استعمل السوريون مصطلحات من مثل “سياسات الأمر الواقع، وسلطات الأمر الواقع” كثيراً في السنوات الأخيرة، وهو استعمال مطاط تبعاً للوجهة السياسية والفكرية والرغبوية والذرائعية، فما يسمى الأمر الواقع المفروض في هذه البقعة الجغرافية قد يكون شرعياً ومرحباً به وقانونياً بنظر آخرين.
تتناوش هذا المصطلح دلالات عدة، قد يبدو بعضها متناقضاً، بل إنَّ عدداً منها يحمل دلالات سلبية، وعلى سبيل المقارنة لا تخضع في الحياة اليومية الأوروبية الكثير من تفاصيل الحياة والقوانين إلى نقاشات ومشاكسات أو محاولة تخفيف من وطئها، بل يستجيب المواطنون لما يصدر بصفته أمراً واقعاً مبنياً على دراسات وقراءة معطيات بما يحقق مصلحة مجموع المواطنين.
بنيت هذه الثقة عبر عقود من الزمن بين المواطنين والدولة؛ حيث يطمئن المواطن إلى أن تلك القرارات لا تؤخذ لأسباب كيدية أو من أجل منافع شخصية (قد لا يخلو الأمر أحياناً)، إضافة إلى أن تأمين الكفايات الأساسية للمواطن وحمل الدولة له، مهما كانت الظروف، تجعله مطمئناً لما تقوم به، حيث لا يوجد عدم ثقة، بل ثقة مبنية على التجارب المتبادلة.
القرار يبدأ اتخاذه من الأدنى إلى الأعلى غالباً، وحتى لو كانت الرؤية قادمة من الأعلى فإن رأي الأدنى مهم جداً ومصيري. هناك مشاركة معلنة أو مكتومة في اتخاذ القرارات بين البلدية والمواطن. وكذلك هناك دراسات متراكمة، وعشرات المراكز التي تعنى بدراسة السياسات ومخاطر القرارات وحسناتها وسلبياتها مسبقاً، وكذلك هناك تهيئة للرأي العام، تهيئة المعلومة الشفافة وليست تهيئة البروباغاندا، إضافة إلى التغذية الراجعة والتطوير بعد تنفيذ القرار!
تأخذ القرارات المصيرية والرئيسية سنوات من المشاورات في البلدان المستقرة بين البرلمان والحكومة ومراكز الدراسات، ويمكن أن تنقل من حكومة إلى حكومة أخرى بحيث تدرس كل تفاصيلها ومخاطرها.
يتعامل المواطنون الأوروبيون مع القوانين والأنظمة اليومية بصفتها أمراً واقعاً قانونياً، لديهم ثقة أنه لم يتم اتخاذ القرارات قبل أن تدرس دراسة كافية، وأنها اتخذت لمصلحة المجموع المواطنين، لذلك لا يقضون الكثير من الوقت في مناقشة جدواها، أو يصرفون مساءاتهم للحديث عن القرارات أو السياسات، بل يصرفونها بما يمتعهم وينمي مهاراتهم الشخصية.
نحن القادمين الجدد إلى أوروبا لدينا خطط لتطوير تلك البلدان الجديدة وجدوى القوانين وفلسفتها. وحين نكتشف بعد سنوات آليات اتخاذ القرار وشبكات اتخاذ القرار وأنظمة تلك البلدان نقول عن أنفسنا: كم نحن بسطاء! يوم اعتقدنا أن لدينا حلولاً لكل شيء! إذا كانت لدينا تلك القدرات الاستثنائية في التخطيط والإدارة والتنفيذ والسياسة، لماذا آلت أحوال بلادنا إلى ما آلت إليه!
تعب السوريون من الأمر الواقع، حيث غدا كل ما في هذه البلاد أمراً واقعاً! باتت قدرات الفرد على الحركة والتغيير محدودة، فالمجتمع والمرجعيات والسلطات التي تتحكم فيه تكاد أن تكون هي المسيرة لمعظم التفاصيل، هي الأمر الواقع! تتعامل الشركات العالمية والدول مع سلطات الأمر الواقع في البلدان الأخرى من أجل المحافظة على عملها ومصالحها، ولا تمانع من دفع أتاوات للشركاء المحليين أحياناً لتمشية مصالحها حيث ينظرون لسلطات الأمر الوقع كواقع لا بد من التعامل معه!
على المستوى السياسي في سوريا، عادة ما يستعمل مصطلح “سلطة الأمر الواقع” لتوصيف السلطة بصفتها سلطة مفروضة على الناس بالقوة، كما يحلو لعدد كبير من معارضي السلطة الحالية في سوريا في توصيفها مثلاً. وسبق أن استعمل هذا المصطلح من قبل ضد قسد، والسلطات في إدلب، وكذلك السلطات المحلية حالياً في السويداء، كثير من السلطات في سوريا، عبر عقد ونصف كانت في البداية سلطة أمر واقع، منها من طور نفسه وقونن سلوكاته، ومنها من بقي ذا طبيعة مليشياوية أو فصائلية!
السلطة الموجودة في سوريا انطلقت من كونها سلطة أمر واقع منطلقة من حالة فصائلية وثورية، لكنها أخذت تقونن نفسها ووجودها، أولاً بأول، إلى أن تحولت أمراً واقعا منبثقاً من حاجات السوريين وثورتهم وظروفهم، ومتابعتهم، يعبر عن تشوفهم للدولة السورية التي يحلمون بها!
ورافق ذلك اعتراف العالم بالسلطة السورية حالياً كبديل عن النظام البائد الذي بدا أنه هو كان سلطة الأمر الواقع، خاصة بعدما تبينت كمية القيود التي تركها للسوريين حيث تحتاج إزالتها إلى سنوات. وعلى الرغم من ذلك، هناك سوريون يصابون بالسعادة حين يقولون عن النظام الحالي في سوريا إنه “سلطة أمر واقع”، فليكن ذلك إن كان يحقق مصلحة المواطنين ويسعى لتنمية البلد وأهله.
لا يبدو أن توصيف السلطة الحالية في سوريا ومرجعياتها فيه شيء من الوجاهة أو المعقولية إن كان نابعاً ممن كان يعتقد بوجاهة النظام السابق أو يثق بانتخاباته المضحكة أو خياراته السياسية ودافع عنها طويلاً طويلاً. أهم ما في “الأمر الواقع في سوريا اليوم” أنه فكرة ملائمة تدفع السوريين لكي يتعايشوا ويعدوا بعضهم البعض أمراً واقعاً لا فكاك منه ولا خلاص، لينتقلوا إلى السؤال الآخر: كيف نتعايش كأمر واقع وقدر لا فرار منه؟ هذه البلاد وديموغرافيتها أمر واقع فكيف نتعامل معه؟
يقارن كثيرون قادمون إلى سوريا أحوال بلادهم بلبدان مستقرة عبر عشرات السنوات: غيرة وحباً وحرصاً، أو ربما استنقاصاً، ليصلوا إلى نتائج مسبقة: بلادهم القادمون منها لا تشبه هذه البلاد (سوريا) بشيء! ويتابعون: متى سنصبح؟ والحقيقة أننا من الصعب أن نصبح، إن لم نمسِ، ونسمي بالرحمن! فتنمية البلدان ليست أمراً سهلاً.
هناك قاعدة في الإدارة وإدارة البلدان والحياة لا تتوانى عن السؤال حول أيهما أفضل: البدء بمخطط جديد أم تصحيح مخطط منجز. لكن، مهلاً، فالبلدان ليست مخططات أو شركات، البلدان إنسان قبل كل شيء، البلدان روح وذاكرة وتاريخ وبشر يتنفسون، من هنا فإن البدء بتأمين تفاصيلهم المعيشية والأمنية وأمانهم الشخصي يجعل الأمور ممكنة أكثر.
يعيش السوريون اليوم سوريتهم بصفتها أمراً واقعاً، فكيف يستطيعون أن يقبلوا بعضهم؟ وكيف يخرجون من وَهم أنهم جزء من سلطة الأمر الواقع، أو أنهم ضدها؟ ومتى ستصبح بوصلتهم البحث عن الحلول بدلاً من الاتهامات! تلك أسئلة لا ننتظر أجوبتها من السلطة، أياً كانت السلطة، بل أجوبتنا نحن هي المهمة، إذ إننا الأمر الواقع، والسلطات تذهب وتأتي!
- الثورة السورية






















