اعتبرت الإدارة الأميركية منذ اندلاع الهجمات أن الحرب ضد النظام الحاكم في إيران تأخرت 47 عاماً.
لم تكن حرب الثنائي الأميركي – الإسرائيلي ضد إيران مفاجئة. هي ليست مفاجئة للأميركيين والإسرائيليين ولا للإيرانيين، فمنذ أعوام يستعد الطرفان للصدام. أميركا ومنذ انسحابها من الاتفاق النووي وانقلاب الإيرانيين ضدها في العراق، استعدت لهذه اللحظة. وإسرائيل التي تحمّل إيران مسؤولية تنسيق سبع حروب وتنظيم “حلقة نار” حولها، وضعت إيران الخمينية في رأس جدول أعمالها. إيران من جهتها لم تُخْفِ عزمها على “إزالة إسرائيل” وطرد الأميركيين من “غرب آسيا”.
لم تقع الحرب صدفةً ويمكن الافتراض، على رغم فوضى التصريحات والتكهنات، أنه جرى الإعداد لها على مختلف المستويات في الدول الثلاث، على رغم تفاوت الأهداف والحصيلة المنتظرة منها.
اعتبرت الإدارة الأميركية منذ اندلاع الهجمات أن الحرب ضد النظام الحاكم في إيران تأخرت 47 عاماً. وكانت تلك إشارة إلى ما كدّسته الولايات المتحدة من تجارب مريرة مع ذلك النظام منذ احتجاز رهائن سفارتها بطهران في عام 1979 مروراً بتفجيرات بيروت في عام 1983 وسقوط مئات القتلى الأميركيين، وصولاً إلى هجمات العراق واستهداف العسكريين والرعايا الأميركيين في بلدان المنطقة. واعتبرت إسرائيل منذ زمن طويل أن إيران عدو يهدد بتدميرها ويبني حولها “حلقة نار” من منظمات وكيلة. ثم جاء “طوفان الأقصى” ليحدد أولويات جديدة للاستراتيجية الإسرائيلية، قوامها تدمير التهديدات المحاذية في فلسطين ولبنان وسوريا وصولاً إلى الرأس المدبر في طهران ومشروعه النووي.
ولم يكن التوصيف الإسرائيلي والأميركي للحالة الإيرانية بعيداً من التوصيف العربي والدولي لها. وعملت طهران وحرسها الثوري طوال عقود على تأسيس ونشر ميليشيات مذهبية مسلحة تابعة أو حليفة. نجحت في لبنان والعراق واليمن، حيث قسّمت المجتمعات وفتتها على أسس مذهبية، ووضعت يدها طويلاً على سوريا. ومنذ مطلع العقد الحالي انتقلت إلى ابتداع صيغة تحالف لتلك الميليشيات تحت اسم “محور المقاومة” الذي عليه خوض معارك إيران في ساحة موحدة، تبدأ في البحر المتوسط ولا تنتهي في الخليج العربي، وهدفها تعميق انقسامات البلدان العربية و”مقارعة” إسرائيل وإزعاج الحضور الأميركي، وصولاً إلى طرده من “غرب آسيا”، التي يعتبرها النظام الإيراني منطقة نفوذ خاصة به.
كان لا مفر من الصدام في النهاية، خصوصاً بعد تجربة إيران ومحورها في غزة، لكن المفاجأة التي كانت متوقعة جاءت في الاعتداءات الإيرانية الكثيفة على دول الجوار العربية في مجلس التعاون الخليجي، وكأن هذه الدول باتت جزءاً من أهداف “المحور”. وعلى رغم ادعاء إيران أنها تستهدف قواعد أميركية، فإنها صبت حقدها الانتقامي على المطارات والمرافق المدنية والشركات العاملة بحجة أنها شركات أميركية، أو أن للمؤسسات الأميركية حصصاً فيها. جاءت هذه الحرب الإيرانية ضد الدول العربية في الخليج، على رغم السياسة المسؤولة التي اتبعتها تلك الدول في رفض الحرب والدعوة إلى الحوار والتسويات السلمية، لتكشف عن دوافع إيرانية عميقة من الغيرة والتنافس والأطماع، وقرار سياسي بمحاولة استعمال هذه الدول رهائن حرب للضغط على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي، بهدف وقف الحرب ضدها وإنقاذ نظامها المعزول.
في رسالته الأولى بعد تعيينه خلفاً لوالده، كشف المرشد مجتبى خامنئي توجهاته تجاه دول الجوار في تثبيت لتوجهات والده الذي بشّر سلفاً بالحرب الإقليمية. وفي رسالته الثانية، أكد مجتبى خامنئي مواصلة النهج عينه في التعامل مع دول الخليج بوصفها قواعد ومصالح أميركية، وليست دولاً وشعوباً عربية سيّدة حرة ومستقلة.
في تلك الرسالة بمناسبة عيد النوروز يكرر خامنئي الحديث عن “عنصر الجوار” و”عناصر معنوية أخرى، في مقدمتها الاشتراك في التدين بالدين الإسلامي الحنيف، وكذلك وجود المراقد المشرفة والأماكن المقدسة في بعضها، ووجود إيرانيين كثيرين كمقيمين وعاملين في بعضها الآخر، والقومية المشتركة أو توحد اللغة أو المصالح الاستراتيجية المشتركة بخاصة تجاه جبهة الاستكبار في بعضها الآخر، وكل منها بمفرده يمكن أن يعزز العلاقات الحسنة”. كان في هذه التعابير عناصر تقرّب جديدة سيختصرها في إشارة تقرّب، بخاصة إلى كل من باكستان وتركيا وعُمان، “نعتبر جيراننا الشرقيين قريبين جداً منا. كنت أعلم منذ زمن بعيد أن باكستان كانت محل اهتمام خاص لقائدنا الشهيد”، يقول المرشد الجديد مضيفاً: “أود أن أطلب من البلدين الشقيقين، أفغانستان وباكستان، أن يقيما علاقات أفضل فيما بينهما لوجه الله، ولئلا تنكسر عصا المسلمين”.
حاول مجتبى أيضاً أن يميّز سلطنة عُمان وتركيا عن دول الجوار الأخرى. وقال في ذلك إن “الهجمات التي وقعت في تركيا وعمان، وكلاهما تربطنا بهما علاقات جيدة، ضد بعض المناطق في هذين البلدين، لم تأتِ بأي حال من الأحوال من قبل القوات المسلحة للجمهورية الإيرانية وسائر قوى جبهة المقاومة. إنها خدعة من العدو الصهيوني”.
ليست المرة الأولى تحاول إيران إخفاء مسؤولياتها عن هجمات طالت مصالح خليجية، أو عن إطلاق صواريخ نحو تركيا وأذربيجان، واتهام “العدو” بافتعال الاستفزاز، لكن الأمر أصبح مكشوفاً جداً وعلنياً والتهديدات الإيرانية الصريحة تتزايد مع تفاقم الحرب الأميركية – الإسرائيلية – الإيرانية.
حدد خامنئي في إطلالته المكتوبة الأولى أهدافه في الدول المحيطة. وجه خطابه إلى “قادة وبعض المستويات المؤثرة في عدد من دول المنطقة”، قائلاً “نحن نتقاسم حدوداً برية أو بحرية مع 15 بلداً، وقد كنا دائماً وما زلنا حريصين على إقامة علاقات ودية وبنّاءة مع جميع هذه الدول. غير أن العدو عمد منذ أعوام على إنشاء قواعد عسكرية ومالية في بعض هذه البلدان بهدف ترسيخ هيمنته على المنطقة.
وخلال الهجوم الأخير، استُخدمت بعض هذه القواعد العسكرية، لذلك قمنا – كما حذّرنا صراحة من قبل – باستهداف تلك القواعد فقط، من دون التعرض لتلك الدول نفسها. ومن الآن فصاعداً سنضطر إلى مواصلة هذا النهج، على رغم تمسكنا بضرورة الحفاظ على علاقات الصداقة مع جيراننا. وعلى هذه الدول أن تحدد موقفها بوضوح من المعتدين على وطننا العزيز ومن قتلة أبناء شعبنا. وأنصحها بإغلاق تلك القواعد في أقرب وقت ممكن، إذ من المفترض أنها أدركت حتى الآن أن ادعاءات أميركا بشأن إرساء الأمن والسلام لم تكن سوى أكاذيب”.
ولم يحمل البيان الثاني تغييرات جوهرية في النظرة إلى الدول العربية المجاورة التي يصر النظام على اعتبارها أهدافاً مشروعة. قبل بيانه ذاك كان علي لاريجاني، في رسالته الأخيرة قبل اغتياله، قد أبدى عتبه أن دولة إسلامية واحدة لم تقف إلى جانب إيران في حربها. ثم جاء قرار مجلس الأمن وبعده موقف اجتماع وزراء الخارجية لعدد من الدول العربية، إضافة لممثلي تركيا وباكستان وأذربيجان، ليدين الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية والمجاورة، فيزيد في حرج طهران ويدفعها إلى محاولة التمييز وإحداث خروق في الجبهة السياسية التي قامت ضد سياستها العدوانية، لذلك كان هذا الحديث الودي تجاه عُمان وباكستان، وهما بلدان تعرضا لهجمات خلال الصراع الحالي في ميناءي الدقم وصلالة (عُمان) وإلى هجمة صاروخية في وقت سابق (باكستان).
“عليّ وعلى أعدائي”، جملة تختصر سياسة إيران في الوقت الراهن. ومع تصاعد المعركة بينها وبين إسرائيل وأميركا، لنا أن نتوقع مزيداً من الأخطار التي لا يمكن مواجهتها إلا بتمتين الجبهة العربية الخليجية، التي تتمتع وحدها في الظروف الراهنة بدعم عالمي مستند إلى القوانين والشرائع الدولية، وبتمسك مواطنيها في حقهم بالسيادة والتنمية والازدهار، وكذلك بحقهم المشروع في الدفاع عن أوطانهم.
- إندبندنت



























