو عليه ملامح الخجل من سلسلة الإهانات الإسرائيلية للإدارة الأميركية والحرج من معادلة جديدة طرحتها إدارة باراك أوباما والمؤسسة العسكرية الأميركية عندما أطّرت الحديث في خانة «المصلحة القومية الأميركية العليا».
الرئيس الأميركي الذي كان بالأمس القريب يبدو للآخرين داخل الولايات المتحدة وخارجها ضعيفاً لم يعد اليوم قابلاً للاستضعاف وللاستغلال. فهو قد أنجز هذا الأسبوع إنجازاً تاريخياً ووقّع قانون إصلاح الرعاية الصحية بعدما نجح بمساعدة قيادات الحزب الديموقراطي في تمريره قانوناً في مجلس النواب على رغم الجهود الضخمة التي بذلها الجمهوريون وشركات التأمين لإجهاضه. وهذا مدخل مهم الى مرحلة جديدة في معركة الانتخابات النصفية في أعقاب مفاجآت خسارة ديموقراطيين مقاعد مهمة في الانتخابات الأخيرة.
ما أبرزته المعركة في شأن إصلاح الرعاية الصحية والتي أطلقت العنان لتحجيم باراك أوباما وافتراضه ضعيفاً جاهلاً للسياسة هو أن نتيجة هذه المعركة أبرزت ناحية أخرى من شخصية أوباما. انه الصبور لكنه العازم على النجاح مهما ظهر أمامه من عراقيل تبدو مستحيلة. انتصاره في هذه المعركة الداخلية يحصنه بأضعاف لأن النصر جاء في أعقاب افتراض الركون الى الهزيمة والانسحاب والتراجع.
على الصعيد الدولي، إن اقتراب الولايات المتحدة وروسيا من الاتفاق على معاهدة جديدة تسمح بتخفيض الترسانة النووية الأميركية والروسية في براغ الشهر المقبل هو بدوره إنجاز مهم يزيد من بروز باراك أوباما قائداً عازماً وقادراً على الإنجاز.
هذان التطوران ليسا في مصلحة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو الذي راهن على ضعف وإضعاف باراك أوباما ليتملص من ضغوطه. ومنذ أن قرر نتانياهو، سوية مع اللوبي الأميركي الموالي لإسرائيل ولاء أعمى، منع أوباما من مد اليد للإسلام المعتدل وإحباط إصراره على حل للنزاع الفلسطيني – الإسرائيلي، احتفى رئيس حكومة إسرائيل وداعموه باستخدام باراك أوباما تعبير «ضبط» restrain النشاط الاستيطاني بدلاً من التعابير الداعية الى إيقافه أو تجميده. احتفوا ببدعة تحميل الطرف الفلسطيني مسؤولية «رفض» التفاوض فيما الواقع هو أن الإجراءات الإسرائيلية الاستيطانية غير القانونية هي التي أدت بالفلسطينيين الى المطالبة بوقف الاستيطان الذي يقوّض حل الدولتين كشرط مسبق لاستئناف التفاوض.
عندما صدر عن اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة قبل أسبوعين تقريباً قرار يدعم موافقة الفلسطينيين على المحادثات التقاربية poximity التي دعا إليها المبعوث الأميركي جورج ميتشل، كان ذلك بمثابة قلب الطاولة على الرهان الإسرائيلي. وهذا تماماً ما يجدر بالقيادات العربية أن تتذكره عندما تجتمع في سرت أو تتغيب عن القمة العربية. يجدر بها أن تتذكر أيضاً أن ما من شأنه إنقاذ إسرائيل من الورطة الآن هو حبال تمدها إليها قمة سرت أو فصائل فلسطينية متهورة.
غطرسة الحكومة الإسرائيلية أدت بها الى ارتكاب أخطاء الإهانة والاستهانة بإدارة باراك أوباما. تقليدياً، يتقن بنيامين نتانياهو التحايل على الصدق ويتظاهر لدرجة المراوغة. هذه المرة، وجد نتانياهو أن الإجهار بالحقيقة يساعده داخلياً، ولم يحسب حساب وطأة توجيه إهانة لنائب الرئيس الأميركي جو بايدن في صفعة استيطانية أخرى رافقت زيارته لإسرائيل. سلسلة الإهانات والاستفزازات التي اعتمدتها الحكومة الإسرائيلية منذ ذلك الحين، بما فيها إهانة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في أعقاب اجتماع «اللجنة الرباعية»، أسفرت عن مواقف أميركية ودولية صلبة ومهمة. فقد أدت سياسات الاستيطان غير القانوني وسلسلة التحديات والاستفزازات والإهانات الى قرار أميركي نوعي والى مواقف دولية متماسكة.
على صعيد العلاقة الأميركية – الإسرائيلية، لم يسبق أن خاطبت إدارة أميركية منظمة يهودية تعمل كلوبي لمصلحة إسرائيل كما خاطبت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون منظمة «ايباك» هذا الأسبوع متحدثة عن أن استمرار النزاع واستمرار الواقع الحالي «لا يخدم مصالح الولايات المتحدة». الجنرال ديفيد بترايوس قائد القوات المركزية اعتبر أن الوضع الراهن يهدد «المصلحة القومية الأميركية» معبراً بوضوح عن معادلة جديدة في الطرح الأميركي للعلاقة مع إسرائيل، سيما أن الولايات المتحدة والقوات الأميركية تواجه العداء بسبب الاحتضان الأميركي الأعمى لإسرائيل حتى وهي تنتهك القانون الدولي والشرعية الدولية.
أوروبياً أيضاً، يبدو أن الامتعاض من إسرائيل حدث على جبهتين: قيام «الموساد» بتزوير جوازات سفر وانتحال هويات أوروبية في عملية اغتيال قائد «حماس» في دبي من جهة، ومن جهة أخرى، ساهمت أوروبا جذرياً في صياغة البيان الذي صدر عن «اللجنة الرباعية» في موسكو والذي هو بيان جديد من نوعه وضع «الطموحات الوطنية» الفلسطينية والإسرائيلية على قدم المساواة، وأعطى القدس الشرقية مكانة قانونية في وجه محاولات إسرائيل استيعابها، ووضع عملياً المرجعية المطلوبة فلسطينياً وعربياً للمحادثات التقاربية. ومرة أخرى، يجب قراءة بيان «الرباعية» بتمعن ودقة لأنه أطلق دوراً جديداً «للرباعية» ولكل من أطرافها، وأعطى العملية التفاوضية مهلة زمنية، وتحدث عن «مراقبة» وعن «خطوات إضافية» تتخذها «الرباعية» عند الضرورة.
الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون يتصرف بشبه تكليف من «الرباعية» وهو يُبرز تكراراً مسألتي المراقبة والخطوات اللاحقة. يتحدث عن «وحدة الهدف» بين أطراف «الرباعية». يتحرك لدى إسرائيل وفلسطين والقمة العربية دافعاً الى الأمام الأهداف الأربعة التي اتفقت عليها الرباعية وهي: أن لا بديل عن خيار حل الدولتين ومفاوضات عادلة وشاملة تتناول جميع المسائل المعنية بالوضع النهائي للأراضي، عدم السماح للاستفزاز أن يعطل المفاوضات وبناء الثقة بين الأطراف، ضرورة وقف الإجراءات السلبية على الأرض مثل الاستيطان والاستمرار بالحصار الإسرائيلي على غزة وإطلاق القذائف من غزة على إسرائيل، وقيام الأسرة الدولية وبالذات «الرباعية» بدور محفز في عملية المفاوضات الثنائية.
ما يجدر بالأمين العام القيام به هو تحفيز أعضاء مجلس الأمن على القيام بزيارة الى الضفة الغربية كتلك التي قام بها هو ورافقه فيها رئيس الحكومة الفلسطينية سلام فياض شارحاً على الأرض معنى الإجراءات الإسرائيلية. فمجلس الأمن يقوم بين الحين والآخر بزيارة جماعية الى منطقة يتناولها وذلك للاطلاع على أرض الواقع على ما يحدث ليحسن أداءه عند استصدار القرارات.
الوقت مناسب جداً الآن لمجلس الأمن لزيارة الضفة الغربية وغزة، كما فعل الأمين العام في زيارة هزته عاطفياً وأخلاقياً. لربما من المفيد أن يوجه سلام فيّاض دعوة الى أعضاء مجلس الأمن للقيام بزيارة مماثلة ليشرح أيضاً كيف أن الطرف الفلسطيني ينفذ مشروع بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية على رغم أنف الاحتلال، وكيف أن ديناميكية حقيقة الدولة الفلسطينية بدأت تقتحم ذهن الرأي الإسرائيلي وتجعله يتهيأ للتعايش معها.
مهم للأمين العام ولمجلس الأمن ولمحكمة العدل الدولية إعادة زيارة الملفات القانونية كتلك المعنية بالجدار الفاصل وبالاستيطان. هناك حاجة اليوم لاتخاذ الاستعدادات اللازمة لإصدار قرار عن مجلس الأمن يعيد تأكيد لا قانونية الاستيطان. هناك حاجة لقرار يرسم ويعرّف الأطر الأساسية لما يجب أن تنتهي إليه المفاوضات. الوقت مناسب لقرار جديد يملأ قرار الدولتين بفحوى فعلية ابتداءً من تعريف حدود الدولة الفلسطينية على أساس إنهاء احتلال عام 1967 مع مقايضة أراض معينة من أجل ترابط قطاع غزة مع الضفة الغربية.
أما الأطراف العربية فإن بين أهم ما يجب أن تقوم به هو الكف عن التعامل بسخرية مع مسألة بأهمية وضعية العلاقة الأميركية – الإسرائيلية الجديدة. حان وقت الكف عن ردود فعل سطحية واستنتاجات خاطئة وقراءة ساذجة لما يحدث للعلاقة الأميركية – الإسرائيلية. حان وقت الكف عن حملة اتهام باراك أوباما بـ «الفشل» بذريعة انه لم يقدم للعرب الحل الذي وعد به بسرعة وعلى طبق من فضة. كفى التهكم والسخرية. فلقد حان وقت التفكير التجددي.
وأهم ما يفعله العرب اليوم هو البناء على الزخم الإيجابي الذي ولّده التعنت الإسرائيلي. فالمسألة مسألة وقت قبل اصطدام كبير لإسرائيل مع الأسرة الدولية. فهي مرعوبة من أن استحواذ فلسطين على الاهتمام الدولي سيؤدي، أخيراً، الى نتيجة ملموسة.
"الحياة"




















