لم يعد الحديث عن استهداف تركيا إسرائيلياً وأمريكياً مجرد نظرية مؤامرة، بل أصبح الكلام الآن فوق الطاولة وعلى لسان كبار المسؤولين الأتراك كوزير الخارجية حقان فيدان الذي قال بعظمة لسانه قبل أيام: “إن إسرائيل لا تستطيع أن تعيش من دون عدو خارجي مصطنع، ولهذا فهي ستعادي تركيا بعد الانتهاء من مواجهة إيران”. فهل تنظر إسرائيل لتركيا وإيران ككتلة حضارية واحدة، وليس كحضارتين عدوتين مختلفتين؟ قد يغيب عن ذهن الكثيرين أن إيران، وعلى مدى حوالي ألف عام كانت مجالاً حيوياً تركياً، وأن الدولتين متداخلتان ومترابطتان إلى حد مذهل على ضوء الدراسات التاريخية.
على مدار ما يقارب عشرة قرون متواصلة، خضعت إيران لحكم سلالات ذات أصول تركية، قبل أن تنتقل السلطة إلى أسرة بهلوية ذات جذور فارسية في عام 1925م، أي قبل مائة عام فقط. ويذكر موقع “تاريخ بوست” أن هذه الحقيقة التاريخية التي كثيراً ما تغيب عن الخطاب الشعبي وتُهمَّش في الروايات الرسمية، تكشف عن عمق العلاقة التي تربط الحضارتين التركية والإيرانية، وتعيد رسم صورة أكثر تعقيداً لمسار تشكّل الهوية الوطنية الإيرانية عبر العصور. فكيف حكم الأتراك إيران لهذه المدة الطويلة، وما الذي تركوه خلفهم؟
بدأت رحلة الحكم التركي لإيران مع الدولة الغزنوية في عام 962م، حين أسس سبكتكين دولةً إسلامية تركية اتخذت من غزنة في أفغانستان الحالية عاصمةً لها، وبلغت ذروتها في عهد السلطان محمود الغزنوي الذي اشتُهر بحملاته العسكرية الموسعة ورعايته للعلم والأدب. وعلى هذا الأساس المتين، جاءت الدولة السلجوقية (1037 – 1194م) لتُقيم أولى الإمبراطوريات التركية الكبرى التي نجحت في توحيد إيران وغرب آسيا ووسطها تحت سلطة مركزية راسخة، وكان طغرل بك مؤسسها، فيما بلغت أوج ازدهارها في عهد السلطان ملكشاه الأول الذي شهد عصره نهضة علمية وعمرانية واسعة. ثم جاءت الدولة الخوارزمية (1077 ـ 1231م) لتمد نفوذها التركي على مساحات شاسعة من إيران، غير أنها انهارت انهياراً مدوياً أمام موجة الغزو المغولي الجارف بقيادة جنكيز خان، لتطوي معها فصلاً من أكثر فصول التاريخ الإيراني حيويةً وتأثيراً.
يكشف هذا الإرث التاريخي المتشعّب أن العلاقة بين الأتراك والإيرانيين ليست مجرد جوار جغرافي أو تشابك مصالح آني، بل هي شراكة حضارية متجذرة
ومع مطلع القرن الخامس عشر، أضاف تيمورلنك صفحة جديدة إلى هذا السجل التركي حين أسس دولته التيمورية (1370 ـ 1506م)، تلك السلالة التي جمعت في أصولها بين الإرث التركي والمغولي معاً، وسرعان ما انحازت إلى الثقافة التركية لتحكم إيران من سمرقند ثم هراة، وتجعل منهما منارتين للحضارة الإسلامية. وفي الحقبة ذاتها، اشتعل التنافس بين اتحادين قبليين تركمانيين على السيطرة؛ فقرا قويونلو أو “أصحاب الخرفان السود” (1375 ـ 1468م) حكموا إيران من تبريز وكانوا شيعيي المذهب، في حين نافسهم الآق قويونلو أو “أصحاب الخرفان البيض” الذين بسطوا نفوذهم على رقعة جغرافية أوسع تمتد من الأناضول إلى العراق وإيران وأذربيجان، وذاع صيت حاكمهم أوزون حسن في أرجاء المنطقة.
بيد أن الدولة الصفوية (1501 ـ 1736م) تبقى من أكثر الفصول التاريخية تعقيداً وإثارةً للجدل في آنٍ واحد؛ فمن ناحية، يُنسب إليها الفضل الأول في بناء الهوية الإيرانية الحديثة وترسيخ المذهب الجعفري الشيعي ديناً رسمياً للدولة، مما أعطى إيران طابعها المميز الذي لا يزال قائماً حتى اليوم. ومن ناحية أخرى، تعود أصول الصفويين ونخبتهم العسكرية المعروفة بالقزلباش إلى قبائل تركية أذربيجانية خالصة. وقد دخل الصفويون في صراع مسلح مطوّل ومرير مع الخلافة العثمانية السنية، فكانت المعارك الدامية بين الدولتين التركيتين تُعيد رسم خرائط المنطقة مرة بعد مرة. وعقب أفول نجم الصفويين، أسس نادر شاه الدولة الأفشارية (1736 ـ 1796م) منتسباً إلى قبيلة أفشار التركية الأوغوزية، قبل أن يُسدل القاجاريون (1796 ـ 1925م) الستار نهائياً على هذا المسلسل الطويل، بوصفهم آخر السلالات ذات الأصول التركية التي تربّعت على عرش إيران.
انتهى هذا التسلسل التاريخي المتواصل حين أطاح رضا شاه بهلوي، في انقلاب عسكري حظي بدعم بريطاني واضح، بآخر شاهات القاجار عام 1925م، ليُعيد الحكم لأول مرة منذ نحو ألف عام إلى سلالة ذات جذور فارسية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه القرون الطويلة لم تخلُ من فترات حكم غير تركية، إذ شهدت إيران الحكم المغولي في عهد الإيلخانات، فضلاً عن الدولة الزندية القصيرة في القرن الثامن عشر التي كانت ذات أصول لورية إيرانية.
ثمة مفارقة لافتة تطبع هذه الحقبة الطويلة وتجعلها فريدة في التاريخ؛ فرغم أن الحكام كانوا أتراكاً في أصولهم العرقية وقوتهم العسكرية، إلا أنهم تبنّوا اللغة والثقافة الفارسية أدواتٍ للإدارة والأدب والفن والشعر، فيما بات يُعرف في أدبيات التاريخ بـ”التقاليد التركو-فارسية”. وقد أفرز هذا التمازج الحضاري الفريد تأثيراً متبادلاً عميقاً لا يزال ماثلاً في اللغة والثقافة التركية حتى اليوم، من المفردات المشتركة إلى الموروث الأدبي والفني المتشابك.
لم تنتهِ الحكاية مع سقوط القاجاريين وقيام الدولة البهلوية؛ إذ تشكّل الشعوب والقوميات التركية حتى اليوم نحو ربع إجمالي سكان إيران، يتوزعون بين الأذريين والتركمان وأتراك خراسان والقشقاي وأتراك الخلج والأفشار وسواهم، منقسمين دينياً بين المذهب السني الحنفي والمذهب الشيعي الجعفري. وثمة من يرى أن النفوذ التركي الأذري لا يزال فاعلاً وحاضراً في مفاصل الدولة الإيرانية حتى في عصرنا الراهن؛ فالمرشد الإيراني السابق علي خامنئي ينتمي وفق مصادر عدة إلى أصول تركية أذرية، وكان يتحدث التركية بطلاقة إلى جانب الفارسية والعربية. كما ينتسب الرئيس الإيراني الحالي مسعود بزشكيان إلى القومية التركية الأذرية، مما يجعل الحضور التركي في قمة الهرم السياسي الإيراني حقيقة راهنة لا مجرد ذكرى تاريخية.
يكشف هذا الإرث التاريخي المتشعّب في نهاية المطاف أن العلاقة بين الأتراك والإيرانيين ليست مجرد جوار جغرافي أو تشابك مصالح آني، بل هي شراكة حضارية متجذرة امتدت لآلاف السنين، نسجت بين الشعبين روابط ثقافية ولغوية وإنسانية لا تمحوها الحدود السياسية ولا تُخفيها الروايات الرسمية. وفي ظل الهيمنة الفارسية التي تبدو ظاهرياً على المشهد الإيراني اليوم، يظل الإرث التركي حاضراً في عروق هذا البلد العريق، شاهداً صامتاً على ألف عام من التاريخ المشترك.
هل يا ترى كان الرئيس الأمريكي ترامب إذاً يمزح عندما لوّح قبل أيام بمحو الحضارة الفارسية، أم أنه كان يعي ما يقول؟ وإذا كانت الحضارتان التركية والفارسية قد ظلّتا متداخلتين على مدى قرون كما رأينا، فهل يمكن أن نفهم من ذلك أن واشنطن وتل أبيب بدأتا تنظران إلى طهران وأنقرة بمنظار واحد، خاصة في ظل التهديدات الإسرائيلية التي بدأت تمتد من إيران إلى تركيا، والتصريحات الأمريكية التي استهدفت الحضارة الفارسية مؤخراً بشكل صارخ؟
٭ كاتب واعلامي سوري
- القدس العربي





















