مازال القرار الصادر عن المكتب التنفيذي لمحافظة مدينة دمشق، والقاضي بمنع تقديم الكحول بالكأس في المطاعم والملاهي، وحصر بيعه بالقنينة ومن خلال أحياء محددة مثل باب شرقي والقصاع وباب توما، حاضراً في مساحات النقاشات والجدالات السورية. وبعد الاعتصام الذي جرى في ساحة باب توما وعبر فيه المعترضون على موقفهم، وكذلك الوقفة التي جرت في ساحة العباسيين -قيل إنها مكرسة لذكرى التهجير وتبين أن معظم شعاراتها تؤيد قرار المحافظة- غدا من الواجب تبيان خطورة القرار في المرحلة الانتقالية، وفحوى الاعتراض عليه، فهو يتصل بالحريات وقواعد السلوك العامة ولا يتعلق بالخمر والسُكر كما حاول بعضهم تصويره.
الاعتراض، من جهة أولى، يتوقف عند ما يُعدّ مساساً بالحريات الفردية، إذ يتدخل القرار في أنماط استهلاك شخصية، من دون سند قانوني واضح، حتى وإن ادعى استناده إلى قوانين قديمة وقرارات صدرت في عهد النظام البائد، وهو أيضاً لم يصدر بعد نقاش عام حوله.
ومن جهة ثانية، يبرز اعتراض لا يقل أهمية يتعلق بدلالات القرار، إذ ينمّط هذه الأحياء التي يسمح البيع فيها، بوصفها “فضاءات خاصة” لبيع الكحول، في إيحاء يرتبط ضمنيا بكونها أحياء ذات غالبية مسيحية.
السلطة الانتقالية هي إدارة مؤقتة لمرحلة معقدة. ونحن من مصلحتنا أن نؤيد ما نراه صائباً في أدائها، وأن نعترض على ما نراه خاطئاً، من دون أن يتحول ذلك إلى اصطفاف شامل معها أو ضدها.
الربط هنا يلغي التنوع الاجتماعي لهذه المناطق ويكرّس صورة نمطية، تختزل الجماعة الدينية المحلية والأصيلة في سلوك استهلاكي بعينه، وهذا فعل يشكل إساءة مباشرة، ويعكس رؤية أحادية المجتمع، تتعامل مع تعددية ثقافاته، من خلال منطق التحليل والتحريم الخاص بجزء منه.
هنا، نقف أمام قرارٍ إداريّ يبدو في ظاهره تفصيلاً صغيراً، لكنه يكشف عن خلل أعمق في تشكّل العلاقة بين السلطة والمجتمع في هذه المرحلة. نقرأ من خلاله طريقة تفكير آخذة في التشكل. فبعد سقوط نظام استبدادي طويل، نجد أنفسنا أمام سلطة جديدة، مؤقتة من حيث المبدأ، لكنها تحظى بتأييد واسع لأنها ارتبطت في الوعي العام بلحظة الخلاص. ومن هنا يبدأ الالتباس. الجموع تفرح بزوال الاستبداد، وهذا يشمل كل السوريين من ضحاياه، لكنها تميل في الوقت نفسه إلى توجيه هذه المشاعر إلى السلطة الجديدة، من خلال منحها ما يشبه الشرعية المفتوحة، والتعامل مع قراراتها كامتدادٍ طبيعيٍ للتحرر، لا كونها موضوع للنقاش.
في هذه اللحظة، يحتاج السوريون إلى تمييز التفاصيل في لوحة تظهر وكأنها غير قابلة للتفكيك. السلطة الانتقالية هي إدارة مؤقتة لمرحلة معقدة. ونحن من مصلحتنا أن نؤيد ما نراه صائباً في أدائها، وأن نعترض على ما نراه خاطئاً، من دون أن يتحول ذلك إلى اصطفاف شامل معها أو ضدها. لكن ما يحدث هو أن هذا التمييز يضعف. حين نرى ميلاً إلى منح السلطة شيكاً مفتوحاً، فقط لأنها أطاحت النظام السابق، وكأن معيار التقييم الوحيد هو موقعها في تسلسل التاريخ السياسي، لا طبيعة قراراتها.
ما يجري هو ثمن غياب المؤسسات. إذ لا توجد مجالس تشريعية فاعلة، ولا أطر تمثيلية محلية. وفي هذا الفراغ، يصبح كل قرار صادرا عن “السلطة” بصيغة عامة، من دون أن نعرف مساره أو مستواه.
وفي هذه الفوضى، لا تميّز الجموع بين قرار إداري بلدي محدود وقرار سيادي واسع، لأن الآليات التي تفصل بينهما غائبة. وهكذا، يتحول القرار الإداري إلى ما يشبه الحكم النهائي، لأننا نفتقد الأدوات التي تضعه في سياقه.
حين يعترض السوريون على قرار يمسّ الحريات الفردية، يجب قراءة السلوك على أنه ممارسة حق يفترض أن يكون جزءاً من طبيعة المرحلة. ولعل المشكلة الأخطر راهناً أن هذا الاعتراض يبقى معلقاً، لأنه لا يجد طريقاً مؤسساتياً يمر عبره. فلا يمكن تحويله إلى مراجعة تشريعية، ولا إلى مساءلة واضحة، فيبقى في حدود التعبير العام. وفي المقابل، هناك من يتعامل مع القرار بوصفه نهائياً، أو ضرورياً، لا يقبل النقاش، وكأننا انتقلنا من منطق الطاعة القديمة إلى صيغة جديدة منها.
السوريون الآن بحاجة إلى إعادة ضبط العلاقة مع السلطة الجديدة. لا يكفي أن تكون هذه السلطة قد أسهمت في إنهاء نظام سابق كي تُعفى من التقييم.
ومن الضروري ملاحظة أيضاً أن بعض القرارات لا تُقرأ فقط من حيث أثرها المباشر، وإنما من حيث ما تعكسه عن صورة السلطة. فحين يصدر قرار يبدو وكأنه منحاز إلى تصور ثقافي أو اجتماعي محدد، فإن ذلك يضعف فكرة أن هذه السلطة تمثل الجميع. الناس تدرك أن الحياد في وقتنا الحالي مستحيل، لكنها تحتاج إلى حد أدنى من الوعي بأن المجتمع الذي يُفترض تمثيله متنوع، وأن أي قرار يتعامل معه ككتلة متجانسة، أو يقسمه إلى فئات نمطية، يسهم في تعميق الانقسام بدل إدارته.
المشكلة مزدوجة هنا، إذ ثمة قرار يفتقر إلى أساس إجرائي واضح، وبيئة عامة لا تمتلك أدوات التعامل معه. والنتيجة أن النقاش يتحول إلى سجال مفتوح، بلا أثر فعلي على عملية صنع القرار. وبالتالي فإننا نتخندق الآن في مواقفنا، لكن من دون أن يكون لذلك مسار واضح يمكن أن يغير أو يعدل أو يوقف.
السوريون الآن بحاجة إلى إعادة ضبط العلاقة مع السلطة الجديدة. لا يكفي أن تكون هذه السلطة قد أسهمت في إنهاء نظام سابق كي تُعفى من التقييم. الشرعية التي تُكتسب من لحظة سياسية لا يمكن أن تتحول إلى تفويض دائم. وهذا يؤكد الحاجة إلى المؤسسة التشريعية المؤجلة، إلى مجالس البلديات، وإلى قنوات نقاش، لأن غيابها لايجعل السلطة أقوى، بل يجعلها أكثر عرضة للخطأ، ويضعف قدرة المجتمع على تصحيح هذا الخطأ.
في النهاية، نواجه الآن احتمال ترسيخ نمط في التفكير والسلوك. إذا اعتدنا أن تمر القرارات من دون نقاش فعلي، وإذا اعتدنا أن نقبلها أو نرفضها بشكل كلي، من دون تفكيك أو مراجعة، فإننا نعيد إنتاج شروط الاستبداد بصورة مختلفة. أما إذا استطعنا أن نثبت، في هذه المرحلة بالذات، أن كل قرار قابل للنقاش، وأن كل سلطة قابلة للمساءلة، فإننا نكون قد بدأنا فعلاً في بناء ما افتقدناه طويلاً: حياة سياسية تقوم على التوازن، لا على التسليم.
- تلفزيون سوريا



























