من المغري قراءة ما يتبلور في دمشق اليوم أنّه تحوّل صريح نحو الحكم الديني، كما لو أنّ سورية تحسم أخيراً توتّراً طويلاً بين الإسلام والعلمانية لصالح الإسلامية. لكنّ هذه القراءة تغفل الاشتباك العميق بين ما هو علماني وما هو ديني في سورية، ليس على مدى الخمسين عاماً الماضية فحسب، بل لعدّة قرون خلت. ما تشيّده الحكومة السورية الجديدة ليس هزيمةً للعلماني أمام الديني، بل هو بالأحرى الصيغة الأحدث لهذا الاشتباك (وربّما تكون الصيغة الأصيلة الأولى منذ عقود).
لهذا الاشتباك تاريخ يسبق الدولة الحديثة. وكما ناقشتُ في مواضع أخرى من عملي، فإن الإحياء الإسلامي في سورية على مدى العقدَين الماضيَين، لم يؤذن بنهاية العلمانية بقدر ما كان إعادة صياغة لها. لكن علاقة نظام الأسد بهذا الاشتباك لم تكن عضويةً أبداً، بل كانت استعراضية. كان النظام “علمانياً أداتياً”؛ فقد روّج الدين بما يتوافق مع رؤيته السياسية، لكن هذا كان محاكاةً لشيء كان في السابق مُعاشاً وأصيلاً. والسوريون، الذين أداروا تاريخياً العلاقة بين الإيمان والحياة العامة بنوع من الاعتدال الفطري، أدركوا الإفلاس الأخلاقي لتلك الترتيبات الأسدية.
لقد كانت الثورة، من بين أمور أخرى كثيرة، رفضاً لعدم الأصالة ذاك، ومطالبةً باستعادة استمرارية الثقافة السياسية التي قطعها النظام. شروط “العلمانية الحقيقية” (في منظور تشارلز تايلور، حيث يعمل المعتقد إطاراً من بين أطر متعدّدة بحسن نيّة) كانت مستحيلةً هيكلياً تحت ظلّ نظام تلاعب بتلك الأطر لغايات استبدادية. وما يتشكّل اليوم في دمشق يمكن قراءته على خلفية ذلك المشهد. “الدولة المدنية الحديثة ذات المرجعية الإسلامية” التي تصوغها حكومة الرئيس أحمد الشرع ليست قطيعة مع ذلك التاريخ، بل هي استمرار له في ظروف سياسية جديدة. فعلى سبيل المثال، يستحضر الإعلان الدستوري للعام 2025 “الأديان السماوية” الثلاثة بوصلةً أو أساساً أخلاقياً وثقافياً للمجتمع السوري. ومن التحوّلات المفاهيمية الدقيقة والمهمّة في نصّ عام 2025 استخدام مصطلح “الاعتقاد” بدلاً من “العقيدة”. ويفسّر فقهاء القانون “الاعتقاد” بأنه أقرب إلى حرية الضمير الفردية، ما قد يوفّر حمايةً نظريةً أوسع للفكر الفردي، حتى في وقتٍ تظلّ فيه “البوصلة الأخلاقية” للدولة راسية في الأديان القائمة، وبينما يظلّ الفقه في ما يخص المسلمين قائماً على المبادئ الإسلامية. هذه الثقافة السياسية أقرب إلى ما قد يسميه تايلور “حالةً علمانيةً”، حالة يعمل فيها المعتقد الديني إطاراً ضمن أطر، متجذّراً في تراثٍ أخلاقيٍّ مشترك بدلاً من فرضه حقيقةً حصرية، كما ذكرنا سابقاً.
كان نظام الأسد “علمانياً أداتياً” روّج الدين بما يتوافق ورؤيته السياسية
وتعكس البنية اللغوية للحكومة الجديدة هذه العلمانية بطرق أخرى أيضاً. فقد استخدمت خطابات الشرع، في الأمم المتحدة ومحلياً، مفردات الإيمان في محاولة لترسيخ السيادة. فمصطلحات مثل “الكرامة” و”الحق” تحمل رنيناً دينياً لا يخطئه أحد، ومع ذلك، هي تؤدّي الآن وظيفة الخطاب القومي: تأكيد تقرير المصير السوري، وتبرير إخراج القوات الأجنبية، وتعزيز إطار “سورية أولاً”. الدين هنا ليس مجرّد زينة، بل هو اللغة التي يُصاغ من خلالها مشروع الدولة الحديثة وتنظيره وتطويره وشرعنته.
أمّا البنية المؤسّساتية فتتبع المنطق نفسه؛ فالحكومة التي تضمّ أطيافاً من مختلف الخلفيات، ورؤية تنموية منظّمة حول التحكيم التجاري والاستثمار الأجنبي، والحفاظ المتعمّد على هياكل الدولة التكنوقراطية… هذا كلّه يشير إلى حكومة لا تحاول بناء دولة دينية، بل دولة تمنحها مرجعيتها الدينية أساساً أخلاقياً وشرعيةً محلّية، بينما يتحدّث وجهها المؤسّساتي لغة البنك الدولي والأمم المتحدة.
السؤال الذي يطرحه هذا الواقع ليس ما إذا كانت سورية أصبحت أكثر تديّناً أو أكثر علمانية، بل هو ما إذا كان هذا التمييز، بوصفه أداةً تشخيصيةً، ملائماً أصلاً. يشير التحوّل الحالي في سورية إلى أنه لم يكن كذلك يوماً؛ فالسوريون لم يحتاجوا إلى هذا التمييز، بل احتاجوا إلى المساحة ليعيشوا من دونه.
- العربي الجديد


























