ضمن إطار سياسة “صفر مشكلات” التي انتهجتها الإدارة التركية في العقد الأول من القرن الحالي، ومحاولة التقارب مع نظام الأسد قبل الثورة الشعبية ضده، اتجه البلدان إلى إلغاء التأشيرات والموافقة المسبقة لسفر مواطني البلدين فيما بينهما، ووسط توسيع التعاون في مجالات النقل والتجارة والطاقة، وردت فكرة جيوسياسية على لسان الرئيس التركي السابق عبد الله غول، طرحها في زيارة إلى دمشق، تقوم على تكوين فضاء إقليمي يحقق التواصل بين البحر المتوسط والخليج العربي والبحر الأسود وبحر قزوين، عقدة مواصلاته تمر عبر سورية وتركيا والأردن والعراق، لتصبح واسطة عبور ونقل سلس، تتضمّن المنقولات الطاقة بالدرجة الأساسية وبقية المواد التجارية، ما يحوّل المنطقة إلى سوق استثمارية عملاقة… الجوهر الموضوعي للمشروع ممرّات برّية تعبرها سكك حديدية وأنابيب نقل للنفط والغاز، وطرق مواصلات سريعة، تحقق وحدة تجارية وتكاملاً اقتصادياً.. يحمل المشروع طموحاً اقتصادياً وسياسياً كبيراً، حيث يخفّف الضغط عن الممرّات التجارية التقليدية، مثل قناة السويس ومضيق هرمز، وتتحوّل سورية وتركيا إلى ما يشبه الممرّ الإجباري بين منطقة الخليج وآسيا إلى أوروبا، وكانت حرّية التنقل بين سورية وتركيا وإلغاء الإجراءات الروتينية من معالم ذلك المشروع، ولكن التحفّظات السورية، ومن ثم تبدل المناخ السياسي والأمني بين البلدين، وضعت الفكرة كلها على الرفّ.
خلال الحرب في إيران واشتعال منطقة الخليج كلها، طفا على السطح اسم مضيق هرمز، بعد أن تقلصت حركة الشحن عبره، وظهر تهديد حقيقي لخط نقل الطاقة المهم الذي يمرّر ربع الحاجة النفطية العالمية، وبعد أن تأكّدت الدول أن إيران تعتبر المضيق ورقة رابحة يمكن العبث بها بسهولة لتحقيق مكاسب عسكرية، ومع الارتفاع السريع لأسعار النفط ومشتقّاته، عاد الحديث عن فكرة الرئيس غول والبحار الأربعة، لأهدافٍ أهمّها تخفيف الاعتماد على المنافذ التقليدية بإيجاد واقع لوجستي جديد تكون سورية وتركيا في موضع القلب فيه. وكان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في زيارة إلى تركيا بداية إبريل/ نيسان الجاري، قال إن سورية تشاطر تركيا رؤية مشروع البحار الأربعة. وقبل هذا كانت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية قد طرحت مبادرة أربعة زائد واحد لتخليق ممرّات برّية بديلة وآمنة للنقل، بإنشاء شبكة قطارات سريعة، وإحياء سكة الحديد الحجازية، وإعادة خطوط التابلاين إلى الحياة، والمبادرة التي يجرى تداولها إعلامياً تبدو مكمّلة لمشروع البحار الأربعة.
يتفاعل المشروع ويجرى تداول أفكاره في الصحافة، ويقدّمه محللون كأنه مفتاح شيفرة قادر على أن يكون بديلاً ممتازاً بعد الهشاشة التي بدا عليها الحال في هرمز وباب المندب، لكن ما يتحدّث عنه السياسيون مربوط بالاستقرار الأمني في الإقليم وإعادة الإعمار، ويبدو ما يقدّمونه أقرب إلى التصريحات الصحافية غير المقرونة بخطواتٍ إجرائيةٍ واضحة، فهناك تداخل وتوتر أحياناً بين الدول التي يمكن أن تكون طرفاً أو عنصراً مؤثّراً في المشروع، بينما يُدفع بمثل تلك الأفكار بشكل يترافق مع تشجيع تركي واضح.
لا يقع المشروع ضمن قائمة المستحيلات، ولكنه في الواقع يصطدم بعقباتٍ يمكن تمييزها، منها طبيعة الدول المرشّحة للدخول ضمن الاتفاقية، كسورية والعراق، ولهما جبهاتٌ رخوة، وما زالتا تحاولان تلمّس طريقهما في ترسيخ بنيتهما الداخلية. ويحتاج الاتفاق إلى تنسيق إيراني وتركي، بالإضافة إلى تفهّم عرب الإقليم، والمطلوب من هذا التفهم أن يكون قوياً وذا نفس طويل. وربما العقبة الكبيرة، والتي يجب العمل عليها بقوة، جذب الاستثمار اللازم لإقامة البنية اللوجستية التي يتبنّاها المشروع. أما النتيجة فيما لو تحقق هذا، فهي كفيلة بجعل سورية شرياناً نابضا لكامل المنطقة، ويمكن أن يحوّل هذا البلد من خط تماسّ شائك إلى جسر عبور يحمل منافع، كتحصيل الرسوم وإقامة الاستثمارات والطرق ومحطات النقل من مطارات وموانئ، وفوق ذلك كله، وزن سياسي كبير وثقل إقليمي راجح.
- العربي الجديد























