الكُرد والدولة السورية – قراءة في الاقتصاد السياسي لفشل مقاربة «المواطنة أولاً»

مسلم عبد طالاس

يميل جزء متزايد من النقاش السوري اليوم إلى اختزال الخروج من المأزق الوطني في استعادة «شكل الدولة»: مؤسسات موحدة، وقوانين مركزية، وخطاب مواطنة متساوية، ودستور جامع. يُقدَّم هذا المسار بوصفه الطريق الطبيعي لإنهاء سنوات الحرب والانقسام. وعلى الرغم من الوجاهة الأخلاقية اللافتة في هذا الطرح فإنه يُغفل سؤالاً سياسياً جوهرياً، يعود في جذوره إلى الاقتصاد السياسي: من يملك القدرة الفعلية على تعطيل هذا المشروع أو إنجاحه؟

في الواقع لا تُبنى الدول بمجرد إعلان النوايا أو صياغة القواعد (أي مجمل مؤسسات الدولة) رغم الأهمية الكبيرة لذلك كله، بل تُبنى حين تُصبح هذه القواعد قابلة للتطبيق دون مقاومة واسعة – سواء أكانت مقاومة عنيفة أم سلمية – تُعطل تطبيق القواعد كلياً أو تُشوه وتُحرِّف عملية التطبيق عن الغاية الأصلية. وهذا لا يتحقق إلا إذا كانت القواعد (المؤسسات) منسجمة مع توازنات القوة القائمة في المجتمع. هنا بالضبط تبرز أهمية مفهوم التسوية السياسية، الذي نظّر له مشتاق خان، أي التفاهم الضمني أو الصريح الذي يربط بين ما تمتلكه الفئات المختلفة من قوة فعلية، وبين ما تحصل عليه من نفوذ ومكاسب داخل نظام الحكم الجديد أو القائم. بالطبع لا تعني التسوية السياسية هنا مجرد صفقة آنية لتقاسم النفوذ، إنما هي ترتيب قابل للاستدامة، يربط بين توزيع القوة من جهة، وبين قواعد الحكم وتدفق الموارد والقدرة على الإنفاذ من جهة أخرى. فالتسوية التي لا تُنتج حداً أدنى من الاستقرار الاقتصادي والوظيفي سرعان ما تنهار، حتى لو بدت متوازنة سياسياً في لحظتها الأولى.

في سوريا، لم تعد القوة مركّزة في يد جهة واحدة منذ زمن طويل. هناك مناطق تدار أمنياً وإدارياً من قبل سلطات محلية، وهناك جماعات تمتلك القدرة على التعبئة أو التعطيل أو حتى العنف، سواء استندت إلى السلاح أو إلى التنظيم الاجتماعي أو إلى السيطرة على الموارد. تجاهل هذه الوقائع والانتقال مباشرة إلى خطاب «المواطنة المتساوية» لا يلغيها، بل يدفعها إلى مقاومة المشروع الجديد بطرق مختلفة.

لنفهم هذا الأمر بصورة أوضح، يُمكن النظر إلى الحالة الكُردية لا بوصفها استثناءً، رغم خصوصيتها، إنما كنموذج يُعري الخلل في المقاربة السائدة. فحين يُقال للكُرد اليوم: «انضمّوا إلى دولة المواطنة السورية»، يُفترض ضمنياً أن هذه الدولة موجودة أو على الأقل قيد التشكل الفعلي. لكن الواقع أن ما يُعرض عليهم ليس دولة مكتملة، بل وعداً مؤجلاً بدولة مستقبلية، يطلب منهم قبلها التخلي عن أدوات قوة قائمة فعلاً.

خلال سنوات الصراع، تشكل في المناطق ذات «الغالبية الكردية» نمط حكم محلي، وبغض النظر عن تقييمنا له سياسياً أو أخلاقياً أو إدارياً. فهناك كوادر تدير البلديات، وقوى أمنية تضبط المجال العام، ومناهج تعليم، وجباية موارد، وتنظيم للخدمات. لم تنشأ هذه البنية صدفة، إنما لبت حاجة السكان إلى حد أدنى من الاستقرار في ظل انهيار الدولة المركزية. وهذا ما منحها شرعية عملية: ليس لأنها «أفضل»، بل لأنها «موجودة وتعمل». ولا يعني ذلك أن هذه الشرعية كانت كاملة أو غير متنازع عليها داخل المجتمع المحلي نفسه، لكنها كانت كافية لخلق شعور واسع بأن تفكيك القائم دون بديل واضح قد يكون أكثر كلفة من الاستمرار فيه. ففي سياقات عدم اليقين، غالباً ما يتقدم منطق تقليل الخسارة على منطق الاختيار المثالي.

حين يُطلب من هذا الفاعل أن يُذيب هذه البنية في دولة مركزية لم تتشكل بعد، من دون ضمانات واضحة حول موقعه ودوره وشكل تقاسم السلطة لاحقاً، فإن الرفض أو التردد يُصبح سلوكاً عقلانياً. فالتنازل عن السيطرة الأمنية أو الإدارية أو المالية ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو تخلٍ عن مصادر قوة حقيقية لا يُمكن استعادتها بسهولة إن فشل المسار الجديد. وهذا السلوك لا يقتصر على النخبة السياسية والعسكرية المتحكمة فحسب، فالمجتمع المحلي الذي اختبر الحد الأدنى من الخدمات الذاتية، قد يرى في التنازل عنها لصالح مركز «متخيل» أو غير موثوق، مغامرة بوجوده اليومي وأمنه المباشر، وليس مجرد مناورة سياسية.

يُمكن رؤية هذا الخلل بوضوح في الاتفاقيات الأخيرة التي طُرحت بعد انكماش نفوذ «قوات سوريا الديمقراطية». فهذه الاتفاقيات، في صيغتها العامة، تدعو إلى عودة مؤسسات الدولة المركزية مقابل وعود عامة بالاندماج والمساواة. لكن المشكلة تظهر عند الانتقال إلى التطبيق: من سيُنفذ؟ ومن سيأمر؟ ومن يضمن ألا تتحول العودة إلى إعادة تهميش تدريجية؟ لا سيما أن غياب الضمانات الملموسة يُحولُ «الاندماج» إلى «استسلام إداري»، وهو ما يُعيد إنتاج مآزق تجارب «التسويات» في مناطق سورية أخرى، حيث تحولت العودة الشكليّة لمؤسسات الدولة إلى غطاء لهشاشة أمنية وتصفيات صامتة، بدلاً من أن تكون بوابة لمواطنة حقيقية.

على سبيل المثال، حين يُتفَق على «عودة المؤسسات الخدمية» يبدو الأمر بسيطاً نظرياً، لكنه يعني – عملياً – نقل السيطرة على المدارس والبلديات والموارد من إدارة محلية قائمة إلى جهاز مركزي. السؤال هنا ليس إدارياً، بل سياسيٌّ: ما الذي يحصل عليه الطرف المحلي مقابل هذا التنازل؟ هل يحتفظ بصلاحيات حقيقية؟ هل تُحمى كوادره؟ هل يُعاد إنتاج القرار محلياً أم يُفرغ من مضمونه؟ في غياب إجابات واضحة، يُصبح التنفيذ بطيئاً أو انتقائياً أو شكلياً.

هذا ما تفسّره نظرية التسوية السياسية بدقة. فحين لا يتوافق توزيع المنافع الجديد مع توزيع القوة القائم، ترتفع كلفة الإنفاذ. لا أحد يحتاج إلى إعلان العصيان الصريح؛ إذ يكفي التباطؤ، أو التفسير المرن، أو الامتناع غير المعلن، حتى تتآكل الاتفاقية من الداخل. لذلك فإن فشل التطبيق هنا بنيوي لا تقني.

المشكلة نفسها تتكرر مع مفهوم المواطنة. فالمواطنة ليست مجرد مساواة قانونية على الورق، بل علاقة بين فرد ودولة قادرة على فرض القواعد وحمايتها. حين لا تحتكر الدولة القوة، تُصبح المواطنة وعداً أخلاقياً بلا ضمانات. ولهذا يبدو خطاب «تعالوا إلى دولة المواطنة» بالنسبة لبعض الفاعلين أشبه بطلب القفز في الفراغ.

هذا لا يعني أن المواطنة فكرة خاطئة أو غير مرغوبة، بل يعني أن ترتيبها في المسار السياسي مهم. فالمواطنة لا تُبنى قبل التسوية السياسية، إنما بعدها، لأنها ثمرة استقرار نسبي، لا أداته. والدول التي نعرفها اليوم لم تبدأ بدساتير مثالية، بل بتفاهمات واقعية بين قوى متصارعة، ثم تحولت هذه التفاهمات تدريجياً إلى مؤسسات وقواعد عامة. يخبرنا التاريخ السياسي أن الدساتير لا تخلق واقعاً من العدم، فما هي إلا «تأطير قانوني» لموازين قوى تم التوافق عليها مسبقاً. لذا، فإن محاولة فرض المواطنة كمدخل للحل، هي محاولة لوضع العربة أمام الحصان؛ فالمواطنة هي العقد الذي يوقعه الشركاء بعد أن يتفقوا على حصصهم في السلطة والموارد، وليست الصك الذي يتنازلون بموجبه عن وجودهم. المشكلة، إذاً، ليست في مبدأ المواطنة ذاته، بل في تحويله إلى نقطة انطلاق بدل أن يكون أفقاً سياسياً. فالمواطنة تصلح كمعيار لتوجيه التفاوض وضبط نتائجه، لكنها تفقد معناها حين تستخدم كبديل عن التفاهم على شروط السلطة وتقاسمها.

البديل الواقعي في سوريا لا يقوم على شرعنة الانقسام، ولا على تكريس كيانات الأمر الواقع، إنما على الاعتراف المؤقت بتوزيع القوة كما هو، والتفاوض عليه بدل إنكاره. أي الانتقال من سؤال: «كيف نعيد الدولة كما يجب أن تكون؟» إلى سؤال: «كيف نبني دولة يُمكن أن تعمل الآن، ولو كانت ناقصة؟».

في الحالة الكُردية، يعني ذلك تفاوضاً صريحاً حول اللامركزية، والصلاحيات المحلية، وضمانات المشاركة، لا الاكتفاء بدعوة عامة للاندماج. ويعني أيضاً الاعتراف بأن التخلي عن القوة يجب أن يكون تدريجياً ومقابلاً لبناء ثقة حقيقية، لا خطوة أولى في مسار غير مضمون.

إن الإصرار على استكمال شكليات الدولة – قبل إنجاز تسوية سياسية مع الفاعلين الحقيقيين في المجتمع السوري – لا يعكس قوة المشروع، بل هشاشته. فالدولة التي تُبنى ضد توازنات القوة لا تعيش طويلاً، أمّا تلك التي تُبنى عبر تسوية واقعية، حتى لو كانت غير مثالية، فإن لها فرصة أن تتطور.

بهذا المعنى، لا تكشف الحالة الكردية مشكلة «كردية» بقدر ما تكشف مأزقاً سورياً عاماً: لا يُمكن بناء دولة المواطنة عبر القفز فوق السياسة والاقتصاد السياسي. فالمواطنة ليست هبة تمنحها الدولة المركزية لرعاياها، وإنما هي منتج سياسي يولد من رحم التفاوض الشاق بين قوى المجتمع الحية. وبناء الدولة في سوريا لن يبدأ من استعادة هيبة المكاتب والوزارات، بل من شجاعة الاعتراف بالفاعلين على الأرض والوصول معهم إلى تسوية تضمن أن يكون الوطن مكسباً للجميع، لا فخاً يتطلب التخلي عن أدوات البقاء. الدولة لا تُبنى عندما تطلب من الفاعلين التخلي عن مصادر قوتهم باسم وعد أخلاقي، بل عندما تجعل هذا التخلي أقل كلفة من الاحتفاظ بها. وعندها فقط، تتحول المواطنة من خطاب جميل إلى واقع قابل للحياة.

  • الجمهورية نت
Next Post

اترك رد

منتدى الرأي للحوار الديمقراطي (يوتيوب)

فبراير 2026
س د ن ث أرب خ ج
 123456
78910111213
14151617181920
21222324252627
28  

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist