نجت الجمهورية الإسلامية… والآن تبدأ المهمة الأصعب
يفتح إطار وقف النار الأميركي الإيراني الآخذ في التشكل الباب أمام سؤال يخدع ببساطته الظاهرة: من ربح الحرب؟ لكنه أيضا السؤال الخطأ. لم تهزم إيران الولايات المتحدة وإسرائيل، ولم تسقط الجمهورية الإسلامية تحت الضغط العسكري. ما يهم الآن هو ما نجحت طهران في الحفاظ عليه، وما خسرته نهائيا، وما إذا كان بوسع نظام منهك أن يحول هدنة تفاوضية إلى بقاء سياسي من دون إطلاق العنان للتوقعات الشعبية التي أمضى سنوات في قمعها.
يرتكز الإطار المتداول على تمديد وقف النار، وإعادة فتح مضيق هرمز، وتخفيف بعض القيود على مبيعات النفط الإيراني والموانئ الإيرانية، وترك النزاع النووي لمفاوضات لاحقة. لذلك حققت إيران مكسبا حقيقيا: فبعدما استوعبت هجوما استثنائيا، أجبرت الولايات المتحدة على التفاوض بشأن الضغط الاقتصادي والبحري الذي ظلت طهران قادرة على فرضه. لكن ذلك ليس انتصارا، بل موقف تفاوضي لدولة جريحة احتفظت بما يكفي من القدرة على التعطيل لمنع أعدائها من إملاء الشروط من جانب واحد.
كان أهم نجاح لإيران داخليا. فقد خسرت زعيمها الأعلى، علي خامنئي، في ضربة إسرائيلية. وتعرضت لهجمات داخل أراضيها، ولأضرار لحقت بأصول استراتيجية، ولإهانة تمثلت في مقتل زعيم جسد النظام لأكثر من ثلاثة عقود في طهران. ومع ذلك، لم يفقد النظام السيطرة على البلاد. صمدت المؤسسات الأمنية، ولم يظهر انقسام حاسم داخل النخبة الحاكمة، وسارعت الدولة إلى تنصيب مجتبى خامنئي خلفا لوالده.
(أ.ف.ب)رجل يجلس أمام صورة للزعيم الإيراني مجتبى خامنئي في ساحة ونك بطهران، 10 يونيو 2026
كان مجتبى خامنئي يعد منذ وقت طويل خليفة محتملا، وبنى علاقات وثيقة مع “الحرس الثوري”، الذي قيل إنه دفع رجال دين مترددين إلى تأييده بعد وفاة والده. لذلك، من المضلل تصوير صعوده على أنه نتاج الحرب، أو دليل على أن الضغط العسكري دفع فجأة نظاما كان في الأصل أكثر مرونة إلى التشدد. لقد سرعت الحرب عملية الخلافة، لكنها لم تخترع الخليفة. وبمعنى أوسع، لم تسلم السلطة إلى متشددي إيران، بل كشفت مدى إحكام قبضتهم عليها بالفعل.
من المضلل تصوير صعود “الحرس الثوري” ومجتبى خامنئي على أنه نتاج الحرب واعتبار أنها دفعت فجأة نظاما كان مرنا إلى التشدد
لهذا تبدو الادعاءات بأن الحرب جعلت إيران أكثر تشددا غير مقنعة. فقد كان من يوصفون بالمعتدلين في الجمهورية الإسلامية قد فقدوا القدرة على توجيه مسارها الاستراتيجي قبل وقت طويل من الضربة الأولى. لم تنتج مواجهة إيران مع إسرائيل والولايات المتحدة عن صعود مفاجئ لفصيل متطرف كان مستبعدا في السابق، بل جاءت ذروة لقرارات اتخذتها نواة النظام: مكتب “المرشد الأعلى”، و”الحرس الثوري”، والشبكة الأمنية الأوسع. وكان بوسع المسؤولين الذين يوصفون عادة بالبرغماتيين أن يحذروا من سياسات متهورة، أو يفاوضوا على تراجعات تكتيكية، أو يديروا تبعاتها، لكنهم لم يعودوا قادرين على منعها.
مع ذلك، لا ينبغي الخلط بين استمرار النظام وقوته. فقد كفل تعيين مجتبى خامنئي بقاء المؤسسات، لكنه جسد أيضا انكماش الجمهورية الإسلامية. فنظام تأسس على معارضة الملكية الوراثية رد على اغتيال زعيمه بنقل السلطة إلى ابنه، تحت رعاية واضحة من “الحرس الثوري”. وما بدا في الخارج صمودا قد يفهم في الداخل على نحو أقل مجاملة: تحول الجمهورية الثورية إلى منظومة عائلية أمنية محمية.
خسرت إيران أيضا واحدة من الركائز الأساسية في استراتيجيتها الإقليمية: افتراض أن الحرب يمكن أن تبقى بعيدة عن الأراضي الإيرانية. على مدى عقود، استثمرت طهران بكثافة في “حزب الله”، والميليشيات العراقية، والحوثيين، وشركاء مسلحين آخرين، وكان ذلك جزئيا لجعل أي هجوم مباشر على إيران باهظ الكلفة إلى حد يمنع حدوثه. لم يكن الهدف تهديد إسرائيل والقوات الأميركية والجيران العرب فحسب، بل إنشاء عمق استراتيجي تبقى إيران نفسها محصنة خلفه.
(أسوشييتد برس)أشخاص يراقبون تصاعد الدخان فوق أفق العاصمة الإيرانية طهران عقب غارة، 28 فبراير 2026
لكن ذلك التحصين انكسر. فقد تعرضت إيران لهجوم مباشر وعميق. وقتل زعيمها. وثبت أن بنيتها العسكرية والسياسية قابلة للاختراق. ولم يكن حلفاؤها بلا أهمية: فقد وسعوا نطاق المواجهة، وفرضوا أكلافا، وأسهموا في زعزعة الاستقرار الإقليمي. لكنهم لم يمنعوا الهجوم على إيران نفسها، ولم يفرضوا ثمنا كافيا لوقفه. لم تنتج شبكة الوكلاء سوى التعطيل، لا الحصانة. وبالنسبة إلى نظام برر إنفاقا إقليميا هائلا بأنه ثمن إبقاء الحرب بعيدة عن حدود إيران، يعد ذلك إخفاقا استراتيجيا خطيرا.
خسرت طهران واحدة من ركائز استراتيجيتها: افتراض أن الحرب يمكن أن تبقى بعيدة عن الأراضي الإيرانية
أظهر مضيق هرمز قوة إيران المتبقية وحدودها في آن واحد. لم تكتشف طهران هذه الورقة فجأة أثناء الحرب، إذ كان تهديد حركة الملاحة البحرية متاحا دائما. ما تغير هو استعدادها، تحت ضغط شديد، لاستخدامها على نطاق عطل إمدادات الطاقة العالمية. وبذلك، أظهرت إيران أن نظاما متضررا لا يزال قادرا على إلحاق أذى يتجاوز حدوده بكثير. ويبدو أنها أجبرت واشنطن أيضا على السعي إلى إعادة فتحه عبر التفاوض، بدلا من الاعتماد على العمل العسكري وحده.
لكن هرمز لم يكن انتصارا بلا كلفة. فقد أدى تقييد الحركة في المضيق إلى تعميق عزلة إيران، والإضرار بمصالح الدول المجاورة، وتوفير ذريعة للولايات المتحدة لفرض حصارها على الموانئ الإيرانية. وصلت إيران إلى طاولة المفاوضات ليس لأنها وجدت سلاحا سحريا، بل لأن ذلك السلاح وصل إلى مرحلة بدأ مردوده يتراجع. كان بوسعه أن يجعل الحرب مكلفة للآخرين، لكنه لم يكن قادرا على تحويلها إلى انتصار إيراني.
والآن تبدأ المهمة الأصعب. فقد يمنح تخفيف العقوبات- إذا أصبح جزءا من اتفاق نهائي- الاقتصاد الإيراني دفعة قصيرة الأمد. وقد يسهم ارتفاع صادرات النفط، والوصول إلى الأصول المجمدة، وتيسير المعاملات التجارية، في استقرار العملة، وتحسين مالية الدولة، والسماح للقيادة الجديدة بأن تقدم نفسها على أنها حققت انفراجة اقتصادية من دون استسلام. وبالنسبة إلى نظام يخرج من حرب ومرحلة خلافة، تكتسب مساحة التنفس هذه أهمية كبيرة.
(أسوشييتد برس)عنصر من البحرية الأميركية يوجه مروحية “سي هوك” على متن حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” في المحيط الهندي، 21 يناير 2026
لكن هذا الانفراج ينطوي أيضا على خطر سياسي. فقد خدمت العقوبات الجمهورية الإسلامية طويلا بما يتجاوز كونها عبئا اقتصاديا، إذ مثلت لها التفسير الأكثر ملاءمة للفشل. أتاحت للحكام تحميل الأعداء الخارجيين مسؤولية التضخم، والبطالة، وتراجع مستويات المعيشة، وتآكل الحياة اليومية. ومن المؤكد أن العقوبات ألحقت ضررا بإيران، لكنها ساعدت أيضا في إخفاء الضرر الذي أنتجه النظام نفسه: الفساد، والمحسوبية، والمؤسسات والصناديق المعتمة، والشركات المرتبطة بـ”الحرس الثوري”، وهدر الموارد، واقتصاد يقوم على الولاء السياسي لا على الرفاه العام.
أظهر النظام الإيراني حين تضرره أنه لا يزال قادرا على إلحاق أذى يتجاوز حدوده بكثير
لذلك، ستواجه حكومة إيرانية في مرحلة ما بعد الحرب معضلة دقيقة. عليها أن تحقق تحسنا اقتصاديا ملموسا بما يكفي لتهدئة مجتمع منهك، ومكافأة مؤيديها، وتمويل المؤسسات التي تحميها. لكنها يجب أن تتجنب رفع التوقعات بسرعة تدفع المواطنين إلى التساؤل عن سبب عدم تحول تخفيف العقوبات إلى رخاء ملموس في حياتهم اليومية. فبمجرد أن تضعف الذريعة الخارجية، تنتقل المساءلة إلى الداخل. وقد يبدأ الإيرانيون بالسؤال، ليس عما فعلته واشنطن باقتصادهم، بل عما فعله حكامهم، الذين بقوا على قيد الحياة وورثوا المؤسسات التي بنوها، بثروة البلاد.
هنا تحديدا تكمن أكبر نقطة ضعف لدى النظام. فخلال هجوم خارجي، سيتردد كثير من الإيرانيين الذين يمقتون الجمهورية الإسلامية في الانتفاض ضدها. تولد الحرب خوفا، ونزعة وطنية، ورفضا طبيعيا للظهور بمظهر من يساعد القصف الأجنبي. كما تمنح الجهاز الأمني ذريعة لاعتقال المعارضين وملاحقة من يزعم أنهم جواسيس. لكن لا ينبغي الخلط بين هذا الصمت المفروض وتجدد الشرعية. فبمجرد أن تتوقف القنابل عن السقوط، وتتلاشى حالة التعبئة الوطنية، وتصطدم الوعود الاقتصادية بواقع نظام سياسي فاسد، يمكن أن تعود المظالم القديمة بقوة أكبر.
لذلك خرجت إيران من الحرب بلا انتصار ولا هزيمة. خسرت زعيمها القديم، وادعاءها الحصانة الاستراتيجية، وقدرا كبيرا من صدقية عقيدة الاعتماد على الوكلاء. لكنها احتفظت بالسيطرة على البلاد، وحافظت على النظام، وأظهرت ما يكفي من أوراق الضغط القسرية والاقتصادية لدفع الأطراف الأخرى إلى التفاوض.
(رويترز)إطلاق صاروخ خلال مناورة عسكرية في جنوب إيران، 17 فبراير 2026
غير أن النجاة لم تكن سوى إرجاء للمحاسبة الأعمق. فالتحدي المقبل للجمهورية الإسلامية لم يعد يقتصر على الصمود في وجه الضغوط الأميركية والإسرائيلية، بل بات إقناع مواطنيها بأن النظام نفسه الذي قاد إيران إلى الكارثة، بعد كل سفك الدماء والتضحيات والانفراج الموعود، يمكن أن يؤتمن على إعادة بنائها. ويمكن أن يثبت ذلك أنه أصعب من النجاة من الحرب نفسها.
- المجلة






















