درج لسان الحال اللبنانيّ الرسميّ أن يردّد أنّ لبنان هو آخر دولة عربيّة تبرم اتّفاقيّة سلام مع إسرائيل. وكان يُراد من هذه الصيغة استسهال الإجابة على مسألة حسّاسة لطالما داهمت البلد في عهد الوصاية السوريّة ثمّ الوصاية الإيرانيّة التي مارسها حزب إيران بجدارة وجلافة. لم يكن يُقال إنّ لبنان لن يبرم أبداً صلحاً مع إسرائيل بما يُدرَج في لوائح “الوطنية”، ولم يكن يُقال إنّ لبنان سيكون سبّاقاً في هذا المضمار بما يُدرَج في تقويم الجرأة المثيرة للجدل، بل إنّ اعتماد صيغة “آخر الناس” كان يدرجنا في سياق كسول يتبع متأخّراً ما يفعله الآخرون ويقتدي به. هكذا تماماً نفهم “بدعة” وحدة المسارات، أي تقليد ما يصدر في السابق عن دمشق وفي الحاضر عن طهران.
في علم التفاوض، تعلّمنا من طهران أنّ البلدان الحرّة لا تفاوض بشكل مباشر. علّمتنا فنّ التحادث من غرف متباعدة عبر وسطاء يحملون الرسائل
إرادات خارجيّة قاهرة؟
هكذا قارب لبنان تعدّده وتباين رؤاه، فاختار تأجيل بتّ ملفّ محرج، كما اعتاد تأجيل كلّ العِقد الحسّاسة. قفز اللبنانيّون على ما قرّره اتّفاق الطائف عام 1989 لتحديث النظام السياسيّ للبلد، بما في ذلك وأد إلغاء الطائفيّة السياسيّة وطيّ تدابير إنشاء المؤسّسات التحضيريّة للأمر، تجنّباً لـ”وجع رأس” لا شفاء منه.
لم يكن لبنان يتموضع خلال العقود الأخيرة لإدارة جذريّة لمستقبل قدره على الحدود الجنوبيّة، بل وجد نفسه مكرّساً بإرادات خارجيّة قاهرة ساحةً مستمرّة للصراع. سكنت كلّ الجبهات التي اشتعلت منذ عام 1947، واستمرّت جبهة لبنان، بقدرة القادرين، ميداناً مفتوحاً: تارةً لمصلحة “منطقة” مهزومة، وتارةً ثانية تعويضاً عن سكوت جبهة الجولان في سوريا، وتارةً أخيرة لمصلحة إطلالة إيران على إسرائيل من جنوب بلادنا (وليس من جنوب سوريا الحليفة) ولمصلحة إطلالتها من شاطئنا على شرق البحر المتوسّط.
حين انسحبت إسرائيل عام 2000 من جنوب لبنان، كان من المفترض أن يكون الحدث مفصليّاً وأن يُنهي الصراع ويفتح البلد أمام خيارات التهدئة، إن لم نقُل السلم. فرح اللبنانيّون، لا سيما الجنوبيّين، بالإنجاز المنتظَر. غير أنّ دمشق-الوصاية رأت في الأمر “فخّاً”، ورفضت، ومعها حزب إيران، إرسال الجيش اللبنانيّ إلى الجنوب المحرّر “خوفاً على هذا الجيش”، وفق ما كان يردّد زعيم “الحزب” الراحل حسن نصرالله. اكتشف “العباقرة” عقدة “مزارع شبعا”، وأفحموا العالم بعذر يشرّع استمرار الصراع.
لم تكن المسألة مرتبطة بمبدأ التفاوض، فقد تفاوض البلد لاحقاً بصيغ مدروسة لا ترقى إلى المستوى السياسيّ، لكي لا يتسرّب ما يمكن أن يغلق مهنة الصراع الدائم. في ظلّ حكم الممانعين “الغيورين” على حقوق البلد، تخلّى لبنان عن مساحات كانت إحداثيّات الجيش اللبناني قد وضعتها للدفاع عن حقّ البلد في المنطقة الاقتصاديّة الخالصة. ما هو مهمّ في ديباجات التفاوض أنّ التنازلات تقرّرها طهران من أجل صفقات تبرمها تضمن استمرار تمدّد نفوذها على بيروت، آخر أطراف الممرّ الممتدّ من طهران مروراً ببغداد ودمشق.
في علم التفاوض، تعلّمنا من طهران أنّ البلدان الحرّة لا تفاوض بشكل مباشر. علّمتنا فنّ التحادث من غرف متباعدة عبر وسطاء يحملون الرسائل. في ذلك ما يفيد أنّ الحروب تجري بشكل مباشر، وأمّا التفاوض فيتطلّب جدراناً وستائر تغنينا عن التحديق بشجاعة في عيون أعدائنا. تعلّمنا إيران هذه الأيّام أنّ البلد، بعد أن يمعن العدوّ في تدميره والفتك به والتهديد بمحو حضارته، يذهب برشاقة، وعلى أعلى المستويات، إلى التفاوض المباشر من دون رمشة عين.
لا يملك لبنان موازين قوى تسهّل نجاحه في خوض المفاوضات بعدما أضعف سلاح طهران في البلد أوراقه
مغامرة لا مقامرة
بعدما شنّت إسرائيل حربها المدمّرة ردّاً على عمليّة “إسناد غزّة”، زارت قيادات إيرانيّة مثل محمّد باقر قاليباف وعبّاس عراقجي وعلي لاريجاني لبنان، معاً أو تباعاً، وتطوّعوا، بشكل أو بآخر، من طهران أو بيروت، بإعلان أنّ أيّ تهدئة في لبنان عنوانها في إيران. استغربوا لاحقاً أن يسمعوا من العهد الجديد “وقاحة”، على لسان رئيسَي الجمهوريّة والحكومة، مفادها عدم القبول بتدخّل إيران في شؤون البلد. حتّى حين أعلن الرئيسان، قبل أيّام، كلّ على طريقته، أنّ لبنان هو الذي يفاوض باسم لبنان، انطلقت منابر حزب إيران في لبنان تستهجن وتستنكر وتدين.
يقرّر لبنان أنّه ليس محافظة إيرانيّة تقرّر طهران مواعيد حياته وموته. يقرّر لبنان أن يفاوض سعياً لإنهاء كارثة السلاح الذي تحرّكه طهران وفق توقيتها. قرّر ألّا يكون “آخر الناس”. قرّر الإمساك بملفّه من دون وصايات، وأن يتحرّى تحقيق مصالحه بعيداً عن أجندة الوصايات والممرّات. قرّر أن يلتحف ببيئة عربيّة حاضنة داعمة، وأن يتدثّر بعواصم دوليّة كبرى بسطت مظلّة حماية ورعاية فوق رأسه. لا يفاوض لبنان للقبول بأيّ شروط، ولا يفاوض من أجل شروط الآخرين. يمسك البلد بمصيره أوّلاً لوقف مهزلة الخروج عن خرائط المنطق ومسارات المشهد الدوليّ الأخير.
يغامر لبنان، لكنّه لا يقامر. ستجري المفاوضات بالتوازي، وربّما بالتكامل، وربّما أيضاً بمسارات متّصلة مع المفاوضات مع إيران التي ستحصل في إسلام آباد. فقدت إيران ورقة لبنان نهائيّاً، حتّى لو طاب لحزبها إطلاق ضجيجه الأبجديّ أو الناريّ من أجل مناورات التشاطر على الطاولة الباكستانيّة. تذهب إيران لتفاوض مباشرة بشكل شفّاف “الشيطان الأكبر”. قد لا يكون غريباً أن توقّع معه صكّ الوفاق، فيما سيطول تفاوض لبنان مع ذلك “الأصغر”، تحرّياً لمآلات تضمن للبلد مساراً مستقلّاً، حتّى لو لم تصل المفاوضات إلى خواتيم حميدة في المدى المنظور.
لا يملك لبنان موازين قوى تسهّل نجاحه في خوض المفاوضات بعدما أضعف سلاح طهران في البلد أوراقه. قد لا تحمل المفاوضات ترياقاً شافياً وفق ذلك المعطى. للدولة قرارها في الذهاب إلى ذلك الخيار أو تعليقه أو التراجع عنه أو المضيّ فيه، وفق حسابات لبنان ومصالحه، وإن كان في لبنان من لا يزال يُقسم بالدويلة وسلاحها، فذلك بات لا يستحقّ الردّ أو التعليق.
- أساس ميديا



























