تمرّ الدول الخارجة من الحروب عادةً بمراحل انتقالية معقّدة، لكنّ هذه المراحل – في معظم التجارب المعاصرة – كانت تمتلك على الأقل شيئاً من «الكتالوغ» الإرشادي المتمثل في وجود خبرات سابقة يمكن القياس عليها، أو نماذج انتقال يمكن محاكاتها جزئياً، أو مظلات دولية واضحة المعالم تضبط إيقاع المرحلة.
أما في الحالة السورية اليوم، فيبدو المشهد مختلفاً إلى حدّ بعيد. فالتجربة التي تواجهها الدولة السورية في هذه اللحظة تكاد تكون من أكثر التجارب الانتقالية فرادة في التاريخ العربي المعاصر، وربما في التاريخ السياسي الحديث عموماً. ليس فقط بسبب حجم الدمار الذي خلّفته سنوات الحرب، ولا بسبب عمق الجراح الاجتماعية التي أصابت المجتمع السوري، وإنما لأن عناصر الأزمة السورية نفسها نشأت منذ البداية في تقاطع معقّد بين المحلي والإقليمي والدولي، ثم تعمّقت داخل هذا التقاطع طوال سنوات.
فالدولة التي تحاول اليوم أن تعيد بناء نفسها لا تواجه تحدياً سياسياً تقليدياً يتمثل في انتقال السلطة فحسب، بقدر كون الموضوع إعادةَ تركيب كاملة لعناصر الدولة والمجتمع معاً. فهناك مؤسسات تحتاج إلى إعادة بناء، واقتصاد يحتاج إلى إعادة وصل بالعالم بعد سنوات طويلة من العزلة والعقوبات، ونسيج اجتماعي يحتاج إلى ترميم بعد واحدة من أكثر الفترات قسوة في تاريخه الحديث.
في مثل هذه الحالات، عادة ما تلجأ الدول إلى الاستفادة من تجارب انتقالية سابقة: أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، أو دول البلقان بعد الحروب اليوغوسلافية، أو تجارب العدالة الانتقالية في أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا. غير أن المشكلة في الحالة السورية أن أياً من هذه النماذج لا ينطبق عليها بشكل مباشر.
فأوروبا الشرقية انتقلت في سياق دولي مستقر نسبياً، وكان الاتحاد الأوروبي بانتظارها كأفق سياسي واقتصادي واضح. ودول البلقان أعيد ترتيبها تحت إشراف دولي مباشر وبمظلة أمنية أوروبية أطلسية. أما تجارب العدالة الانتقالية في أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا فقد جرت داخل دول بقيت مؤسساتها الأساسية قائمة ولم تنهَر بالكامل.
أما في سوريا، فالصورة تبدو أكثر تعقيداً بكثير. فالبلاد تحاول أن تعيد بناء نفسها في لحظة دولية مضطربة أصلاً، حيث يتغير شكل النظام العالمي نفسه، وتتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، وتتراجع قدرة المؤسسات الدولية على إدارة الأزمات كما كان الحال بعد نهاية الحرب الباردة. ولهذا فإن أي مسار لإعادة بناء الدولة السورية لا يتحرك داخل حدودها الوطنية فقط، وإنما يتقاطع بالضرورة مع شبكة واسعة من التوازنات الإقليمية والدولية التي ما تزال هي نفسها قيد التشكل.
ولهذا فإن التحديات التي تواجه الرئيس السوري أحمد الشرع وحكومته لا يمكن اختزالها في ملفات داخلية فحسب. فكل خطوة في الداخل السوري تكاد تكون مرتبطة أيضاً بمعادلات إقليمية ودولية أوسع، من موقع سوريا في توازنات الشرق الأوسط إلى علاقتها بالاقتصاد العالمي والتعقيدات القانونية والسياسية التي تراكمت خلال سنوات الحرب.
إعادة بناء دولة خرجت من حرب طويلة ليست عملية تقنية سريعة، وإنما هي مسار تاريخي يحتاج إلى قدر من المرونة والصبر السياسي
وفي الوقت نفسه، فإن التداخل بين الملفات في الحالة السورية يبدو غير مألوف في شدته. فالاقتصاد لا يمكن فصله عن السياسة، والسياسة لا يمكن فصلها عن الاجتماع والثقافة. إعادة بناء سوق العمل، مثلاً، ليست مجرد مسألة اقتصادية، لأنها مسألة اجتماعية تتعلق بإعادة دمج ملايين السوريين في دورة الإنتاج بعد سنوات من النزوح والهجرة والبطالة. وإعادة بناء مؤسسات الدولة ليست مجرد عملية إدارية، لأنها إعادة تعريفٍ للعلاقة بين المواطن والدولة بعد عقود طويلة من انعدام الثقة، وبناء شرعية جديدة تقوم على الأداء والنتائج لا على الخطاب والشعارات.
ولهذا يصف بعض علماء السياسة مثل هذه اللحظات بأنها لحظات «انتقال مركّب»، حيث تتحرك ملفات الأمن والاقتصاد وإعادة بناء المؤسسات والمصالحة الاجتماعية في وقت واحد، ويتأثر كل ملف منها بالآخر بشكل مباشر. وفي مثل هذه الحالات لا تسير عملية إعادة البناء وفق خط مستقيم، بل عبر مسار متعرج من التقدم البطيء أحياناً، والتعثر أحياناً أخرى، وهو أمر تكاد تجمع عليه معظم خبرات التحول السياسي في العالم.
ومن اللافت أن جزءاً مهماً من المجتمع الدولي يبدو مدركاً لهذه الخصوصية السورية. فهناك في كثير من العواصم قدر من التفهم لحقيقة أن ما يجري في سوريا ليس تجربة يمكن إدارتها وفق وصفات جاهزة أو جداول زمنية صارمة. وأن إعادة بناء دولة خرجت من حرب طويلة ليست عملية تقنية سريعة، وإنما هي مسار تاريخي يحتاج إلى قدر من المرونة والصبر السياسي. لكن المفارقة تظهر داخل النقاش السوري نفسه.
فمن الطبيعي تماماً أن يستعجل السوري العادي النتائج. إنسان خرج من سنوات طويلة من الخوف والفقر والتهجير لا يمكن أن يُطلب منه برودة المحللين الاستراتيجيين. الناس تريد عملاً، واستقراراً، وكهرباء، وعودة للحياة الطبيعية. هذا الاستعجال مفهوم تماماً، بل يمكن اعتباره تعبيراً مشروعاً عن توق المجتمع إلى التعافي بعد محنة طويلة.
غير أن ما يبدو أقل قابلية للفهم هو أن تصدر درجة الاستعجال نفسها – أحياناً – عن بعض النخب التي يُفترض بها، بحكم ثقافتها وخبرتها، أن تكون أكثر إدراكاً لتعقيد عمليات إعادة بناء الدول.
فالنخب التي قرأت تاريخ التحولات الكبرى، واطلعت على تجارب الانتقال السياسي في العالم، تعرف جيداً أن إعادة بناء الدول ليست عملية إدارية يمكن إنجازها بقرار سريع.. إنها مسار تاريخي طويل يتطلب إدارة دقيقة للتوازنات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولذلك يبدو من الغريب – بل من السخيف أحياناً – أن تتحدث بعض هذه النخب وكأن سوريا تمرّ بتغيير حكومي عادي، وليس بإحدى أعقد عمليات إعادة بناء الدولة في المنطقة.
وهنا يظهر أحد أكبر تحديات المرحلة متمثلاً في إدارة الزمن السياسي نفسه. كيف يمكن تحويل لحظة الأمل إلى عملية بناء تدريجية لا تفقد المجتمع ثقته بالدولة، ولا تدفع الدولة في الوقت نفسه إلى قرارات متسرعة قد تضر بالمسار الطويل لإعادة البناء؟
فالدول لا تُبنى بالاندفاع وحده، لكنها أيضاً لا تُبنى في مناخ من الشك الدائم.
وسوريا، وهي تحاول الخروج من واحدة من أطول الأزمات في تاريخها الحديث، تحتاج إلى شيء من الحكمة الجماعية في قراءة هذه اللحظة: حكمة تدرك أن الطريق ما يزال طويلاً، لكنها تدرك أيضاً أن البلاد – للمرة الأولى منذ سنوات طويلة – بدأت تتحرك في اتجاه إعادة بناء نفسها.
فاللحظات التاريخية الكبرى لا تأتي عادةً مع دليل استعمال.
وفي بعض الأحيان، تضطر الأمم إلى أن تكتب كتالوغها الخاص.. وهي تمشي في الطريق.
- القدس العربي


























