ثمة مشترك غير مرئي بين واقعتي زيارة الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط دمشق وحديث الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله التلفزيوني حول المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، أو ربما أكثر من مشترك واحد. فقد ترقب اللبنانيون مشهد جنبلاط مصافحاً الرئيس السوري بشار الأسد بعد خصومة مريرة، لكن المشهد لم يُباغتهم، اذ انهم ينتظرونه منذ أشهر. وعلى رغم ذلك مثل لهم اللقاء مناسبة للتلصص والتدقيق ولم يجُد عليهم التلفزيون السوري بأكثر من تسع ثوانٍ من مدة اللقاء الذي استمر 90 دقيقة.
أما مشهد نصرالله متحدثاً عن المحكمة الدولية فحمل انتظار اللبنانيين له قدراً من غريزة التلصص أيضاً. فالكلام الكثير الذي يدور في الكواليس اللبنانية عن التحقيق الدولي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والذي يتضمن معلومات وإشاعات عن استدعاء عناصر من حزب الله للتحقيق معهم، خلّف رغبة لدى اللبنانيين في اختباره وقياس ارتداداته في أوساط الحزب، وترافق ذلك مع حملة إعلامية وسياسية مفادها ان السيد سيقلب ظهر المجن، وسيكون كلامه تصعيدياً ومشابهاً لمؤتمره الصحافي الذي سبق حملة حزب الله العسكرية والأمنية على بيروت في 7 ايار (مايو) 2008، مما ولد حاجة الى سماع صوت الحزب ومعاينة وجه أمينه العام متكلماً عن المحكمة. لكن كلامه لم يحمل تصعيداً على نحو ما سرب إعلاميون وسياسيون قريبون منه قبل حديثه التلفزيوني.
أما المشترك السياسي بين الحدثين (جنبلاط – نصرالله) فهو انهما حصلا على وقع تسوية اقليمية واحدة، ومثلما تُفسر التسوية زيارة جنبلاط دمشق، فهي تُفسر أيضاً ميل نصرالله الى التهدئة في ملف من المفترض ان يثير في الحزب درجة غضب أعلى من تلك التي أثارتها الوقائع التي سبقت 7 أيار. وهو أمر كان من المفترض بمتوقعي الكلام التصعيدي أخذه على محمل الجد قبل توقعهم التصعيد، اذ إننا في لبنان عدنا الى مربع التوازن في التنازل، والنفوذ السوري المتجدد لا يمكنه الضغط في اتجاه واحد.
من الآن وصاعداً علينا ان نقيس توقعاتنا وفق تلك التسوية، لا وفق المعطيات التي تجمعت أثناء اختلالها. فـ7 أيار حصلت في حقبة اختلال التسوية، وفي مرحلة كانت فيها الأطراف الإقليمية في لحظة نزاع كبرى، وبناء على ذلك يبدو ان ثمة لغة ما عادت تصلح للتخاطب والتوقع. ويبدو ان هذا هو الوجه الآخر لمأزق اللغة الذي كابدته «14 آذار» في أعقاب التسوية مباشرة. فمثلما لم تتمكن اللغة «الـ14 آذارية» من التكيف مع الواقع الجديد، سقطت اللغة «الـ8 آذارية» في فخ المبالغة بما سيقوله أمينها العام.
لنتخيل مثلاً ان نصرالله قال كلاماً مختلفاً، كأنْ يتحدث عن «7 أيار جديد» على نحو ما سُرب قبل حديثه التلفزيوني. كيف كان سيُصرّف هذا الكلام في ضوء زيارة سعد الحريري دمشق في الأيام القليلة المقبلة، أو في ضوء تسوية اقليمية سبقت الزيارات والمصالحات. فالكلام لو جاء وفق توقعات من توقعوا، كان سيشير الى ان ثمة خللاً، وان طرفاً غير قادر على الضبط، وان سورية ليست الجهة التي يمكن مفاوضتها على الوضع اللبناني.
لكن، وعلى رغم كل ما سبق، يبقى ان ثمة منطقة ما زالــت غامضة في التسوية، وهي تماماً ما يثير في مخيلة اللبنانيين من صور غير واقعية وغير مستبطنة الكثير من الوقائع المستجدة. ومنطقة الغموض هي تلك المتعلقة بالمحكمة الدولية، اذ ان التسوية تمت بين أطراف من المفترض ان لا تكون المحكمة ضمن دائرة نفوذهم أو قدرتهم على ضبطه في توازناتهم، وبالتالي فإن ما سينجم عن إصدارها قراراً ظنياً من تداعيات، يبقى ضمن دائرة عجز اللبنانيين عن توقعه.
نحن الآن في لبنان أمام استحقاق لطالما أقدمنا على تأجيله، وهو استحقاق المحكمة الدولية. لكن ثمة مؤشرات طفيفة في هذا السياق، وهــــي تؤكــــد ان التسوية لم تشمل، علــــى ما يبدو، المحكمة، انما شملت ضبطاً موقتاً لتبعاتها. فوليد جنبلاط عاد من دمشق وعقد مؤتمراً صحافياً ألمح فيه الى ضرورة التشاور حول «استقرارٍ متواز مع العدالة»، وفي اليوم نفسه التقى رئيس الحكومة سعد الحريري أعضاء نقابـــة الصحافـــة وقال أمامهم: «المحكمة الآن في يد المجتمع الدولي… وعلينا التعاون معها لأن الحقيقة عامل كبير من عوامل استقرار لبنــــان». الفارق واضح بين التصريحين، ويبدو انه جوهر السياسة في لبنان في المقبل من الأيام.
لا شك ان أطـــرافاً متباينــــة تستعـــد لاستقـــبال حدث المحكمة، وان أطرافاً أخرى تتخبط في احتمالاته. لكن كما كانت تبعات القرار الدولي الرقم 1559 لبنانية في حين كان المستهـــدف الرئيسي بالقرار غير لبناني، يبدو أننا اليوم في صدد توطين حدثٍ جديد في مستنقع أزماتنا!
الحل، كما تقترحه 8 آذار، أو ما تبقى منها، هو رفض كل القرارات الدولية والعيش بعزلة والاكتفاء بدفء العلاقة مع دمشق وطهران. وهو، كما تقترحه 14 آذار، أو ما تبقى منها، يتمثل باستقبال القرارات الدولية من دون الاكتراث بانعكاساتها الداخلية.
من المؤكد أننا لا نستطيع مقاومة العالم والعيش في عزلة عنه، ناهيك عن أن أكثرية اللبنانيين لا يرغبون في ذلك وهم محقون. لكن يجب ان نباشر التفكير في كيفية التخفيف من الخسائر، لا سيما واننا جميعاً من دون استثناء غير بريئين من الواقع الذي نكابد.
"الحياة"




















