من جديد شهد العالم المسيحي مرور عيدَيْ الفصح حسب التقويم الغربي وأحد الشعانين حسب التقويم الشرقي في غمرة مزيد من المآسي والآلام والكوارث، فلم تترك الأحزان فسحة فرح أو طعم احتفال لدى المؤمنين كباراً وصغاراً، نساء ورجالاً. وبدل استذكار قيامة المسيح بالمسرة والسلام والطمأنينة، أُزهقت أرواح الأبرياء في فلسطين ولبنان وإيران، وأُغلقت أبواب الكنائس في وجوه المصلين، وأمعنت آلة الحرب الأمريكية والإسرائيلية أكثر فأكثر في إراقة الدماء وتدمير العمران.
ففي سائر أرجاء فلسطين، ولكن في القدس المحتلة وغزة وبيت لحم، وبما يشمل كنائس المسيحيين الكاثوليك والبروتستانت والروم الأرثوذكس والسريان والأرمن والأحباش، لجأت سلطات الاحتلال إلى تقييد الحركة ومنع الوصول إلى الكنائس، فحالت دون إقامة الشعائر وأداء الصلوات. وهكذا اضطر بطريرك القدس للاتين إلى إقامة القداس في بيت لحم، خلف أبواب كنيسة القيامة المغلقة منذ 37 يوماً متتالية، وبحضور عدد محدود للغاية من المصلين. وأما في مدينة غزة فقد أحيا المسيحيون عيد الفصح في كنيسة القديس برفيريوس التاريخية، التي كانت قد تعرضت لقصف إسرائيلي يوم 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 أسفر عن استشهاد 18 فلسطينياً بين مسيحي ومسلم كانوا قد التجأوا إلى الكنيسة.
وفي لبنان لم يجد الرئيس اللبناني مفراً من تحويل قداس الفصح إلى منصة سياسية بعد خلوة مع البطريرك الماروني بشارة الراعي، فتطرق إلى العدوان الإسرائيلي المفتوح على الأراضي اللبنانية، ومسائل نزع سلاح “حزب الله” وحصريته بيد الدولة وآفاق المفاوضات مع دولة الاحتلال، حتى لاح وكأن الصرح البطريركي في بكركي قد حلّ محل قصر بعبدا مقرّ الرئاسة اللبنانية. وفي الخارج كانت قاذفات دولة الاحتلال والمسيرات الإسرائيلية تواصل استهداف الضاحية الجنوبية ومناطق أخرى في البقاع وجبل لبنان، وتتوغل أكثر في الجنوب.ورغم اعتياد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على استخدام الخطاب الديني والرموز المسيحية للتغطية على جرائم الحرب وشنائع الأفعال، فإنه هذه المرة ذهب أبعد وأكثر نفاقاً واستغفالاً للعقول حين اعتبر أن إنقاذ الطيار الأمريكي الثاني من جبال إيران كان “معجزة عيد القيامة”. ولا عجب أن يحذو حذوه وزير الحرب فيصرح بأن الجيش الأمريكي يقاتل “باسم السيد المسيح”، ويغرد وزير الخزانة قائلاً: “مناسب في هذا اليوم الأقدس لدى المسيحيين، إنقاذ محارب أمريكي شجاع”.
وإذا كان بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر قد تجنب ذكر الأسماء أو تحديد البلدان، فإنه لم يتردد في التنديد بأولئك الذين “تلطخت أيديهم بالدماء”، وأن الربّ “يرفض الحرب، ولا يمكن لأحد أن يستخدمه لتبرير الحرب”، و”لا يستمع إلى صلوات الذين يشنون الحروب، بل يرفضها قائلاً: حتى لو صليتم كثيرا، فلن أستمع إليكم”. وليس من دون مغزى خاص أن هذا البابا هو أول أمريكي يتولى البابوية، وهذه أول رسالة له في مناسبة عيد الفصح منذ اعتلائه الكرسي الرسولي في أيار/ مايو الماضي.
- القدس العربي


























