ملخص
عندما طرح الرئيس الأميركي وودرو ويلسون في مؤتمر فرساي مبدأ حق تقرير المصير لشعوب الإمبراطوريتين النمسوية -المجرية والعثمانية تحفّظ وزير خارجيته روبرت لانسينغ بالقول “إن ذلك سيجمع السخط والفوضى والثورة ويحشى بالديناميت ويخلق آمالاً لا يمكن تحقيقها”، أما اليوم في عالم بلا قواعد ولا ضوابط، فإن الدول القوية هي التي تقرر مصير بقية البلدان وتملك حرية إدارة السياسات بالحروب.
المسار من أوكرانيا إلى فنزويلا وإيران هو نقلة من نظام عالمي في موت سريري إلى عالم بلا ضوابط، غابة ليس فيها حتى أسد في دور الملك الذي يفرض شيئاً من المهابة على الحيوانات.
ولم يكن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث عن عالم افتراضي عندما قال في منتدى دافوس إن “قواعد النظام الدولي بدت مزيفة” في لعبة الأقوياء، فالقاعدة هي “إما أن يكون لك موقع إلى الطاولة أو أن تكون طعاماً على المائدة”، إذ إن كندا مطلوبة في واشنطن كما جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك للضم إلى أميركا، والتردي هو الانتقال من “قوة قيمنا” إلى “قيمة قوتنا”، وما شهده مؤتمر ميونيخ للأمن كان بكاء على نظام انتهى وخوفاً من مجهول.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بدأ اللعبة في جورجيا أيام الرئيس جورج بوش الابن، وفي شبه جزيرة القرم أيام الرئيس باراك أوباما من دون أن يدفع ثمناً على أساس أن مصالح روسيا هناك مثل مصالح أميركا في المكسيك حسب تنظيرات كوندوليزا رايس وأوباما، وهذا ما شجعه على غزو أوكرانيا، وبنوع من التمرد على النظام العالمي الذي يشكو من أن أميركا تسيطر عليه، وتمنع روسيا من استعادة الدور السوفياتي في نظام متعدد الأقطاب.
أما الرئيس دونالد ترمب في عملية فنزويلا والحشد العسكري حول إيران، فإنه يريد إلغاء النظام العالمي الذي كانت واشنطن تفاخر بأنها صنعته بعد الحرب العالمية الثانية، ومن حسن الحظ، حتى إشعار آخر، أنه لم يطبق كل ما في “مشروع 2025” الذي قدمته لإدارته مؤسسة “هيرتاج” ويدعو أميركا إلى “الخروج من صندوق النقد والبنك الدوليين”.
ومع أن الأمم المتحدة لم تستطع غالباً، مع استثناءات محددة، أن تؤدي دورها كحارسة للنظام العالمي، فإن وزير الحرب بيت هيغسيث يعتبر أن “الأمم المتحدة منظمة عالمية تقدم بشراسة وعداء أجندة ضد أميركا وضد إسرائيل وضد الحرية”.
وهذه خطوات إضافية في العودة إلى الأيديولوجيا والعمل ضد الليبرالية، وليس أمراً قليل الدلالات أن يقرر ترمب الانسحاب من 66 منظمة تابعة للأمم المتحدة أبرزها “اليونسكو” ومنظمة الصحة العالمية، ولا أن يفتح معركة تجارية مع حلفائه في الاتحاد الأوروبي وحلف “الناتو”، فضلاً عن ترك معاهدة “نيو ستارت” تنتهي من دون تجديد، وهي آخر معاهدة للحد من التسلح النووي والصاروخي بين واشنطن وموسكو.
أما الصين فإنها ترفض الانضمام أو المشاركة في أي تفاوض دولي حول الحد من التسلح، ولا أحد يعرف متى تقرر استعادة تايوان بالقوة لأن استعادتها بالدبلوماسية تبدو مهمة مستحيلة، وأما ترمب، فإن “سياسته القومية تدمر البنية التي عملت لصالح أميركا” حسب ألكسندر کولي ودانیال نیکسون في مقال عنوانه “نظام ترمب اللاليبرالي”.
والعالم يعود إلى “الحرب الكلية” کما ترى البروفيسورة مارا كارلين من جامعة جونز هوبكنز، لأن “ما بعد الغزو الروسي لأوكرانيا وطوفان الأقصى انتهى المسار الضيق للحرب”، والنصيحة هي “تعلّم دروس الحرب الكبيرة اليوم لتجنب حروب أكبر في المستقبل”، لكن العودة إلى الأحلام الكبيرة انتهت، ففي كتاب “نظرية السياسة الدولية” يقول كينيث والتز إن “البنية الفوضوية للعلاقات بين الدول تحدد شروط الحرب والسلم”، والبديل الذي يقترحه هو “نظام سياسة دولية”، وهذا حلم أصغر من حلم “الحوكمة العالمية” منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى.
وليس بعد نهاية الأحلام الكبيرة سوى الكوابيس الأكبر، صحيح أن من الصعب رؤية حرب عالمية على طريقة الحربين العالميتين الأولى والثانية، على رغم كثرة التكهنات حول الحرب العالمية الثالثة، لأن حقبة التحالفات الكبيرة تقترب من السقوط الكامل بسبب سياسات ترمب وأوضاع بوتين والرئيس الصيني شي جينبينغ.
ترمب يعمل للتخلي عن تحالفات أميركا الكثيرة مع أنها من مصادر قوتها، وبوتين وشي يحاولان عبثاً البحث عن حلفاء لتوسيع الحلقة، وإذا سقط تماماً مبدأ منع استخدام القوة، فإن الدول الإقليمية المتوسطة مثل إسرائيل وإيران وتركيا وسواها تهيمن بالقوة العسكرية على جيرانها الضعفاء، أما “عالم ترمب وبوتين وشي”، فإنه “مناطق نفوذ وإرهاب دول أخرى والسيطرة على أراضٍ” حسب أونا هاتواي وسكوت شابيرو المدافعين عن المنطق الطبيعي القائل إن “القوة لا تصنع حقاً”.
وأخطر ما يحدث هو أن تتحول السياسات في العالم – الغابة إلى “لعبة صفرية”، القوي يأخذ كل شيء، والضعیف يخسر كل شيء، والأمم المتحدة عاجزة عن التأثير، لا فقط حيث يلعب الكبار في أوکرانيا وفنزويلا وإيران، بل أيضاً حيث تلعب القوى الإقليمية في ليبيا والسودان واليمن وفلسطين وسواها، ألا تبدو دعوات الأمين العام أنطونيو غوتيريش إلى التسويات والسلام أو أقله إلى وقف النار والمجازر والسماح للمدنيين بالخروج من الحصار كأنها تمنيات جدّ عجوز طيب في عالم الصراعات القاتلة.
عندما طرح الرئيس الأميركي وودرو ويلسون في مؤتمر فرساي مبدأ حق تقرير المصير لشعوب الإمبراطوريتين النمسوية -المجرية والعثمانية تحفّظ وزير خارجيته روبرت لانسينغ بالقول “إن ذلك سيجمع السخط والفوضى والثورة ويحشى بالديناميت ويخلق آمالاً لا يمكن تحقيقها”، أما اليوم في عالم بلا قواعد ولا ضوابط، فإن الدول القوية هي التي تقرر مصير بقية البلدان وتملك حرية إدارة السياسات بالحروب.
- إندبندنت



























