خلال أربعة عشر عاماً من الثورة والحرب، تشكّلت داخل المجتمع السوري طبقات كثيفة من الذاكرة المتعارضة. المسألة لا يمكن اختصارها أو تعليقها بالتجارب الفردية المتفرقة، وإنما بوعي جمعي تكوّن داخل كل جماعة حول ما جرى لها وما خشيت أن يحدث لها في المستقبل.
بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الأكثرية السنّية، تمثل السنوات التي سبقت سقوط نظام الأسد البائد تجربة مدمرة بحجم تاريخي هائل، ثورة سلمية قوبلت بعنف غير متوقع، نتج عنه اندلاع حرب النظام على الثائرين مما أدى إلى تسوية أحياء وبلدات وقرى بالأرض، وسقوط مئات آلاف القتلى، واختفاء أثر عشرات آلاف المعتقلين الذين قتلوا في السجون، فضلاً عن ملايين المهجرين الذين تحولت حياتهم إلى منفى طويل. داخل هذه الذاكرة، تظهر الحرب ككارثة أصابت جماعة اجتماعية واسعة وتركَت أثرها في كل بيت تقريباً.
في الجهة الأخرى، تبلورت داخل أوساط من الأقليات، وخاصة في البيئة العلوية، ذاكرة مختلفة، تشكلت حول خوف مستعاد من تاريخ عاشه الأجداد، حوله النظام البائد إلى رعب من المستقبل أيضاً، حيث كرس ولسنوات طويلة تصوراً عميقاً بأن رحيل آل الأسد عن السلطة في سوريا سيقود إلى موجة انتقام واسعة، وأن نهاية الحرب قد تحمل معها مجازر جماعية. ومع تصاعد الخطاب الطائفي في مراحل متعددة من الصراع، ازداد هذا التصور رسوخاً حتى أصبح جزءاً من السردية التي تفسر ما جرى، وجاءت أحداث الساحل والسويداء، ليجد فيها كثيرون تأكيداً على حتمية فكرة نزعة الأكثرية لإنهاء الأقليات كحقيقة سرمدية، فهي تعزى إلى المعتقد الديني (استدعاء فتاوى ابن تيمية) وبالتالي فإن الحل لابد أن سيكون بالانفصال.
الذاكرة الجماعية غالباً ما تتحول إلى حصن مغلق، تدافع من داخله كل جماعة عن قصتها الخاصة.
من خلال هذه التفاصيل، والمعاني المستخلصة منها، لم تنتج الحرب مأساة برواية واحدة داخل الوعي السوري، بل مآسٍ تُروى بصيغ متعددة.
هنا تتقدم سردية تقول إن جماعة بكاملها دفعت ثمن العنف والدمار، وهناك سردية أخرى تنطلق من ذاكرة الخوف من الإبادة ومن شعور دائم بالتهديد. ومع مرور الوقت، أخذت كل رواية تبني لغتها الخاصة وتغلق أفقها أمام الرواية الأخرى، في ظل عجز السلطة الحالية عن تكريس مبادئ العدالة الانتقالية تجاه ضحايا النظام الأسدي، ومحاسبة المجرمين الذين قاموا بارتكاب مجازر الساحل والسويداء.
ومن هنا، يظهر السؤال الذي يثقل التفكير في مستقبل سوريا: كيف يمكن لمجتمع خرج من حرب طويلة أن يعيش مع ذاكرات متصادمة؟ وكيف يمكن قراءة هذه التجارب بحيث تصبح جزءاً من فهم أوسع للتاريخ، لا مادة إضافية لتجديد الصراع؟
التفكير والبحث عن إجابة على هذا السؤال يقود إلى تجربة فكرية ظهرت في سياق مختلف، حين أصدر الباحثان بشير بشير وعاموس غولدبيرغ كتاب “المحرقة والنكبة”. وكان الدافع وراء ذلك العمل التفكير في أكثر عقدتين حساسية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث: ذاكرة المحرقة في الوعي اليهودي، وذاكرة النكبة في الوعي الفلسطيني. كلا الحدثين يشكل مركزاً أخلاقياً في هوية جماعية واسعة، وكلاهما تحول عبر العقود إلى محور صراع سياسي وتاريخي.
المقاربة التي قدمها الكتاب سعت إلى فتح مساحة للتفكير في الذاكرتين معاً ضمن إطار تاريخي وأخلاقي واحد. حيث تقوم الفكرة على الاعتراف بوجود مأساتين كبيرتين تركتا أثرهما العميق في شعوب مختلفة، مع إبقاء الفوارق التاريخية والسياسية واضحة. مع التنبيه الملح إلى أن هذا التفكير لا يهدف إلى دمج الحدثين في قصة واحدة، بل إلى خلق مجال يسمح برؤية التجربتين داخل أفق إنساني أوسع.
تكمن أهمية هذه التجربة في الطريقة التي تتعامل بها مع الذاكرة. فالذاكرة الجماعية غالباً ما تتحول إلى حصن مغلق، تدافع من داخله كل جماعة عن قصتها الخاصة. في هذه الحالة، تتحول المأساة إلى لغة سياسية تعزز الانقسام وتعيد إنتاجه جيلاً بعد جيل. أما حين تُقرأ المآسي ضمن سياق تاريخي متشابك، يظهر خيار مختلف، يقوم على إمكانية الاعتراف بالجور والتعسف من دون أن يتحول إلى أداة لإلغاء ما تعرض له الآخرون.
حين يوضع السؤال السوري داخل هذا الأفق، يتكشف بعد إضافي للمشكلة. فالمجتمع في مرحلة ما بعد الحرب، يحمل بالفعل ذاكرات متعددة، بعضها يتحدث عن عنف وقع فعلاً، وبعضها يتحدث عن خوف عاشته جماعات كاملة طوال سنوات الصراع. هذه الطبقات المختلفة من التجربة تحتاج إلى قراءة تاريخية قادرة على تفكيكها وفهمها.
بناء ذاكرة مشتركة في مجتمع خرج من حرب أهلية لا يبدأ من الاتفاق الكامل حول الماضي. إذ إن التجارب البشرية أعقد من أن تُختزل في رواية واحدة. وما يمكن أن يظهر هو أفق يسمح بتجاور القصص المختلفة داخل وعي تاريخي أوسع. في هذا الأفق، تصبح مهمة الذاكرة البحث عن معنى لما جرى، لا تحويل الماضي إلى وقود دائم للنزاعات القادمة.
التحدي الحقيقي في الحالة السورية يتعلق بالانتقال من زمن السرديات المغلقة إلى زمن التفكير التاريخي. حين يحدث ذلك، يصبح الماضي موضوعاً للفهم بدلاً من أن يبقى أداة تعبئة. ومع مرور الوقت، قد يتكوّن داخل المجتمع تصور جديد للمأساة، تصور يرى تعدد التجارب التي مر بها السوريون خلال الحرب.
قد لا يكون الوصول إلى ذاكرة مشتركة مهمة سهلة وقريبة الحصول. غير أن التفكير في هذا الاحتمال يفتح باباً ضرورياً أمام المجتمع كي يرى تاريخه القريب بعيون أقل توتراً وأكثر قدرة على الفهم.
مثل هذا التحول يحتاج إلى شجاعة أخلاقية بقدر ما يحتاج إلى عمل فكري طويل. فالمجتمعات التي خرجت من حروب قاسية تبقى لفترة طويلة أسيرة للذاكرة المجروحة.
ومع ذلك، تظهر في لحظات معينة محاولات لقراءة الماضي بطريقة مختلفة، تسمح بإعادة ترتيب العلاقة بين الألم والتاريخ. هذه الشجاعة لا يمكن للجماعات أن تتحلى بها، دون سعي واضح ومتكرر من الأفراد إلى بناء مساحة مشتركة، قوامها الإقرار بوجود المآسي لدى الجميع، وأن دور النخب هو دفع الجمهور إلى “الالتفات إلى ألم الآخرين” وفق عنوان كتاب الناقدة الأميركية سوزان سونتاغ.
ربما تكمن أهمية التجربة التي اقترحها كتاب “المحرقة والنكبة” في أنها تذكّر بإمكانية التفكير في الذاكرة خارج منطق المنافسة بين الضحايا. وحين يوضع السؤال السوري في هذا الإطار، يبرز أفق تفكير جديد يتجلى في البحث عن طريقة لفهم المآسي المتعددة التي عاشها المجتمع، بحيث تتحول الذاكرة من ساحة مواجهة إلى مساحة للتأمل في معنى ما جرى.
في النهاية، قد لا يكون الوصول إلى ذاكرة مشتركة مهمة سهلة وقريبة الحصول. غير أن التفكير في هذا الاحتمال يفتح باباً ضرورياً أمام المجتمع كي يرى تاريخه القريب بعيون أقل توتراً وأكثر قدرة على الفهم. ومن داخل هذا الجهد البطيء قد تبدأ ملامح وعي جديد بالتشكل، معمدٍ بإدراك أن المستقبل يحتاج إلى قراءة هادئة للماضي، تعطي لكل مأساة مكانها داخل الصورة الكبرى للتجربة السورية.
- تلفزيون سوريا



























