مرسوم العفو العام
وينصّ المرسوم الذي نشره التلفزيون السوري الرسمي على “تخفيف عقوبة السجن المؤبد لتصبح 20 عاماً، وعلى إلغاء كامل العقوبة في الجنح والمخالفات، وإلغاء العقوبات المتعلّقة بجنايات منصوص عليها في قانون مكافحة المخدرات وفي قانون منع التعامل بغير الليرة السورية وقانون تهريب المواد المدعومة من الدولة”. ويشمل العفو كذلك “إلغاء العقوبات المرتبطة بجنايات منصوص عليها في قانون العقوبات العسكري، وقانون جرائم المعلوماتية”. كما أعفى المحكومين في سورية بجرائم منصوص عليها في قانون الأسلحة والذخائر من العقوبة، بشرط المبادرة إلى تسليم السلاح للسلطات المختصة خلال ثلاثة أشهر من تاريخ صدور المرسوم. واستثنى المرسوم “الجرائم التي تتضمن انتهاكات جسيمة بحق الشعب السوري” و”الجرائم المنصوص عليها في قانون تجريم التعذيب، والاتجار بالأشخاص، وسرقة الأملاك العامة”. ويعفى كلّ من هو “مصاب بمرض عضال غير قابل للشفاء”، ومَن بلغ الـ70 من العمر، ولا تشملهم الاستثناءات الواردة في المرسوم. وبدأت وزارة العدل في الحكومة السورية تطبيق المرسوم فور صدوره، في كل المحافظات السورية، وجرى بالفعل إطلاق سراح بعض من شملهم العفو العام.
يجب أن يصدر العفو عن البرلمان بموجب الإعلان الدستوري
ورغم أن المرسوم وجد صدى إيجابياً لدى الشارع السوري، إلا أن الأوساط القانونية والحقوقية السورية رأت أن الإعلان الدستوري لم يخوّل الرئيس الشرع إصدار عفو عام إلا من خلال مجلس الشعب (البرلمان). ولم يلتئم حتى اللحظة مجلس الشعب السوري بانتظار القيام بالعملية الانتخابية في سورية بالمناطق التي كانت تحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في شمال شرق البلاد. وجرت في أكتوبر/تشرين الأول 2025، عملية انتخابية في معظم المحافظات السورية، عبر لجان ناخبة اختارت ثلثي الأعضاء، بينما “يعيّن رئيس الجمهورية ثلث أعضاء مجلس الشعب لضمان التمثيل العادل والكفاءة”، وفق ما جاء في الإعلان الدستوري المؤقت الناظم للحياة السياسية في سورية.
موجبات الإعلان الدستوري في سورية
ويُعتبر هذا العفو هو الأول الذي يصدره الشرع منذ توليه مهامه رئيساً للبلاد، في 29 يناير/كانون الثاني 2025 بعد إسقاط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 بعملية عسكرية خاطفة استغرقت نحو 11 يوماً. ونصّ الإعلان الدستوري الناظم والحاكم للمرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، في المادة 30، على أن يتولى مجلس الشعب مهام اقتراح القوانين وإقرارها، وتعديل القوانين السابقة أو إلغاءها، والمصادقة على المعاهدات الدولية، وإقرار الموازنة العامة للدولة، وإقرار العفو العام. وبحسب بنود الإعلان، “لا يملك الشرع الحقّ الدستوري في إصدار العفو العام، فذلك مناطه مجلس الشعب”، وفق المحامي غزوان قرنفل والذي أضاف في حديث مع “العربي الجديد”: “يُفترض أن يكون الإعلان الدستوري مظلة المشروعية لأي تشريع أو قرار تحت طائلة البطلان المطلق لعدم دستوريته”. وتابع: “لكن مع الأسف دأبت السلطة في معظم ما تتخذه من قرارات أو مراسيم أو غيرها على الإمعان في تجاهل موجبات الإعلان الدستوري”.
لا يوجد نصّ في الإعلان الدستوري يمنع رئيس الجمهورية من ممارسة اختصاصات المؤسسة التشريعية في حال غيابها
من جهته، قال القانوني والسياسي السوري محمد صبرا، في حديث مع “العربي الجديد”، إن قانون العفو العام “يجب أن يصدر عن مجلس الشعب حصراً”، مضيفاً أن “الشرعية الثورية تحولت إلى شرعية دستورية بموجب دخول الإعلان الدستوري حيّز النفاذ الفعلي”. وكان الشرع قد وقّع في مارس/آذار 2025، إعلاناً دستورياً وضعه قانونيون سوريون “بعد حوارات مكثفة بين مختلف مكونات المجتمع السوري”، تضمن 53 مادة، وحدّد مدة المرحلة الانتقالية في البلاد بـ5 سنوات.
وتعليقاً على صدور مرسوم العفو، قال الباحث أحمد القربي (أحد أعضاء لجنة صياغة مسودة الإعلان الدستوري)، في حديث مع “العربي الجديد”، إن المادة 26 من الإعلان “نصّت صراحة على أن يتولى مجلس الشعب السلطة التشريعية حتى اعتماد دستور دائم، وإجراء انتخابات تشريعية جديدة وفقاً له”. وأوضح القربي أن “هناك قاعدة قانونية تؤكد على أنه لا اجتهاد في مورد النص”، مشيراً إلى أن الإعلان الدستوري “لم يمنح الرئيس صلاحية إصدار عفو عام”. وأشار القربي إلى أنه حتى اللحظة “لا توجد سلطة تشريعية في البلاد، ولكن ربما تميل رئاسة الجمهورية إلى أنه لا يوجد نصّ في الإعلان الدستوري يمنع رئيس الجمهورية من ممارسة اختصاصات المؤسسة التشريعية في حال غيابها، فيمكن للرئيس ممارستها حتى يتم تشكيلها، خصوصاً أننا في مرحلة استثنائية وانتقالية يعدّ الوقت فيها عنصراً حاسماً”. ورأى في ذلك “توسيعاً لصلاحيات الرئاسة استناداً إلى ضرورات سياسية كما حصل على سبيل المثال في المرسوم رقم 14 الخاص بالأكراد السوريين والذي تضمن في بنوده الثلاثة الأولى مواد ذات طبيعة دستورية”.
ولكن القربي رأى أن المضي بهذه السياسة “سوف يؤدي إلى تسويف تشكيل مجلس الشعب، وتوسيع صلاحيات رئيس الجمهورية بحيث تشمل صلاحيات تشريعية، وهو ما ينتهك مبدأ فصل السلطات المنصوص عليه في المادة 2 من الإعلان الدستوري”. وبرأيه، فإن الحلّ الأفضل والأسلم “يكمن في تعجيل تشكيل مجلس الشعب وليس إبقاء الظروف التي تضطر السلطة التنفيذية للتعدي على اختصاصات مجلس الشعب، أو أن يتم الاستناد إلى المادة 41 من الإعلان الدستوري التي تتضمن إعلان حالة الطوارئ في حال توفر شروطها كخطر جسيم يهدّد سلامة الدولة ووحدتها أو يعطل مؤسسات الدولة عن ممارسة مهامها، وبالتالي نكون أمام ظروف استثنائية تتيح لرئيس الجمهورية توسيع صلاحياته للمحافظة على كيان الدولة، وهو ما يشبه إلى حد كبير ما هو موجود في المادة 16 من دستور فرنسا الحالي لعام 1958”.
- العربي الجديد






















