لا قدرة للنظام في إيران على إنتاج “نموذج فنزويلّا” وتقديمه للرئيس الأميركيّ دونالد ترامب لإنهاء الحرب وفتح صفحة الوئام مع واشنطن. لا تملك طهران ذلك الترف وهي المكبَّلة بسلاسل أيديولوجية، وتستدعي لتدبير نكبتها هذه الأيّام ذاكرةً وسيرةً تعودان إلى أكثر من 1300 عام. تنزع فجأة نحو كربلائيّةٍ لم تعرف علم التسويات ولا حرفة البراغماتيّة. هكذا هي حرب ترامب هذه الأيّام، مبارزة بين حسابات الراهن وقوانين الماضي الغابر.
إنّ تسليط المجهر على أداء الجمهوريّة الإسلاميّة منذ عام 1979 يُظهر تجارب وحكايات تجاوزت فيها المبادئ الأخلاقيّة الطوباويّة من أجل مصالح الدولة العليا. لم نجد تلك الكربلائيّة الحسينيّة في التواطؤ مع “الاستكبار الكافر” لإسقاط نظام صدّام حسين في العراق ونظام طالبان في أفغانستان. وبدا في تلك الحقبة أنّ جمهوريّة الوليّ الفقيه تتقاسم الخندق الواحد مع ما ترومه الولايات المتّحدة. انسحب ذلك التقاسم لاحقاً على كلّ “الجوقة” الدوليّة حين أبرمت مع دول مجموعة (5+1) اتّفاقاً اعتبره ترامب لاحقاً “الكفر” بعينه.
غابت الكربلائيّة عن ترتيبٍ خبيثٍ دبّرته طهران وواشنطن وتل أبيب، تحصل بموجبه إيران على أسلحة “الشيطان الأصغر” لدحر المسلمين الذين قاتلوا إلى جانب العراق في الحرب الطويلة (1980–1988). على الرغم من منطقٍ انتهازيّ فرضته الضرورة أجبر المرشد روح الله الخمينيّ على غضّ الطرف عمّا يُفترض أنّه “إثم”، لم تُنقذ الواقعة، على سوادها، “قائد الثورة” من تجرّع “كأس السمّ” لاحقاً لوقف حربٍ أراد الانتصار فيها بأسلحة “الكافرين”.
تسليط المجهر على أداء الجمهوريّة الإسلاميّة منذ عام 1979 يُظهر تجارب وحكايات تجاوزت فيها المبادئ الأخلاقيّة الطوباويّة من أجل مصالح الدولة العليا
ملاعبة الشياطين
تعِد إيران بالكربلائيّة نفسها التي توعّد بها الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم. على الرغم من أنّ “كربلاء” تمثّل نكبةً ميتافيزيقيّة ما تزال الطقوس الشيعيّة تحيي ذكراها وتندب تفاصيلها، لا يتّفق رفع الشعار وإعلاء الصوت به مع وعود النصر المفترض أن ينفخ بها القادة في لبنان وإيران لشدّ العصب وشحذ النفوس وتجييش الهمم.
من حقّ “الحزب”، بصفته جماعة، ابتكار ما شاء من صنوفٍ لتوسّل البقاء. غير أنّ إيران الدولة لا يحقّ لها أن تدّعي الجهل بما احترفت ممارسته في وقائع “إيران غيت” التي أسقطت رؤوساً أميركيّة وإسرائيليّة ولم تُصِب رأساً إيرانيّاً واحداً بأيّ صداع.
يمكن لإيران و”حزبها” أن يسوّقا ما شاءا من جبروت “الاستكبار” وغدره، حتّى ظلم ذوي القُربى. غير أنّ من حقّ الشعب في إيران و”البيئة” في لبنان طرحَ مساءلة بشأن ذلك الانهيار إلى حدّ السذاجة الذي شاب فهم العالم وإدراك موازين قواه. فيما تمكّن “الحزب” خلال عقود من الإطباق على نظام الحكم في لبنان والتمكّن من مؤسّساته وبدا الآمر الناهي في سياساته، وفيما تعاظمت إيران واشتدّ بأسها وتضخّم غرورها إلى درجة “القبض” على عواصم وساحات في المنطقة، لا تنمّ النهايات الراهنة والمحتملة إلّا عن عاديّاتٍ توارت في العقود الماضية خلف أوهامٍ تواطأ العالم على صناعتها.
في ثمانينيّات القرن الماضي، وبعدما أتمّت الولايات المتّحدة إجلاء قوّات منظّمة التحرير الفلسطينيّة من لبنان (1982)، أعادت تصويب أولويّاتها والتفرّغ لصراعها مع الاتّحاد السوفيتيّ. لم ترَ في مجزرة تفجير مقرّ قوّات المارينز في بيروت عام 1983 مفصلاً يستدعي ما يشغلها عمّا هو أساسيّ في استراتيجيتها. سحب الرئيس رونالد ريغان قوّات بلاده من لبنان من دون أن ينظر وراءه، تاركاً البلد في حضن دمشق وجماعات إيران المنضوية تحت سقف نظام حافظ الأسد في سوريا.
فهمت طهران في “فعلة” الرئيس الجمهوريّ الصقوريّ تراجعاً. وفهم “حزبها” المتلطّي حينها خلف واجهاتٍ برعت في ارتكاب عمليّات خطف الأجانب أنّها ملاعبة “الشياطين” بمهارةٍ وحنكة. وحده حافظ الأسد أدرك سرّ المناورة وشارك فيها شاكراً تلك “الشياطين” على تكليفه بالوصاية على لبنان وضبط من يخرج عن قوانين لعبة الكبار.
تعِد إيران بالكربلائيّة نفسها التي توعّد بها الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم. على الرغم من أنّ “كربلاء” تمثّل نكبةً ميتافيزيقيّة ما تزال الطقوس الشيعيّة تحيي ذكراها وتندب تفاصيلها
جمهورية ثقيلة ونافرة
استعارت إيران نفسها فلسفة حاكم دمشق. “زغردت” بعد واقعة 11 أيلول 2001 في نيويورك، وراحت تتطوّع في تقديم نفسها وكيلاً ومتعهّداً وشريكاً لرسم ملامح النظام الإقليميّ الجديد.
كافأت واشنطن طهران. أسقطت لها، على رأس حلفٍ متعدّد الجنسيّات، أعتى أعدائها: واحد حكم كابول في الشرق وناصبها العداء، وآخر حكم بغداد في الغرب وشنّ عليها حرباً أجبرت مرشدها على تجرّع كأس السمّ. تعلّمت إيران حرفة البراغماتيّة ورشاقة التحوّلات إلى درجة أنّها قبلت عرض الرئيس الأميركيّ باراك أوباما “تسليم” برنامجها النوويّ وتكبيله بالقيود والشروط داخل “اتّفاق فيينا”، مقابل إطلاق يدها بالتواطؤ مع واشنطن لبناء إمبراطوريّةٍ تخيّلت بغداد عاصمةً لها.
لم تتغيّر إيران. ومن الخطأ الاعتقاد أنّ قادة البلد ومرشده الراحل أعادوا الاستعانة بكتب الدين وروح الشريعة على النحو الطهرانيّ الأمثل. حين راح “الحزب” يرتكب الكبائر في سوريا “لكي لا تُسبى زينب مرّتين”، جرى ذلك برعاية إسرائيليّة–روسيّة–أميركيّة. وحين خرجت أصوات من طهران تَعِدُ برمي إسرائيل في البحر، جرى ذلك بـ “بركات” اتّفاقيّة فيينا ورعاية عواصم غربيّة تنافست شركاتها العملاقة على غنائم أتاحتها دولة ولاية الفقيه.
لم تتغيّر إيران، وما تغيّر هو العالم الذي داهمها و”حزبها” بتغيّرٍ في قواعد لعبةٍ لم يُجيدا غيرها. فضح هذا التغيّرُ العجزَ عن التأقلم السريع وغيابَ رشاقةِ الإدراك البدائيّ لصراع الأمم. تجمّدت طهران داخل ما اعتبرته قالباً من مكاسب نهائيّة، فلم تُبدع مخيّلتها في حسن الانحناء أمام العواصف وفهم جسامتها. لم تفهم أنّ ما لم يقبل به ترامب لم يقبل به خليفته جو بايدن، وأنّ ما يقوم به ترامب مجدّداً هو تتويجٌ نهائيّ لما تغيّر في هذا العالم.
ما تزال طهران تُخرج من جعبتها مفاجآتٍ تعوّل عليها في الميدان هذه الأيّام لتغيير وجهة الحرب. لكنّها ستكتشف أنّها كلّما أمعنت في الحركة ستغرق في الوحول، ويتقدّم نحوها أعداء جدد.
قد تنهل إيران من قديم المذهب حججاً لكربلاء تريدها مجيدة. غير أنّ العالم يُدار بما يخرج من جديده لا قديمه، ويكتشف الغرب والشرق، الصين وروسيا معاً، أنّ “الجمهوريّة” صارت ثقيلة نافرة لا تنسجم مع قوانين الحاضر ومنطقه، ولا بأس من إسقاطها من أجل بديلٍ فنزويلّيّ النزعة يفهم ألِفَ العالم وياءه.
- أساس ميديا

























