تصدّر سيّد عاصم منير أحمد شاه، الماريشال الذي يقود الجيش الباكستانيّ، المشهد العالميّ بقيادته الوساطة الأصعب في التاريخ الحديث لإنهاء الحرب الضروس بين إيران من جهة والولايات المتّحدة وإسرائيل من جهة أخرى، التي ألقت بأحمالها الثقيلة على الإقليم برمّته، وعلى الاقتصاد والأمن الدوليَّين.
لم يعكس استقباله للوفدين الأميركيّ والإيرانيّ في إسلام آباد، واتّصالاته ومشاوراته المتواصلة مع الطرفين لتثبيت وقف النار والانتقال إلى اتّفاق إطار لإنهاء واحدة من أعقد الأزمات في التاريخ المعاصر، قوّة القائد العسكريّ الخبير الذي يتحدّى العدوّ اللدود لبلاده الهند فقط، بل قوّة الرجل السياسيّ والدبلوماسيّ القادر على الدفع ببلاده نحو الاضطلاع بأدوار كبيرة على الساحة الدوليّة.
من اللحظة الأولى للحرب كان الرجل في قلب الحدث، بل كان حدثاً بحدّ ذاته، بفعل علاقاته الاستثنائيّة بالرئيس الأميركيّ دونالد ترامب والقيادة الإيرانيّة، لا سيما في الحرس الثوريّ، والممتدّة إلى الخليج، وخصوصاً مع العائلة الحاكمة في المملكة السعوديّة، علاوة على علاقاته الوثيقة بالاستخبارات المصريّة والتركيّة منذ كان رئيساً للاستخبارات في بلاده.
يملك شبكة من العلاقات الشخصيّة والثقة المتبادلة مع الزعماء قلّما حظي بمثلها قادة الجيوش، وقد حبكها طوال فترة نشاطه العسكريّ في مختلف الاتّجاهات الداخليّة والخارجيّة، حتّى صار رجل باكستان القويّ.
إنّه جنديّ ورجل دولة ودبلوماسيّ، أحدث زخماً لباكستان على المستوى الدوليّ، وغيّر نظرة العالم إليها، ومنحها صورة الدولة المفيدة للمجتمع الدوليّ، بعدما جرت معاملتها معاملة الدولة المنبوذة بسبب سياساتها المزدوجة في أفغانستان بين 2001 و2021. تجاوز حضوره الإطار العسكريّ فوجد نفسه في قلب معادلة إقليميّة حسّاسة تتقاطع فيها مصالح الأمن والطاقة والسياسة.
تصدّر سيّد عاصم منير أحمد شاه، الماريشال الذي يقود الجيش الباكستانيّ، المشهد العالميّ بقيادته الوساطة الأصعب في التاريخ الحديث لإنهاء الحرب
يفهم تعقيدات الملفّ الإيرانيّ أكثر من أيّ خبير في المنطقة، ويدرك أهميّة جارته الغربيّة بالنسبة إلى إسلام آباد. تشترك معها بحدود تمتدّ نحو 560 ميلاً، وتضمّ واحدة من أكبر الجماعات الشيعيّة خارج إيران، وهو ما يجعلها عرضة لتداعيات أيّ تصعيد طويل. يتحسّس من المخاطر الانفصاليّة لدى إثنيّة البلوش المنتشرة على ضفّتي الحدود المشتركة مع إيران عند الحدود الغربيّة لبلاده، علاوة على مصلحة مباشرة في الاستقرار الإقليميّ نتيجة الضغوط الاقتصاديّة ومخاوف أمن الطاقة.
تمثّل وساطته في هذا الملفّ مكسباً سياسيّاً قويّاً يعزّز مكانة باكستان الدوليّة، ويمنحها صدقيّة كبرى في إدارة الصراعات الإقليميّة المفتوحة، ويضعها في موقع الريادة الدبلوماسيّة في جنوب آسيا في المرحلة المقبلة.
الماريشال “المفضّل” لترامب
ما كان ليحصل انغماس عاصم منير النشط في الملفّ الإيرانيّ الدقيق والحسّاس والخطِر لولا نجاحه في إقامة علاقة خاصّة مع ترامب. بعد المواجهات العسكريّة الحاسمة العام الماضي مع الهند، التي أثبت فيها قدرته على إدارة الأزمات الكبرى بنجاح لافت، فُتحت له أبواب البيت الأبيض مرّتين، وحصل هناك على استقبال رسميّ رفيع المستوى عكس حجم الثقة الكبيرة التي يوليها الرئيس الأميركيّ لهذا القائد العسكريّ البارز، الذي وصفه بـ”ماريشالي المفضّل”.

أشادت باكستان بترامب عقب ذلك النزاع، ورشّحه رئيس وزرائها شهباز شريف لجائزة نوبل للسلام، فيما قلّلت الهند في المقابل من شأن الدور الأميركيّ في حلّ الأزمة. ساهمت العلاقة الخاصّة بين المشير والرئيس أيضاً في سدّ الفجوة الكبيرة بين باكستان والولايات المتّحدة، التي تضرّرت سابقاً بسبب ملفّات أمنيّة معقّدة وإطاحة العسكر بالحكومات المدنيّة المنتخبة. نجحت الشراكة الاستخباريّة الجديدة في تصفية عناصر إرهابيّة خطِرة بناءً على معلومات دقيقة ومتبادلة بين الطرفين.
حصل في العام الماضي على حصانة قانونيّة مدى الحياة بموجب تعديل دستوريّ منحه صلاحيّات واسعة على مختلف فروع الجيش
كتبت “نيويورك تايمز” حينها أنّ “باكستان ربّما لم تحظَ يوماً بمستوى من الوصول إلى البيت الأبيض كما هو اليوم”. تحاول إسلام آباد اليوم استثمار هذا التقارب لإعادة تثبيت موقعها شريكاً أساسيّاً لواشنطن في آسيا، بعدما تراجع هذا الدور خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، لا سيما عقب الانسحاب الأميركيّ من أفغانستان عام 2021.
ورد اسم عاصم منير في البيانين الرسميَّين لواشنطن وطهران اللذين أعلنا التوصّل إلى اتّفاق، إذ استهلّ ترامب بيانه على منصّته “تروث سوشيل” قائلاً: “استناداً إلى المحادثات مع رئيس وزراء باكستان شهباز شريف والماريشال عاصم منير، اللذين طلبا منّي التوقّف عن استخدام القوّة التدميريّة التي كان من المقرّر إرسالها الليلة إلى إيران، وبشرط موافقة جمهوريّة إيران الإسلاميّة على الفتح الكامل والفوريّ والآمن لمضيق هرمز، أوافق على تعليق القصف والهجوم على إيران لمدّة أسبوعين”.
جاء في بيان رسميّ لوزير الخارجيّة الإيرانيّ أعقب منشور ترامب: “نيابةً عن جمهوريّة إيران الإسلاميّة، أعرب عن الامتنان والتقدير لأخويَّ العزيزين، دولة رئيس وزراء باكستان شهباز شريف وفخامة المشير عاصم منير، على جهودهما الدؤوبة لإنهاء الحرب في المنطقة”.
ابن الإمام وحافظ القرآن
نشأ الماريشال منير، الخمسينيّ، في أسرة متديّنة في روالبندي في إقليم البنجاب، إذ كان والده إماماً من المهاجرين من الهند، وهو ما أسهم في حفظه القرآن وإتقان قواعد تجويده. يرى المراقبون أنّ هذه العوامل ساهمت في تشكيل شخصيّته المتديّنة ومواقفه الحازمة. كان منير قد أكمل حفظ القرآن كاملاً أثناء وجوده في المملكة العربيّة السعوديّة وهو في سنّ الثامنة والثلاثين، حيث شارك في برنامج التعاون الدفاعيّ بين الرياض وإسلام آباد، وأقام علاقات خاصّة مع العائلة الحاكمة السعوديّة.
ورد اسم عاصم منير في البيانين الرسميَّين لواشنطن وطهران اللذين أعلنا التوصّل إلى اتّفاق
تصف وسائل إعلام هنديّة منير بـ”الماريشال الملّا”، كناية عن “التزامه الصارم” بتعاليم الإسلام وحفظه القرآن الكريم، وهو ما جعل جهات عدّة، بينها الهند، تتخوّف من خلفيّته الدينيّة.
يُعدّ اليوم الرجل الأقوى في باكستان بفضل نفوذه الواسع في رسم السياسة الخارجيّة والدفاعيّة للدولة. وضعته مسيرته العسكريّة في صلب المؤسّسة الأمنيّة الباكستانيّة، إذ تولّى سابقاً رئاسة جهاز الاستخبارات الباكستانيّة، قبل أن يُعيَّن قائداً للجيش عام 2022 برتبة ماريشال، وهي مكانة عسكريّة لم يسبقه إليها في تاريخ باكستان سوى أيّوب خان. هو أوّل قائد للجيش يتولّى رئاسة أهمّ جهازين استخباريَّين، الأمر الذي منحه خبرة كبيرة في فهم ديناميّات الجيش الداخليّة، إلى جانب ملفّات الأمن القوميّ.
حصانة قانونيّة لمدى الحياة
حصل في العام الماضي على حصانة قانونيّة مدى الحياة بموجب تعديل دستوريّ منحه صلاحيّات واسعة على مختلف فروع الجيش، وقيّد في المقابل استقلاليّة أعلى سلطة قضائيّة في البلاد. منذ ذلك الحين، اتّجه منير إلى تكريس حضور علنيّ متصاعد، في خطوة يرى منتقدوها أنّها تمهّد الطريق نحو “الاستبداد”.
اتّخذ الجيش والمؤسّسة الأمنيّة الباكستانيّة، تحت قيادة منير، موقفاً متشدّداً تجاه حركة إنصاف الباكستانيّة وزعيمها عمران خان، الذي سبق أن أقال منير من منصب رئيس الأركان عندما كان رئيساً للوزراء. تصف تقارير دوليّة منير والجيش عموماً بأنّهما كانا محوريَّين في القرارات التي أدّت إلى سجن خان و”قمع” ناشطي حركته والتأثير على انتخابات العام الماضي.
لطالما عُرف عن منير حرصه على صورته العامّة، إذ يتجنّب عادة التصريحات العفويّة والأضواء، لكنّ خطاباته في السنوات الأخيرة اتّسمت بالقوّة والحزم، وتردّد صداها إلى خارج باكستان، وأثارت حفيظة العديد من العواصم، وعلى رأسها نيودلهي.
اتّخذ الجيش والمؤسّسة الأمنيّة الباكستانيّة، تحت قيادة منير، موقفاً متشدّداً تجاه حركة إنصاف الباكستانيّة وزعيمها عمران خان
يحظى منير مع ذلك بشعبيّة واسعة في باكستان، حيث يتمتّع الجيش تقليديّاً بنفوذ كبير في الأمن القوميّ والسياسة الخارجيّة. عزّزت قيادته خلال فترة من عدم الاستقرار الإقليميّ، إلى جانب دور باكستان البارز في محاولة تهدئة أخطر الأزمات الجيوسياسيّة، صورة القائد الحاسم والفاعل على المستوى العالميّ.
في المحصّلة، لا يبدو عاصم منير وسيطاً نجح في إخماد حرب وحسب، بل لاعب يعيد رسم موقع بلاده على خريطة القوّة. الرجل الذي توسّط بين أعداء على حافة الانفجار يرسّخ في الداخل معادلة أكثر صلابة: نفوذ عسكريّ يتقدّم على السياسة، ودور دولة يُبنى من فوق مؤسّساتها لا من داخلها.
هنا تكمن المفارقة القاسية. كلّما كبرت صورة الوسيط الذي لا غنى عنه لباكستان في الخارج، تعاظم في الداخل سؤال الثمن: هل تتحوّل النجاحات الدبلوماسيّة إلى غطاء لهيمنة دائمة أم منير، الذي أتقن إدارة التوازنات بين واشنطن وطهران، سيجد نفسه عاجزاً عن تحقيق التوازن الأصعب… داخل بلاده نفسها؟
- أساس ميديا






















