لدى الاستماع إلى الرئيس أحمد الشرع، الذي قام بزيارة للندن أخيراً، يتحدّث في “شاتام هاوس” (مركز أبحاث ودراسات عريق) عن الوضع الداخليّ السوريّ، يتبيّن أنّ الرجل يسعى إلى اكتساب مزيد من الشرعيّة الدوليّة. الأكيد أنّ هذا من حقّه، لكن ماذا عن الشرعيّة الداخليّة التي يحتاج إليها أيّ نظام سوريّ جديد في مرحلة ما بعد التخلّص من النظام العلويّ الذي أسّسه حافظ الأسد وتحكّم برقاب السوريّين وأرزاقهم وحياتهم اليوميّة بين 1970 و2024؟
يركّز الشرع على أهمّيّة الشرعيّة الدوليّة والعلاقات التي باتت تمتلكها سوريا في المنطقة وخارجها من أجل تفادي الدخول في تفاصيل الوضع الداخليّ المعقّد. إنّه وضع أوّل ما يحتاج إليه الاعتراف بوجود مجتمع سوريّ منفتح، خصوصاً في المدن الكبيرة. ليس ما يشير إلى أنّ الفريق المحيط بالرئيس السوريّ قادر على التعاطي مع هذا المجتمع من منطلق مختلف كثيراً عن الفكر الذي تحكّم بـ”هيئة تحرير الشام” والتنظيمات الأخرى التي حلّت مكان بشّار الأسد في دمشق في الثامن من كانون الأوّل 2024.
تطرّق الشرع في سياق إجابته عن الأسئلة المدروسة التي وُجّهت إليه إلى أمور عدّة من بينها ماضيه. أشار إلى الانفصال عن تنظيم “القاعدة” وإلى خلاف فكريّ مع هذا التنظيم منذ زمن طويل. تطرّق أيضاً إلى موضوع القواعد الروسيّة في سوريا. كان واقعيّاً في إشارته إلى الطابع التاريخيّ للعلاقة مع موسكو، لكنّه خلص إلى أنّ المطروح مستقبلاً تحوُّل القاعدتين اللتين ما يزال الروس فيهما، إلى مركزَي “تدريب” للجيش السوريّ.
ما لا يمكن تجاهله، بغضّ النظر عمّا يصدر عن أحمد الشرع، هو ما يطرحه بعض من يُسمّون بـ”الفاتحين الجدد” من الفصائل الإسلاميّة التي دخلت دمشق وأخرجت بشّار الأسد منها. هؤلاء، عند مهاجمتهم للسوريّين المقيمين داخل المدن، يركّزون على سؤال واحد: “أين كنتم خلال الأربعة عشر عاماً الماضية؟”.
تطرّق الشرع في سياق إجابته عن الأسئلة المدروسة التي وُجّهت إليه إلى أمور عدّة من بينها ماضيه
أيتام الأسد
غالباً ما يترافق هذا السؤال مع اتّهامات مباشرة لهؤلاء السوريّين المظلومين بأنّهم كانوا موالين للنظام السابق أو داعمين له، بل يُوصمون الآن بألقاب مثل “أيتام الأسد” وما شابه ذلك.
يتجاهل هذا الطرح جملة من الحقائق الجوهريّة التي ينبغي التوقّف عندها بموضوعيّة. السوريّون الذين بقوا داخل البلاد خلال تلك السنوات لم يكونوا في منأى عن القمع، بل عاشوا تحت مستويات قاسية من العنف والبطش والتهديد. اختبروا بشكل يوميّ ممارسات الانتهاك على الحواجز الأمنيّة، والرعب في أماكن العمل، والترهيب داخل المؤسّسات التعليميّة، إضافة إلى الاعتقال التعسّفيّ ومصادرة الممتلكات. كان هؤلاء في كلّ وقت عرضة لوحشيّة ليس بعدها وحشية مارسها النظام الأقلّويّ الذي لم يكن لديه من همّ سوى إخضاع المواطن السوريّ وإفهامه أنّه يتحكّم بحياته.
على الصعيد الاقتصاديّ، تعرّض التجّار والصناعيّون داخل مناطق سيطرة النظام لضغوط هائلة تمثّلت في الابتزاز المنهجيّ والفساد القسريّ. فُرضت عليهم الإتاوات كشرط للاستمرار في أعمالهم وعدم التعرّض لحياتهم. ولم يكن ذلك خياراً بقدر ما كان وسيلة للبقاء في بيئة اقتصاديّة مفروضة على الناس. ينفي ذلك فكرة أنّ هؤلاء كانوا شركاء في الفساد كما يُروَّج غالباً.

أمّا التحدّي الأكبر الذي واجه غالبيّة العائلات السوريّة فتمثّل في مصير أبنائهم عند بلوغ سنّ الخدمة العسكريّة الإلزاميّة. لقد وُضع الشبّان وأهاليهم أمام خيارات قاسية بين دفع مبالغ ماليّة كبيرة أو الزجّ بهم في جبهات خطِرة، أحياناً من دون تجهيز أو تدريب كافٍ. في ظلّ هذه الظروف، اضطرّت آلاف العائلات إلى بيع ممتلكاتها لتوفير الحماية لأبنائها، فيما خسر كثيرون حياتهم في سياقات تعكس حجم المأساة التي عاشها المجتمع.
يركّز الشرع على أهمّيّة الشرعيّة الدوليّة والعلاقات التي باتت تمتلكها سوريا في المنطقة وخارجها من أجل تفادي الدخول في تفاصيل الوضع الداخليّ المعقّد
في موازاة ذلك، لعب موظّفو القطاع العامّ دوراً محوريّاً في المحافظة على الحدّ الأدنى من استمراريّة مؤسّسات الدولة، على الرغم من هشاشتها. ساهمت هذه الفئة، إلى حدّ كبير، في منع الانهيار الكامل للبنية الإداريّة للدولة، وهو دور لا يمكن إغفاله عند تقويم تلك المرحلة والدخول في مرحلة ما بعد عهدَي الأسد الأب والأسد الابن، اللذين ليسا سوى عهد واحد.
بين الفلسطينيّين والسّوريّين
يمكن، في هذا السياق، إجراء مقارنة مع الفلسطينيّين الذين بقوا وتشبّثوا بأرضهم وزيتونتهم وهويّتهم على الرغم من كلّ الظروف الصعبة التي فرضها الكيان الإسرائيليّ المتوحّش، محافظين على الهويّة الفلسطينيّة وضامنين استمراريّتها كقضيّة محقّة لشعب مظلوم، فلولا هؤلاء لما بقي ما يسمّى “حقّ العودة” الذي يتمسّك به الفلسطينيّون المقيمون خارج الأرض الفلسطينيّة.
لا تهدف هذه المقاربة إلى المساواة بين وضع السوريّ ووضع الفلسطينيّ، الذي هُجّر من أرضه، بقدر ما تسلّط الضوء على أهميّة الصمود الداخليّ كأحد أشكال المقاومة والبقاء. ما لا يمكن تجاهله في هذا المجال أنّ النظام السوريّ السابق، بدعم من النظام الإيرانيّ، سعى إلى تغيير ديمغرافيّ في سوريا على حساب الأكثريّة السنّيّة.
ضبط الخطاب العامّ
إنّ تبنّي خطاب إقصائيّ أو تخوينيّ تجاه شريحة واسعة من السوريّين لا يخدم أيّ مشروع وطنيّ جامع، بل يعمّق الانقسامات ويهدّد بإعادة إنتاج الصراع. إذا كانت أيّ سلطة جديدة تسعى فعلاً إلى توحيد السوريّين، فإنّ أولى خطواتها ينبغي أن تكون ضبط الخطاب العامّ، وضع حدّ للتحريض، والعمل بجدّيّة على بناء مساحة مشتركة قائمة على الاعتراف المتبادل بالمعاناة والتضحيات.
في النهاية تتطلّب المرحلة المقبلة خطاباً مسؤولاً مختلفاً يعترف بتعقيدات التجربة السوريّة، يبتعد عن الأحكام ذات الطابع التعميميّ، ويمهّد لعمليّة تعافٍ وطنيّ حقيقيّة. مثل هذا الخطاب المسؤول، بطابعه الحضاريّ الذي يأخذ في الاعتبار خصوصيّة المواطن بغضّ النظر عن منطقته وقوميّته وديانته ومذهبه.
- أساس ميديا



























