يُعاد تشكيل سوريا ضمن هندسة الحرب الإقليمية بوصفها عقدة مركزية لإدارة التدفقات العابرة للحدود، حيث تتحول وظيفتها من جغرافيا مستهلكة للصراع طوال 14 عاماً، تداخلت فيها أنماط الحروب (برية وبحرية وجوية وهجينة وسيبرانية) وتدخلت في إدارتها أجهزة مخابرات وغرف عمليات عسكرية مشتركة داخلية وخارجية، إلى جهاز تصفية يحدد مسارات الحركة العسكرية واللوجستية والسياسية؛ ويعيد توزيعها وفق معايير جديدة تُفرض من خلال مزيج من الضغط العسكري والهندسة السياسية لا سيما بعد تعيين توم باراك مسؤولاً عن ملف كل من سوريا ولبنان والعراق؛ وهو الأمر الذي يضع الدولة السورية داخل موقع وسيط قسري بين شبكات متصارعة تسعى جميعها لاستخدام الجغرافيا السورية من دون السماح لها باستعادة استقلالها الكامل.
يتجسد الضغط الأميركي والإسرائيلي على سوريا منذ بداية تسلم الرئيس أحمد الشرع السلطة في سوريا، لتنظيف الجيوب الجنوبية من أي نشاطات مرتبطة بإيران وحزب الله، لا سيما خلال عمليات مداهمة على فترات في عام 2025، وصولاً إلى الحرب الأخيرة ضد إيران منذ 28 شباط/ فبراير 2026، بالرغبة الواضحة لجعل سوريا ممراً لعمليات عسكرية ضد أي وجود إيراني في المنطقة، وضد خلايا إيران بدءاً من المليشيات الصغيرة و الخلايا النائمة في سوريا وصولاً إلى مقاتلي حزب الله في لبنان؛ ضمن عملية إعادة برمجة لوظيفة الدولة نفسها، حيث يستهدف هذا الضغط تفكيك دور سوريا كجسر يربط إيران بالعراق ولبنان، وإعادة بنائها كمرشح أمني يقوم بفرز هذه التدفقات وإبطائها وإخضاعها لمنطق السيطرة. يعني هذا عملياً تحويل سوريا إلى طبقة عازلة داخل النظام الإقليمي الجديد، تعمل على تقليل كثافة الترابط بين مكونات “محور المقاومة”، وتعيد توزيع زمن الحركة والقدرة العملياتية لهذه الشبكات.
يتجاوز هذا التحول حدود الحرب المباشرة ليصل إلى إعادة تعريف معنى السيادة السورية ذاتها، حيث تصبح قدرة الدولة على التحكم بالتدفقات الأمنية والعسكرية هي المؤشر الحقيقي لسيادتها، لا مجرد السيطرة على الأرض، مما يضعها أمام اختبار دائم بين الحفاظ على دورها كممر استراتيجي متعدد الاستخدامات، أو التحول إلى جهاز ضبط حدودي يعيد تشكيل البيئة العملياتية للمنطقة بأكملها؛ خصوصاً بعد نشر كتائب من الجيش السوري على الحدود الغربية مع لبنان في مناطق الجرود و المرتفعات.
قلب مفهوم العمق الاستراتيجي
تعيد إسرائيل في هذا المسار صياغة مفهوم العمق الاستراتيجي من خلال نقل المعركة من حدودها المباشرة إلى داخل الجغرافيا السورية، لا سيما بعد الضربات الأخيرة التي وجهتها نحو قطع عسكرية في منطقة إزرع بريف درعا، بحجة دعم دروز السويداء، حيث تعمل على تفريغ هذه الجغرافيا من القدرة على إنتاج التهديد عبر الزمن، وليس فقط إزالة التهديدات القائمة، وهذا ما يحول الجنوب السوري إلى فضاء مُفرّغ من شروط التراكم العسكري، ومُعاد ضبطه ليبقى في حالة انكشاف دائم أمام الرقابة والاستهداف.
يأخذ نزع السلاح في هذا السياق معنىً أكثر تعقيداً، حيث يمتد ليشمل تدمير البنية التحتية التي تسمح بإعادة إنتاج القوة، بما في ذلك شبكات الإمداد، ومراكز القيادة، وآليات التنسيق العابر للحدود، وهو ما يؤدي إلى خلق بيئة عسكرية لا تحتمل إعادة التشكل، حتى في حال تغيّر الظروف السياسية أو تراجع الضغوط الخارجية. ظهر هذا بالفعل بعد سقوط نظام الأسد بأسابيع قليلة حيث نفذت تل أبيب غارات دمرت البنية العسكرية الثقيلة للجيش السوري في عدة محافظات، أهمها حمص واللاذقية وريف دمشق ، وضرب وزارة الدفاع في 2025.
يدفع الضغط الإسرائيلي سوريا إلى أداء وظيفة دفاع أمامي غير معلن، حيث تتحول الأراضي السورية إلى حزام امتصاص للصدمات، يعطل أي محاولة للاقتراب من الحدود الإسرائيلية، ويحول التهديدات المحتملة إلى عمليات استنزاف داخل العمق السوري نفسه، ما يعيد تعريف العلاقة بين الجغرافيا والسيادة بحيث تصبح الأرض أداة في خدمة أمن طرف خارجي دون الحاجة إلى اتفاق رسمي.
إعادة برمجة الهوية الاستراتيجية
في الوقت ذاته، تعمل الولايات المتحدة على إعادة تشكيل الإدراك السوري لمصالحه الاستراتيجية عبر مسار طويل يقوم على إعادة تعريف مصادر التهديد، وإعادة ترتيب أولويات الأمن القومي، بحيث تنتقل سوريا تدريجياً من منطق التحالفات الأيديولوجية التي أسّس لها نظام الأسد، إلى منطق الدولة المُدارة التي تضبط حدودها وتراقب الفاعلين غير الحكوميين ضمن أراضيها، وفي محيطها أيضاً.
تستخدم واشنطن لهذا المسار مزيجاً متدرجاً من الأدوات يشمل تخفيف الضغوط الاقتصادية (كإزالة قانون قيصر، وعودة نظام سويفت)، والانخراط السياسي، وفتح قنوات الاعتراف الدولي، مقابل ترسيخ توقعات سلوكية جديدة تفرض على دمشق إعادة تعريف علاقتها بحزب الله والشبكات المرتبطة بإيران سواء داخلياً او إقليمياً، وهو ما يحول السياسة الأمنية السورية إلى ساحة تفاوض مستمر بين الحاجة للاندماج الدولي ومتطلبات البقاء الداخلي. وبالتالي، ينتج عن هذا المسار بناء عقيدة أمنية جديدة تقوم على فكرة الدولة الحارسة للحدود، التي تركز على ضبط المجال الجغرافي أكثر من استخدامه كمنصة نفوذ، وهو ما يؤدي إلى إعادة تشكيل الدور الإقليمي لسوريا من فاعل شبكي إلى فاعل تنظيمي يخضع لقواعد النظام الدولي أكثر مما يؤثر فيه.
حزب الله كفاعل مُزعزع للنظام
بالنسبة لسوريا، يمثل حزب الله _و هو الجماعة المسلحة غير الحكومية رقم واحد على مستوى العالم سواء من حيث التسليح أو الهرم الإداري أو العقيدة القتالية_ بنية عابرة للجغرافيا تعمل على تعطيل أي محاولة لإعادة تنظيم الإقليم ضمن حدود ثابتة، حيث يقوم بدور الوصلة التي تربط مسارح العمليات المختلفة ضمن فضاء استراتيجي واحد، ويمنح إيران القدرة على تجاوز القيود الجغرافية عبر شبكة من العلاقات العسكرية واللوجستية المتداخلة. تظهر خطورة هذا النموذج بالنسبة لسوريا في قدرته على الحفاظ على الاستمرارية العملياتية بالرغم من التفكك الجغرافي، حيث يخلق مسارات بديلة ويعيد إنتاج نفسه ضمن بيئات متعددة، ما يجعله عنصراً مقلقاً لأي مشروع يسعى إلى فرض حدود صلبة بين مناطق النفوذ.
يتحول الضغط على سوريا في هذا السياق إلى محاولة لإغلاق هذه الفجوة الأمنية، حيث يُطلب من دمشق أن تتحول من بيئة حاضنة إلى بيئة مُعطِّلة وبيئة ضاربة وطاردة، وهو ما يضعها في مواجهة مباشرة مع وظيفة تاريخية قامت على احتضان هذه الشبكات وإدارتها، ويعيد تعريف موقعها داخل معادلة الصراع كعائق أمام الاستمرارية الإيرانية في المنطقة.
تدخل سوريا هنا في عملية تفاوض مستمرة تسعى من خلالها إلى تعظيم قدرتها على اتخاذ القرار، مقابل قبولها بأدوار وظيفية محددة داخل النظام الإقليمي، حيث تتحول السيادة إلى مفهوم مرن يُعاد تعريفه من خلال القدرة على المناورة داخل القيود المفروضة.
تفرض القوى الخارجية نموذجاً يقوم على سيادة مشروطة، حيث تحتفظ الدولة بمظهر السيطرة، بينما تُقيد خياراتها في المجالات الحيوية مثل الانتشار العسكري والعلاقات الإقليمية، وهو ما يحول الاستقلال السياسي إلى مساحة تفاوضية أكثر منه حالة مطلقة. وبالتالي، تعتمد دمشق على استراتيجية إدارة الحد الأدنى من الالتزامات، حيث تقدم مستويات محسوبة من التعاون في ملفات مثل ضبط الحدود والاستقرار الأمني، مع الحفاظ على هامش مناورة يسمح لها بتجنب الانخراط الكامل في منظومة أمنية مصممة خارجياً، وهذا ما يجعل سلوكها أقرب إلى التوازن الحذر بين الامتثال والمقاومة.
جنوب سوريا من جديد
يتحول جنوب سوريا إلى نقطة ارتكاز فائقة الحساسية تُعاد عبرها صياغة شكل التعاون الأمني المستقبلي (إن وجد)، حيث تتقاطع فوق هذه الجغرافيا الضيقة طبقات متراكبة من المصالح الأمنية الإسرائيلية، والهندسة الاستراتيجية الأميركية، والاحتياجات اللوجستية لحزب الله، والطموحات السيادية السورية، إلى جانب البنية الاجتماعية المحلية المعقدة وعلى رأسها الثقل الدرزي في السويداء وجبل العرب، وهو ما يحول المنطقة إلى مساحة اختبار كثيفة تُضغط فيها التوازنات إلى أقصى حدودها وتُعاد صياغتها تحت إيقاع الضربات العسكرية المتكررة.
تدفع إسرائيل بهذا الجنوب إلى مركز عقيدتها الأمنية الجديدة عبر تصعيد عملياتي متواصل يستهدف مواقع القوات النظامية السورية والبنى المرتبطة بها، في سياق عملية تحمل دلالات رمزية عميقة مثل “زئير الأسد” ضد إيران ومحاولات جرّ سوريا إلى مستنقعها، حيث يتجاوز الاسم البعد العسكري ليحمل إيحاءً عقائدياً يرتبط بإعادة تشكيل الأرض وفق تصور أمني-ديني يرى في هذه الجغرافيا امتداداً إلى الفرات يجب إخضاعه وإفراغه من أي إمكانية لتراكم قوة عسكرية، بحيث يتحول الجنوب إلى فضاء منزوع القدرة على إعادة الإنتاج العسكري، ومفتوح دائماً للاختراق والمراقبة والاستهداف.
يتجسد هذا المسار في نمط ضربات محسوبة تستهدف إعادة ضبط البيئة العملياتية وليس فقط تحييد تهديدات آنية، حيث تُضرب مراكز القيادة العسكرية السورية، ومستودعات السلاح، بشكل متكرر يخلق حالة إنهاك دائم للقوات النظامية السورية، ويمنعها من تثبيت بنية عسكرية مستقرة أو إعادة تنظيم انتشارها، الأمر الذي يدفع هذه القوات إلى حالة استنزاف مستمر، ويُبقيها في وضعية رد الفعل بدل المبادرة.
يتداخل هذا الضغط مع تعقيدات الداخل المحلي، حيث يشكّل الدروز عاملاً حاسماً في معادلة الجنوب، إذ تتحرك هذه الكتلة الاجتماعية ضمن منطق حماية ذاتية وحماية خارجية يوازن بين رفض الانخراط الكامل في صراعات إقليمية مفتوحة، والحفاظ على خصوصية أمنية محلية، ما يخلق منطقة رمادية تستفيد منها القوى الخارجية لإعادة ترتيب التوازنات دون الدخول في مواجهة شاملة، ويضع دمشق أمام معضلة مركبة تتعلق بكيفية فرض السيطرة دون تفجير البنية الاجتماعية الحساسة.
تُفاقم أزمة المقاتلين من تعقيد المشهد، حيث تواجه القوات النظامية نقصاً في القدرة البشرية الفعالة نتيجة سنوات الحرب والاستنزاف، وتراجع الحوافز، وتفكك الهيكلية القتالية التقليدية، مقابل بيئة جنوبية مشبعة بالسلاح والخبرات القتالية المتراكمة خارج الأطر النظامية (ألوية الفرقان التي لم تتفكك ، قوات أحمد العودة التي ما تزال بين اخذ ورد في الاندماج، الجماعة الإسلامية، إلخ..)، ما يؤدي إلى خلل واضح في القدرة على فرض السيطرة الصلبة، ويجعل أي انتشار عسكري عرضة للاختراق أو التفكك أو الاحتواء المحلي.
هنا، تتحول السيطرة على الجنوب إلى عملية مستحيلة التعريف ضمن منطق تقليدي، حيث تسعى إسرائيل إلى تثبيت بيئة أمنية خالية من التهديد عبر التفريغ المستمر، ويعمل حزب الله على الحفاظ على قنوات مرنة قابلة لإعادة التفعيل وفق مسا ديني وعقائدي، وتدفع الولايات المتحدة نحو نموذج أمني يُدار عبر الضبط والاحتواء، بينما تحاول سوريا استعادة معنى السيطرة ضمن شروط تتآكل فيها أدوات القوة التقليدية.
تنتج عن هذه التفاعلات جغرافيا مضطربة تتحرك كمولد دائم لإعادة تشكيل ميزان القوى في سوريا ولبنان، حيث يؤدي أي تغير موضعي في الجنوب إلى ارتدادات إقليمية تتجاوز حدوده المباشرة، مما يجعل هذه المنطقة ساحة اختبار قاسية لقدرة أي نظام إقليمي ناشئ على فرض قواعد مستقرة، ويضعها في موقع القلب الذي تُعاد عبره كتابة معادلة القوة في المنطقة.
تعتمد سوريا على استراتيجية غموض محسوب، إذ لم تصرح علناً عن موقفها من الحرب، تتيح لها الحفاظ على أكبر قدر ممكن من المرونة والحسابات، حيث تدير تفاعلاتها مع الأطراف المختلفة بطريقة تسمح لها بالاستفادة من الجميع دون الانخراط الكامل مع أي طرف، وهذا ما يمنحها مساحة حركة ضمن بيئة شديدة التعقيد.
يقود الانخراط المباشر في الحرب إلى ضغط متعدد المستويات يشمل تهديدات عسكرية مباشرة، واحتمالات تصعيد إقليمي واسع، وضغوط داخلية ناتجة عن هشاشة البنية المؤسسية والتوترات الاجتماعية والهشاشة الاقتصادية وضعف القدرة على اتخاذ قرار الحرب والاستمرار به في ظل غياب إدارة عسكرية ناضجة تدير الحرب مع دول، وهو ما يجعل إدارة التوازنات أكثر أهمية من تحقيق مكاسب سريعة. تحوّل دمشق هذا الغموض إلى أداة سياسية ودبلوماسية نشطة، حيث تستخدمه لتأجيل القرارات الحاسمة، وإعادة تقييم موقعها مع تغير المعطيات، وتوزيع المخاطر على عدة مسارات، مما يسمح لها بالبقاء ضمن حالة توازن ديناميكي يمنع انزلاقها إلى صدام شامل.
تتجسد هذه الاستراتيجية في مجموعة وظائف عملية تشمل ضبط الحدود، وتقليص نشاط الفاعلين غير الحكوميين ضمن حدود محسوبة، والحفاظ على مستوى معين من الاعتماد الخارجي يضمن استمرار الدعم دون فقدان كامل للقدرة على المناورة، وهو ما يعيد تعريف الدولة السورية ككيان يعمل ضمن قيود هيكلية لكنه يحتفظ بهامش سيادي قابل للتوسع.
مسارات التعاطي مع الحرب في الشرق الأوسط
يتحرك المشهد السوري ضمن مصفوفة متشابكة من المسارات التي تعيد تشكيل الدولة ووظيفتها في وقت واحد، حيث يتقدم مسار الاندماج المُدار تحت ضغط دولي وإقليمي كثيف، ويتكثف مسار السيادة المجزأة بفعل التدخلات الميدانية المتراكمة، ويظل مسار التصعيد المنفلت كامناً كاحتمال مادي حاضر، بينما يتبلور بالتوازي مسار إعادة التموضع السوري داخل بيئة أمنية و عسكرية خليجية آخذة في الترسخ أمام الهجمات و الاعتداءات الإيرانية، ما يجعل هذه المسارات تتداخل كطبقات ديناميكية تعيد إنتاج موقع سوريا الإقليمي من الداخل والخارج معاً.
يتجسد مسار الاندماج المُدار في إعادة إدخال سوريا تدريجياً ضمن بنية النظام الإقليمي الجديد، عبر تعزيز أدوات ضبط الحدود، وإعادة تعريف العلاقة مع الشبكات العابرة للحدود، وقبول ترتيبات أمنية غير معلنة في مناطق حساسة، ضمن معادلة تقوم على مقايضة الاستقرار بالاعتراف الدولي، وهو ما يقود إلى نموذج دولة مستقرة وظيفياً تعمل ضمن سقف أمني مرسوم خارجياً يحدد مجال حركتها ويعيد ترتيب أولوياتها الاستراتيجية.
يندمج هذا المسار مع بعد خليجي متصاعد يعيد توجيه السلوك السوري نحو اعتبار استقرار الخليج جزءاً من استقرارها الذاتي، حيث تتبنى دمشق مقاربة عملية تقوم على دعم أمن دول الخليج ولا سيما الدوحة والرياض، في مواجهة الهجمات والاعتداءات الإيرانية، وتعمل على ضبط الجغرافيا السورية بما يمنع استخدامها كممر أو منصة لأي تهديد عابر للحدود، وهو ما ينعكس في إعادة تنظيم العلاقة مع الفاعلين غير الحكوميين ضمن معايير أكثر انضباطاً، وتعزيز أنماط تنسيق أمني تساهم في تقليص قدرة الشبكات المرتبطة بإيران على توظيف الساحة السورية ضمن استراتيجياتها الإقليمية.
في المقابل، يتعمق مسار السيادة المجزأة مع ترسخ أنماط تدخل أمني شبه مؤسسية، خصوصاً في الجنوب السوري، حيث تحتفظ الدولة بمظهر السيادة الرسمي بينما تتراجع قدرتها الفعلية على التحكم في بعض الجغرافيا، وتتكون بنية حكم مركبة تتداخل فيها السلطات المحلية مع الضغوط الخارجية، ما يحول الدولة إلى إطار إداري يعمل ضمن توازنات دقيقة أكثر من كونه فاعلاً سيادياً كاملاً.
يتغذى هذا الواقع على اختلالات ميدانية واضحة تشمل استنزاف القوات النظامية، وأزمة المقاتلين، وتضخم الفاعلين المحليين، وتآكل البنية العسكرية التقليدية، ما يجعل إعادة فرض السيطرة المركزية عملية معقدة ترتبط بإدارة التوازنات المحلية بقدر ارتباطها بالقرار السيادي، ويحول الجغرافيا إلى مساحة تفاوض مستمر بين القوى المختلفة.
بالتوازي، يظل مسار التصعيد قائماً كإمكانية مفتوحة ترتبط بحساسية التوازنات القائمة، حيث يمكن لأي حادث ميداني أو خلل في حسابات الردع أن يدفع نحو مواجهة أوسع تعيد تفجير الساحة السورية، وتفتح المجال أمام تدخلات إقليمية ودولية أعمق، بما يعيد إنتاج سوريا كمسرح مركزي للصراع.
ضمن هذا التداخل، يتشكل الواقع السوري كخليط مركب من اندماج جزئي في النظام الإقليمي، وتموضع متقدم داخل بيئة أمنية خليجية، وضغوط مستمرة على السيادة، واحتمال دائم للتصعيد، وهذا ما يدفع الدولة إلى العمل ضمن حالة سيولة استراتيجية تُدار فيها الأولويات وفق منطق حماية الاستقرار الإقليمي وفي مقدمته أمن الخليج.
يمنح هذا التموضع سوريا فرصة لإعادة تعريف دورها الإقليمي كفاعل مسؤول يساهم في حماية الممرات الحيوية، ويحد من امتداد التهديدات، ويشارك في بناء بيئة ردع أكثر تماسكاً، ما يفتح أمامها مساراً لإعادة إنتاج وزنها السياسي ضمن معادلة إقليمية تقوم على الاستقرار والانضباط الأمني بدلاً من الفوضى المفتوحة.


























