يبدو أن إغضاب الشام لم يمر من دون آثار سلبية على حكامها، فالعاصمة، التي عبّرت عن نفسها باعتصام بعض أبنائها احتجاجاً على رفع أسعار الكهرباء، تعرضت لتأنيب غير مسبوق من عدد من المؤثرين الموالين للسلطة ومن جمهور عريض من مناصريها أوشك أن يضم دعاة التظاهر في دمشق إلى قائمة الأعداء التقليديين، ولا سيما فلول النظام، مما حمل أبناء المدينة الحذرة إلى الانكفاء مع شعور خبيء بالمرارة، خاصة أن الوعود الاقتصادية والخدمية، التي تهمهم بالدرجة الأولى، صارت تبدو أشبه بكلام لا يغني من جوع ولا يسدد فاتورة.
منذ ذلك الوقت، في أواخر الشهر الفائت، تتوالى أسباب الصداع على رأس السلطة التي لا تكاد ترمم مصدراً للمتاعب إلا انفتق آخر في منطقة مختلفة من البلاد.
ولعل أبرز ما حدث هو السيول التي اجتاحت عدداً من المخيمات في الشمال، مخلفة مصاعب إنسانية فتحت الباب على تذمر واسع من عدم تغير أحوال السكان، الذين كانوا “وقود” الثورة والنصر على حد تعبير مستشار إعلامي، بعد أكثر من سنة على التحرير، إذ لم تحقق الحكومة تغييراً ذا بال لإعادة إعمار بيوتهم وقراهم وبلداتهم، ولا تمخضت التبرعات اللفظية السخية إلا عن 12 مليون دولار، أي قرابة 5% مما جمعته حملة “الوفاء لإدلب” على الشاشة البهيجة، في الوقت الذي اجتذبت فيه دمشق المنظمات التي كانت تعمل في الشمال، وزَهَت بافتتاحٍ برّاق لمعرض الكتاب، في وقت كان فيه الأهل يخوضون في الماء والوحول ولا يجدون مأوى.
ممثلو هذه الحاضنة الثورية، من إعلاميين أو ناشطين أو عسكريين، أصحاب “عين قوية” على السلطة التي يعرفون مسؤوليها بشكل شخصي عبر سنوات، ولم يهبطوا عليهم ككائنات فضائية من كتاب تاريخ..
وبالنظر إلى هذه الخصوصية ارتفعت أصوات، كانت “وسطية” في العادة، تنتصر للفقراء من حاضنة الثورة في وجه مرتدي البدلات الغربية المستجدة وربطات العنق في العاصمة، وتحذّر من غليان القاعدة نتيجة أنواع متعددة من البؤس المعيشي، وتنبه إلى أن للصبر حدوداً بعد أربعة عشر شهراً على سقوط النظام.
أمّا سكان المناطق الخارجة حديثاً عن سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، ولا سيما في دير الزور وبين عرب الحسكة، فيبدو أن السنة السابقة استهلكت كل ما يملكون من قدرة على الانتظار، لذلك فهم يطلبون من الاندماج، الذي أملوا فيه كثيراً، مع باقي أراضي سيطرة السلطة، أن يقلب حياتهم، بما أنهم خزان البلاد الغذائي ومكمن ثروتها النفطية كما غذّت دعاية مستمرة خلال العام.
وفضلاً عن صعوبات الاستثمار في آبار البترول والغاز المنهكة، وإنعاش بيئة زراعية متهالكة؛ فإنّ الانتقال غير السلس من هياكل “الإدارة الذاتية” إلى البنية الحكومية الرسمية يتطلب إجراءات بطيئة معقدة لا يبدو أن السكان مستعدون لتفهمها طويلاً، ولذلك أسرع إليهم الإحباط وظهرت بينهم علامات التململ وعاودهم خطاب المظلومية المديدة، وأيضاً يحظى هؤلاء بمشروعية رمزية عالية في الخريطة الاجتماعية الحالية، فهم أرومة العشائر وأسّ الفزعات ومطلقو النشيد الفعلي للمؤازرة “لبت.. لبت” ومنفذوه.
هذه الجغرافيا، في الشمال والشرق، أرض صلبة للثورة، ولذلك يختلف الاحتجاج فيها عن مناطق ظلت تحت سيطرة بشار الأسد حتى سقوطه، أو تتشكّل من مكوّنات طائفية أو عرقية “مشبوهة” بدعاوى الانفصال أو التقسيم أو الحنين إلى النظام السابق، وممثلو هذه الحاضنة الثورية، من إعلاميين أو ناشطين أو عسكريين، أصحاب “عين قوية” على السلطة التي يعرفون مسؤوليها بشكل شخصي عبر سنوات، ولم يهبطوا عليهم ككائنات فضائية من كتاب تاريخ.
وأخيراً نظّمت جموع من أهالي مدينة سلَمية وقفة احتجاجية في ساحتها العامة، طالبت ببسط الأمن فيها وبضبط السلاح المنفلت وبتسليم الأمن الداخلي لشبان منها تحت مظلة حكومية، ويكتسب ذلك أهمية خاصة لأنّ الطائفة الإسماعيلية، التي تشكّل أكثرية سكان سلَمية، كانت قد نأت بنفسها عن تهمة “تحالف الأقليات” الرائجة مؤخراً، وصبرت على تجاوزات عديدة لم يكن البدو المجاورون بعيدين عنها.
خارجياً لم يبدُ الوضع أفضل حالاً بكثير، فقد فشل السفير الأميركي، العراب توم باراك، في إقناع البنتاغون بتسليم عناصر “داعش” السوريين، الذين كانوا في سجون “قسد” لسلطة دمشق التي فقدت بذلك ورقة مهمة في ملف “مكافحة الإرهاب”، الذي يشكّل أحد مبررات اعتمادها.
تقول تسريبات محلية إنّ التنظيم أوعز لخلاياه هناك بالامتناع عن أي عمل ضد الحكم، واعتبار المنطقة أرض إعداد وعبور نحو العاصمة..
واقتيد هؤلاء، مثل نظرائهم العراقيين ومن أكثر من 60 جنسية أخرى، إلى العراق حيث تتوارد الأنباء عن احتجاز أكثر من ثلاثة آلاف سوري في سجن الرصافة ببغداد، يقولون إنهم يتعرضون للضغط كي يعترفوا بأنهم سبق ومارسوا أعمالاً إرهابية على الأراضي العراقية، ليتسنّى للقضاء هناك محاكمتهم وإعدامهم على الأغلب، مما يُفترَض أن يشكّل حرجاً لحكومة تعمل على استعادة رعاياها المحتجزين في سجن رومية بلبنان.
على الأرض توقفت عمليات تنظيم “داعش” بشكل كليّ، منذ انتقال السيطرة في المناطق الشرقية حيث كانت تنشط، وتقول تسريبات محلية إنّ التنظيم أوعز لخلاياه هناك بالامتناع عن أي عمل ضد الحكم، واعتبار المنطقة أرض إعداد وعبور نحو العاصمة أو تجاه أهداف مركزية أخرى.
وبينما تنسحب أميركا ترامب من قاعدة التنف الاستراتيجية لصالح وزارة الدفاع في سلطة دمشق؛ ارتفعت أصوات اتهمت هذه القوات وعناصر وزارة الداخلية بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في أثناء معاركهما، وذلك في جلسة استماع رسمية عقدتها لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس، قال رئيسها إن الأوضاع الحالية في سوريا “ليست قريبة مما يجب أن تكون عليه”.
وشدّد على أن رئيس المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، لم يحصل على أي “شيك على بياض” من الولايات المتحدة، أمّا في ما يتعلق بالشرع فقد قال تقرير، أعده مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، إنه تعرض لخمس محاولات اغتيال خلال العام، فضلاً عن أخرى استهدفت رجُليه الأثيرين؛ أسعد الشيباني في الخارجية وأنس خطاب في الداخلية!
- تلفزيون سوريا



























