أثارت الحشود العسكرية السورية على الحدود مع لبنان في الآونة الأخيرة تساؤلات بشأن دوافع هذه التحشيدات وما إذا كانت استعداداً لتدخل عسكري سوري ضد حزب الله.
وعلى الرغم من أن دمشق أكدت أن هذه التعزيزات تندرج في إطار حماية أمن الحدود مع لبنان ومنع انتشار الحرب الدائرة في المنطقة إلى داخل سوريا، إلا أن إعلان الرئيس أحمد الشرع دعمه لجهود الدولة اللبنانية في نزع سلاح حزب الله أعطى بعداً جديداً للموقف السوري الحالي في لبنان. لدى سوريا كثير من الأسباب القوية التي تدفعها إلى تبني مطلب نزع سلاح حزب الله. أولها أن حزب الله لم يتوقف منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد عن محاولات زعزعة الاستقرار الأمني في سوريا. وقد أعلنت دمشق في الأشهر الأخيرة عن توقيف العديد من الخلايا التي قالت إنها مرتبطة بحزب الله وسعت لتنفيذ عمليات إرهابية في الداخل السوري. وثانيها أن حزب الله يشكل حماية لكثير من قيادات وعناصر النظام المخلوع الذين فروا إلى لبنان بعد الإطاحة بالأسد. وثالثها وهو الأهم، هاجس سوريا من انزلاق لبنان إلى حرب أهلية مرة أخرى إذا ما اندلع صدام عسكري بين الدولة وحزب الله.
تتزايد قناعة واشنطن بأن العملية العسكرية الحالية التي تشنها إسرائيل في لبنان قد تؤدي إلى نتائج عكسية على صعيد تعزيز حالة حزب الله في الداخل بدلاً من إضعافها.
من منظور جيوسياسي، فإن الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران لا تقتصر على محاولة إسقاط النظام الإيراني في الداخل أو إضعافه، بل تمتد لتشمل إنهاء شبكة وكلائه في المنطقة بما في ذلك حزب الله. وحقيقة أن الدولة اللبنانية غير قادرة وحدها على نزع سلاح حزب الله وأن إسرائيل عاجزة أيضاً عن تحقيق هذا الهدف تظهر الدور المحتمل لسوريا بهذا الخصوص، خصوصاً أن التحول السوري نقل سوريا من دولة تقع في صلب محور الهلال الشيعي إلى دولة معادية لهذا المحور. وبالنظر إلى أهمية هذا التحول، فإن الولايات المتحدة لم تتردد في تعميق علاقتها الجديدة بدمشق. فهي تنظر إلى سوريا الآن على أنها دولة محورية في إضعاف شبكة الوكلاء الإيرانية في المنطقة. وقد ذكرت وكالة رويترز في تقرير في السابع عشر من الشهر الجاري أن الولايات المتحدة تشجع سوريا على التدخل العسكري ضد حزب الله في لبنان. وعلى الرغم من أن المبعوث الأميركي توم باراك سارع إلى نفي هذا التقرير، إلا أن المؤشرات على رغبة الولايات المتحدة في دور سوري في نزع سلاح حزب الله في تزايد.
فمن جانب، تتزايد قناعة واشنطن بأن العملية العسكرية الحالية التي تشنها إسرائيل في لبنان قد تؤدي إلى نتائج عكسية على صعيد تعزيز حالة حزب الله في الداخل بدلاً من إضعافها. ومن جانب آخر، يسود اعتقاد في واشنطن بأن صداماً مسلحاً بين الدولة اللبنانية وحزب الله قد يؤدي إلى انهيار ما تبقى من هذه الدولة وتفكيك المؤسسة العسكرية فيها. وعليه، فإن جهود نزع سلاح حزب الله تحتاج إلى انخراط خارجي لا يقتصر على إسرائيل. ويُعتقد في واشنطن كذلك أن الانقسام الداخلي العميق في لبنان حول سلاح حزب الله يساعد في تعزيز بيئة لبنانية مرحبة بتدخل سوري محتمل. مع ذلك، فإن لدى دمشق كثير من الأسباب القوية التي تجعلها حذرة في التدخل العسكري في لبنان في الوقت الحالي، خصوصاً في ظل الحرب الحالية. فمن جهة، قد يجلب مثل هذا التدخل مخاطر هائلة على سوريا إما لجهة انخراط وكلاء إيران في لبنان والعراق في تقويض الاستقرار الأمني في سوريا أو لجهة احتمال أن تقوم إيران بضم سوريا إلى قائمة أهداف الحرب الحالية. وحقيقة أن سوريا لا تمتلك منظومات دفاع جوي قادرة على صد هجمات إيرانية صاروخية محتملة عليها، تبرر هذا الحذر السوري.
إن مخاطر انزلاق لبنان إلى حرب أهلية جديدة تجلب كثيرا من التحديات السيئة لسوريا في هذه الفترة.
علاوة على ذلك، سيُفسر أي تدخل عسكري سوري في لبنان في الوقت الحالي على أنه تقاطع مع أهداف إسرائيل في نزع سلاح حزب الله. ومثل هذا التفسير سيُعزز من مساعي حزب الله وإيران لتفسير أي تدخل سوري على أنه جزء من الحرب الحالية على إيران وعلى وكلائها في المنطقة. من غير الواضح ما إذا كانت الدولة اللبنانية ترغب بالفعل في تدخل عسكري سوري ضد حزب الله، وهو أمر ضروري لتوفير غطاء لبناني رسمي لأي تدخل سوري، لكن لدى لبنان وسوريا تجربة سابقة بهذا الخصوص. فعندما تدخلت سوريا عسكرياً في لبنان في سبعينيات القرن الماضي للقضاء على الجماعات المسلحة اليسارية ولإخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، كان هذا التدخل بناء على طلب لبنان. ومن المرجح أن الولايات المتحدة تضغط في الوقت الحالي على الرئيس اللبناني جوزيف عون لتقديم طلب لسوريا بالتدخل العسكري ضد حزب الله.
وبمعزل عن الاعتبارات اللبنانية والأميركية والإسرائيلية تجاه أي دور سوري محتمل ضد حزب الله، يظهر أن سوريا حذرة للغاية في الانخراط العسكري في لبنان في هذه المرحلة للاعتبارات السالفة الذكر، لكن حماية نفسها من ارتدادات الحرب في المنطقة لا تقتصر في نهاية المطاف على تأمين حدودها مع لبنان. إن مخاطر انزلاق لبنان إلى حرب أهلية جديدة تجلب كثيرا من التحديات السيئة لسوريا في هذه الفترة. سيجد الرئيس أحمد الشرع صعوبة في الموازنة بين تجنب الانخراط الحالي في جهود نزع سلاح حزب الله، وبين الضغط الأميركي عليه للعب هذا الدور، وبين مخاطر انزلاق لبنان إلى حرب أهلية. بالنظر إلى القناعة المتزايدة في المجتمعين الإقليمي والدولي بأن عودة سوريا للعب دور في لبنان لا مفر منه لمنع انزلاقه إلى فوضى تهدد المنطقة بأسرها، فإن هذا الدور قد يتحول إلى أولوية بالنسبة لسوريا في لبنان في الفترة المقبلة. مع ذلك، فإن أي تدخل سوري محتمل في لبنان مرهون بتوفر مجموعة من العوامل التي لا تبدو متوفرة حتى الآن، على رأسها أن يخدم هذا التدخل مصالح سوريا أولاً ويحميها من تداعياته، وأن يكون توقيته سورياً ولبنانياً قبل أن يكون دولياً.
- تلفزيون سوريا



























