تكرر في الآونة الأخيرة صدور قرارات وتعاميم ومراسيم ذات طابع تشريعي تخالف نصوص الإعلان الدستوري، التي خصّت المجلس التشريعي وحده بسلطة التشريع. وأصبحت هذه الممارسات نهجاً متصاعداً يعيد رسم علاقة الدولة بالمجتمع على أسس دينية وهويّاتية، ويضع الحريات العامة والخاصة تحت ضغط وصاية إدارية متزايدة، ويقوّض مبدأ الفصل بين السلطات.
آخر هذه المخالفات كان قرار محافظ دمشق، الذي أعاد طرح السؤال حول حدود السلطة التنفيذية وموقع الحريات العامة في ظل هذا النهج. هذا القرار لم يكن سوى حلقة في مسار متصاعد تتبعه السلطة التنفيذية بمستوياتها المختلفة، فقبل دمشق أصدر محافظ اللاذقية قراراً يتدخل في مظهر المرأة ومكياجها، ومحافظ حماة فرض قيوداً على النشاطات المدنية وربطها بموافقته الشخصية، وتعيينات قضائية مخالفة للقانون، وتدخل مجلس القضاء في مسائل خارجة عن اختصاصه بتحديد نسب العجز والوفاة، ومرسوم العفو الذي أصدره الرئيس خارج صلاحياته. كل هذه القرارات والمراسيم تشترك في أمرين:
أولاً، مخالفة نصوص الإعلان الدستوري التي حصرت سلطة التشريع بالجهة التشريعية وحدها.
ثانيًا، تحويل الإدارة إلى سلطة وصاية تُصدر قواعد وتفرض قيوداً على المجتمع خارج أي سند دستوري أو تشريعي، وبما يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع وفق اعتبارات دينية وهويّاتية لا وفق مبدأ المواطنة المتساوية.
قرار المحافظ: من تنظيم النشاط إلى إعادة تشكيل المجال العام
بالعودة إلى قرار محافظ دمشق رقم 311 وتوضيحه اللاحق، يتبيّن أنه تجاوز نصاً تشريعياً نافذاً ينظّم مسألة المشروبات الكحولية بدقّة، هو المرسوم التشريعي رقم 180 لعام 1952 (*)، الذي حدّد شروط ترخيص الحانات ومواعيد افتتاحها وإغلاقها والفئات الممنوعة من ارتيادها. بينما القرار منع منعاً باتاً ما سمح به المرسوم صراحة، وسمح فقط ببيع المشروبات المختومة، وحصر بيعها في مناطق ذات طابع ديني محدّد مثل باب توما والقصاع وباب شرقي.
هذا القرار لا يندرج في إطار تنظيم النشاط، بل في إطار الفرز المناطقي وإعادة ترتيب المجال العام وفق تصوّر ثقافي–ديني يوزّع الحقوق تبعًا للانتماء والمكان، وهذا ما يحوّل المدينة تدريجياً من فضاء مدني مشترك إلى خريطة جيوب أهلية تُضعف معنى المواطنة والهوية الوطنية المشتركة.
الاحتجاجات: رفض متراكم ومحاولات لإنتاج صورة مضادة
من هذه الزاوية، يصبح مفهوماً أن الاعتراض على القرار لم يكن بسبب تنظيم بيع المشروبات بحدّ ذاته، بل بسبب ما يكشفه من اتجاه أوسع لإعادة تشكيل المجال العام وفق اعتبارات دينية وهويّاتية لا تعبّر عن المجتمع كله. فالمسألة لم تعد مرتبطة بإدارة نشاط اقتصادي، بل بتغيير وظيفة الإدارة نفسها: من جهاز يطبّق القانون كما هو، إلى سلطة وصاية تتدخّل في أنماط العيش والسلوك الاجتماعي.
في هذا السياق، لم يكن اعتصام باب توما حدثاً منفصلاً أو معزولاً، إذ سبقه بيومين تظاهرة سلمية في حي جوبر الدمشقي رفضًا لسياسة المحافظ، جرى التعتيم عليه بالكامل. وفي المقابل، شهد حي العباسيين مظاهرة مؤيّدة لقرارات السلطة أكدت على وحدة السوريين وتنوعهم، وهو ما يلتقي في جانب منه مع الرسالة المدنية التي حملها اعتصام باب توما، وإن اختلفت دوافع كل تحرك. وإضافة لذلك ركّز المشاركون في اعتصام باب توما على رفض أي تدخل يفرض تصوراً واحداً للسلوك الاجتماعي، والدفاع عن المجال العام وحرية التعبير والاجتماع بوصفها من صلب الدولة القانونية ولا يجوز تقييدها إلا بنص واضح وبأضيق الحدود..
هذا التباين بين طبيعة التحركات الثلاثة يكشف أن الاعتراض لم يكن ردّ فعل لحظي، بل تعبيراً عن رفض متراكم لنهج إداري يتجاوز القانون ويمسّ الحريات، وهذا الرفض لا ينفصل عن مسار تتوسع فيه صدور قرارات ومراسيم وتعاميم يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع على نحو يوسّع من سلطة الإدارة على حساب الحقوق، ويغيّر موقع المواطن في المجال العام، يتحوّل تدريجياً من فضاء للمواطنة إلى ساحة للضبط، ما يجعل الدفاع عن مبدأ الشرعية واحترام حدود النص ضرورة لحماية الثقة العامة وحقوق الأفراد.ميلٌ إيجابي محدود… وحقوق هشّة
وفي كل تلك التظاهرات والاعتصامات أظهرت السلطة ميلاً للتعامل معها كحق مشروع، فيما خلا بعض التجاوزات التي قد تُعزى إلى سياق مرحلة انتقالية لم تتكرّس فيها بعد قواعد واضحة للتعامل مع الناس. غير أن هذه التجاوزات، مهما بدت محدودة، تكشف أن الاعتراف بالحقوق ما زال هشّاً ومشروطاً، وأن الانتقال نحو إدارة قائمة على القانون لا يزال في بداياته، ويحتاج إلى ترسيخ ضمانات مؤسسية تحمي حرية التعبير والاجتماع وتمنع أي ارتداد نحو منطق التحكم الأمني.
أدوات المجتمع: من الانتفاض إلى الفعل المدني اليوم
وفي مواجهة هذا الواقع القديم الجديد، لا يملك المجتمع سوى أدواته المدنية للتعبير عن مطالبه والدفاع عن حقوقه، من تظاهر واعتصام واحتجاج سلمي، أي الأدوات نفسها التي انتفض من أجلها الشعب السوري ضد نظام الأسد الإجرامي ليستعيد حقه في التعبير الحرّ عندما تُنتهك حرياته، وليتمكّن من رفع صوته في الشارع والفضاء العام.
فالتظاهر والاعتصام لم يكن يومًا ترفاً ولا نزوة، بل محاولة لاستعادة أبسط حقوق المواطنة، لا ليُحاسَب الناس اليوم بأسئلة تبخيسية من قبيل: “أين كنتم منذ خمسة عشر عامًا؟” أو “ليش ما شفناكم؟”. إن جوهر الاحتجاج كان ولا يزال لأجل استعادة القدرة على التعبير الحرّ في الفضاء العام، لا الدخول في مزايدات مع مؤيدي السلطة أو معارضيها.
القانون أم الوصاية؟
باختصار، النقاش اليوم لا يقتصر على مرسوم أو قرار أو تعميم، بل يتعداه إلى سؤال أعمق يتعلق بشكل الدولة التي تتكوّن اليوم في سوريا، وعلى الحدود التي ينبغي ألا تتجاوزها السلطة في تعاملها مع حقوق الناس وحرياتهم. فعندما تتقدّم الوصاية على القانون، ويتحوّل المجال العام إلى مساحة للضبط بدل أن يكون فضاءً للمواطنة، يصبح الدفاع عن الشرعية واجباً عاماً لا مهمة قانونية فحسب.
واستعادة هذا المبدأ تبدأ من الالتزام بحدود النص بما يخدم الصالح العام، لا سلطة تُعيد تشكيل المجتمع وفق تصوّراتها. وفي المقابل، يبقى صوت الناس في كل فعل مدني سلمي هو الضمانة الأخيرة كيلا تنزلق الدولة إلى أنماط حكم لا تشبههم ولا تعبّر عنهم.
(*) نص المرسوم التشريعي رقم 180 لعام 1952:


























