بعد الاصلاح التاريخي لنظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، حقق أمس الرئيس الاميركي باراك أوباما نجاحاً آخر في السياسة الخارجية هذه المرة ، مع اعلان واشنطن وموسكو توصلهما الى اتفاق تاريخي على معاهدة "ستارت" ثانية لخفض الرؤوس النووية في ترسانتيهما تعطي العدوين السابقين في ظل الحرب الباردة "دورا قياديا" في منع انتشار الاسلحة النووية في العالم.
فبعد أشهر من المفاوضات الشاقة، اتفق الرئيسان الاميركي والروسي دميتري ميدفيديف خلال مكالمة هاتفية اخيرة على توقيع المعاهدة، التي ستحل محل معاهدة ستارت الاولى (1991)، في الثامن من نيسان في براغ، المدينة التي اختارها أوباما ربيع 2009 لاعلان رؤيته لعالم خال من الاسلحة النووية.
وصرح الرئيس الاميركي للصحافيين في البيت الابيض: "تمثل الاسلحة النووية الايام الاكثر سواداً للحرب الباردة ، كما تشكل التهديدات الاكبر في أيامنا هذه. اليوم، خطونا خطوة أخرى في اتجاه ترك ميراث القرن العشرين وراءنا، بينما نحن نبني مستقبلاً أكثر أماناً لاولادنا". وقال: "بهذا الاتفاق ترسل الولايات المتحدة وروسيا، اكبر قوتين نوويتين في العالم، اشارة واضحة الى اننا نعتزم تولي دور قيادي" في عملية الحد من انتشار الاسلحة النووية في العالم، موضحاً أنه"بالتزامنا تعهداتنا المدرجة في معاهدة منع انتشار الاسلحة النووية، نعزز جهودنا العالمية لوقف انتشار هذه الاسلحة وضمان اضطلاع الدول الاخرى بمسؤولياتها". وافاد ان الاتفاق يدعم الاولوية التي حددها باعطاء "انطلاقة جديدة" للعلاقات بين البلدين اللذين يقوم بينهما تعاون وثيق على صعيدي التصدي للتطرف الاسلامي في افغانستان وجهود احتواء الطموحات النووية الايرانية، وذلك بعدما تدهورت العلاقات الاميركية – الروسية في عهد الرئيس الاميركي السابق جورج بوش. وأوضح أن المعاهدة الجديدة تنص على "خفض كبير" لعدد الرؤوس والصواريخ لدى الدولتين وعلى نظام مراقبة متبادل "قوي وفعال".
ورأى الكرملين أن "المعاهدة الجديدة ترفع مستوى التعاون الروسي- الاميركي في تطوير العلاقات الاستراتيجية الجديدة" بين القوتين النوويتين، مشيراً الى أن "ستارت" الثانية "تعكس توازن المصالح بين البلدين".
وقالت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون إن الولايات المتحدة "ليست في حاجة الى ترسانات ضخمة كهذه لحماية بلادنا وحلفائنا من اكبر خطرين نواجههما اليوم، وهما انتشار الاسلحة النووية والارهاب".
واستناداً الى البيت الابيض، تنص "ستارت" الجديدة على تحديد الترسانتين النوويتين الاميركية والروسية بـ1550 رأساً نوويا لكل من البلدين، مما يشكل خفضاً بنسبة 74 في المئة عن معاهدة "ستارت" الاولى و30 في المئة عن معاهدة موسكو المعروفة بمعاهدة "سورت" والموقعة عام 2002.
وكانت معاهدة "ستارت" الاولى نصت على خفض كبير للترسانتين النوويتين مع فرض نظام مراقبة متبادل، وقد انتهت مدتها في الخامس من كانون الاول 2009 من غير التوصل الى اتفاق يحل محلها على رغم محادثات استمرت أشهراً في جنيف.
وبعدما دعت ادارة اوباما، منذ توليها مهماتها، الى "انطلاقة جديدة" في العلاقات مع موسكو، قالت كلينتون التي تلت اوباما في قاعة الاعلام بالبيت الابيض ان "هذه المعاهدة تشكل خطوة كبيرة الى الامام في تعاوننا مع روسيا". واعتبرت الوزيرة الاميركية التي زارت موسكو الاسبوع الماضي في مسعى لازالة العقبات الاخيرة في وجه الاتفاق، ان "الديبلوماسية الصبورة المبنية على المبادئ يمكن ان تخدم مصالحنا القومية، ذلك انها تعطي نتائج"، مشيرة الى ان هذا الاتفاق سيثبت "للعالم، وخصوصاً لدول مثل ايران وكوريا الشمالية" عزم الدول الكبرى على مكافحة انتشار الاسلحة النووية.
وقال وزير الدفاع الاميركي روبرت غيتس ان الاتفاق لا يفرض قيودا على المشاريع الاميركية لتطوير نظام الدفاع الصاروخي الاميركي وتطويره، وهو موضوع حساس جداً مع موسكو ومن شأنه التأثير على عملية توقيع الاتفاق في الكونغرس ومجلس دوما الدولة الروسي.
لكن الكرملين اكد ان النص سيتضمن بندا "ملزما قانونيا" يحدد "رابطا بين الاسلحة الاستراتيجية الدفاعية والهجومية".
ولاحظ المحلل مايلز بومبر ان الاتفاق يشكل "انجازا كبيرا على صعيد السياسة الخارجية" قبل قمة حول الامن النووي دعا اوباما الى عقدها في 12 نيسان و13 منه في واشنطن.
ترحيب
وفي باريس، رحب الرئيس نيكولا ساركوزي "بحماسة" بالمعاهدة الجديدة، ورأى فيها "اشارة مهمة جدا" الى الاسرة الدولية.
كذلك، ابدى الامين العام للامم المتحدة بان كي – مون "ارتياحه" الى للتوصل الى الاتفاق الجديد الذي اعتبره "مرحلة مهمة" على طريق قيام عالم خال من الاسلحة النووية، داعيا الدول الاخرى التي تملك اسلحة نووية الى ان تحذو حذو موسكو وواشنطن. واعتبر ان توقيع "ستارت" الثانية "سيعطي مؤتمر متابعة معاهدة منع انتشار الاسلحة النووية" المقرر عقده في ايار في نيويورك، دفعاً مهماً.
وبعد توقيع المعاهدة، يجب ابرامها بغالبية 76 صوتاً في مجلس الشيوخ الاميركي، وهو ما يعني أن الرئيس الاميركي سيحتاج الى دعم من الجمهوريين، علماً أن الاعضاء الجمهوريين في مجلس الشيوخ كانوا تخوّفوا من تنازلات قدمها المفاوضون الاميركيون.
الا أن كلينتون عبّرت عن "ثقتها" بان مجلس الشيوخ سيصادق على المعاهدة الجديدة، قائلة ان "مسائل الامن القومي توافرت لها دوماً اكثريات كبيرة من الحزبين، ولست ارى لماذا سيكون الامر مختلفا هذه المرة".
(و ص ف، رويترز، أب)




















