بغضّ النظر عن الطريقة التي ستنتهي بها الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، على أهمية هذا، بهدنة تمهّد لجولة جديدة من القتال، كما يرجو رئيس الوزراء الإسرائيلي، نتنياهو، أم باتفاق شامل، يعيد إيران إلى المعسكر الأميركي، كما يشتهي الرئيس ترامب، أم بإقرار أميركي – إسرائيلي بدور إقليمي لإيران، كما تأمل طهران، فقد تركت هذه الحرب بالفعل تداعيات هائلة على المنطقة، اختبرت تحالفاتها، وقلبت موازين القوى فيها، وامتدّ تأثيرها إلى بقية العالم، الذي راح يئن تحت وقع ارتفاع أسعار الطاقة، بعد إغلاق مضيق هرمز، واحتدام الصراع الجيوسياسي لرسم مستقبل المنطقة، ومعه شكل النظام الدولي.
لنلقي أولاً نظرة على وضع أطراف الصراع المباشرين الثلاثة في ضوء نتائج الحرب، ونبدأ من إيران التي فاجأت خصومها وحلفاءها بقدرتها على الصمود والاستمرار، رغم الضربات الكبيرة التي تعرّضت لها، بدءاً بالقضاء على قيادتيها السياسية والعسكرية، وصولاً إلى التدمير الهائل الذي طاول قاعدتها الصناعية العسكرية. مع ذلك، سوف تخرج إيران مهشّمة من هذه الحرب، التي ظلت تتفادها خمسة عقود، مع الولايات المتحدة. وهنا أمامنا احتمالان، بناء على شكل الاتفاق الذي سينهي الحرب: الأول، أن تحافظ إيران على تموضعها الحالي، خارج المظلّة الأميركية، بقيادة عسكرية ذات رؤية قومية متشددة، تنكفئ على نفسها، وسط عزلة إقليمية ودولية تشبه التي أعقبت نهاية الحرب مع العراق، تبقيها في حالة ضعف واستنزاف، يزيدها سوءاً اندلاع ثورات، واحتجاجات، وحركات تمرّد، توصلها في نهاية المطاف إلى الانهيار. الثاني، أن تتوصل إيران إلى اتفاق يحل كل القضايا العالقة مع واشنطن ويفتح الباب أمام تعاون، بما فيه في مجال الطاقة، ويؤدّي على المدى البعيد إلى إعادة تموضع إيراني. في هذه الحالة، سوف تتمكّن إيران من التعافي سريعاً، ومن إعادة بناء قدراتها، إنما بالتنسيق، والتعاون، مع واشنطن، هذه المرّة، وهو ما يريده ترامب وبعض النخب “البراغماتية” الإيرانية، بمن فيهم الرئيس مسعود بزشكيان، المدعوم من تيار الرئيس الأسبق حسن روحاني ووزير خارجيته جواد ظريف. في الحالتين (غياب إيران عن المشهد الإقليمي أو عودتها السريعة) سوف تكون لها تداعيات هائلة على المنطقة.
أما إسرائيل، التي تعمل، منذ “طوفان الأقصى”، على تغيير شكل المنطقة، كما يقول رئيس وزرائها، فقد نجحت بالتأكيد في إلحاق أضرار بالغة ببرنامجي إيران النووي والصاروخي، وقاعدتها الصناعية العسكرية، وبنيتها التحتية المدنية، لكن نجاحها الأكبر يتمثل في جر الولايات المتحدة إلى حرب مع إيران، لتقضي بذلك على طموح خصم إقليمي آخر، بعد العراق وسورية، لكن إسرائيل تبقى عاجزة عن تحويل تفوقها العسكري إلى إنجازات سياسية، فهي لم تتمكّن حتى الساعة من فرض الاستسلام على أي من خصومها عبر اتفاقات سياسية سواء في غزّة أو لبنان أو سورية، أو اليمن، دع جانباً إيران. فوق ذلك، بدأت إسرائيل تبدو عبئاً كبيراً على الغرب. ورغم أن هذا الإحساس يبدو أوضح على مستوى الرأي العام حاليّاً، إلا أنه لن يلبث أن يجد طريقه إلى دوائر السياسة في الغرب، بعد أن تسبّبت إسرائيل في حرب توشك أن تفجر أزمة اقتصادية كبرى في العالم. فوق هذا، يرجّح أن تؤدي نتائج الحرب على إيران إلى جر دول أخرى لتصبح في حال تماسّ مع إسرائيل وأهم المرشحين هنا تركيا وباكستان.
أميركياً، رغم القدرات العسكرية الهائلة التي أظهرتها الولايات المتحدة، أبرزت الحرب على إيران محدودية القوة في تحقيق الأهداف السياسية، إذ لم تستطع إدارة ترامب، رغم كل الأدوات العسكرية التي استخدمتها، كسر إرادة خصم عنيد، مصمّم على عدم الاستسلام، رغم الخسائر الفادحة التي تلحق به. لا شك أن موازين القوى تعطي أفضلية كبيرة للولايات المتحدة في تحديد النتيجة، لكن الحرب كشفت، مع ذلك، عن نقاط ضعف عديدة لدى القوة الأعظم، في مقدّمتها محدودية الموارد، على سعتها، وفوضى القيادة السياسية، وعدم التناغم بين الأداء العسكري في الميدان والقدرة على التوظيف السياسي، مع بروز احتمال، ولو ضعيف، بأن تتحوّل إيران إلى أوكرانيا أميركية. بعيداً عن الأطراف المباشرة للحرب، يبرُز الخليج إقليمياً باعتباره المتضرّر الأكبر منها، فيما تبدت هامشية أدوار مصر وسورية فيها، خلاف ما حصل في حرب الخليج الثانية (1991)، فيما تتفاوت التداعيات، القريبة والبعيدة المدى، بالنسبة لروسيا والصين والهند وأوروبا، بحسب النتيجة النهائية للحرب.
- العربي الجديد


























