بالرغم من فرض التسعير بالليرة السورية في إدلب، لا تزال معظم عمليات البيع تُنجز بالليرة التركية أو الدولار، في مشهد يعكس فجوة واضحة بين القرار الرسمي وواقع السوق. فمع تعدد العملات وتقلّب أسعار الصرف وفقدان الليرة السورية 90 في المئة من قيمتها، يجد السوريون أنفسهم أمام معادلة معقدة، حيث تعرض الأسعار بعملة، وتدفع بأخرى، فيما تبقى القيمة الحقيقية رهينة التغيّرات اليومية.
ويوضح الأكاديمي والباحث الاقتصادي حيان حبابة، أن هذا التحول ترافق مع حالة من التخبط في السوق، خصوصاً أن إدلب بقيت خارج سيطرة النظام منذ العام 2015، واعتمدت إلى حد كبير على السوق الحرة دون رقابة فعلية على الأسعار، ما أدى إلى نشوء بيئة نقدية مضطربة.
ويضيف خلال حديثه لـِ “المدن”، أن استبدال العملة في تلك المرحلة لم يكن خياراً استراتيجياً دائماً، بل تكيفاً اقتصادياً مؤقتاً فرضته الظروف، وهو ما يظهر اليوم مع محاولات إعادة استخدام الليرة السورية، بعد عودتها في الرواتب وبعض القطاعات. إلا أن العامل الحاسم، بحسب حبابة، يبقى فقدان الثقة بالعملة المحلية.
قرار لفرض الليرة السورية
في المقابل، تسعى الجهات الرسمية في إدلب، عبر قرارات رسمية، إلى إلزام المؤسسات العامة والخاصة بإظهار الأسعار بالليرة السورية، باعتبارها العملة المرجعية، في خطوة تهدف إلى توحيد آلية التعاملات المالية وتعزيز الشفافية في السوق، عبر إلزام جميع الفعاليات الاقتصادية بإبراز الأسعار بالليرة السورية بشكل واضح للمستهلك.
وفي هذا السياق، كثّفت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك دورياتها التموينية، لا سيما منذ شهر رمضان، حيث شملت الجولات الأسواق والأفران ومحال بيع المواد الغذائية، مع تنظيم ضبوط بحق المخالفين الذين لا يلتزمون بإظهار التسعيرة بالليرة السورية.
على باب أحد الأفران في ريف إدلب، يقف العم أبو راتب، يقلب بين يديه أوراقاً نقدية من فئات مختلفة: 500 ليرة سورية قديمة، وأخرى من الفئات الجديدة 100 و200، إلى جانب 50 و20 ليرة تركية. تستغرق العملية دقائق طويلة، قبل أن يطلب من عامل الفرن مساعدته في جمع ثمن ثلاث ربطات خبز.
أبو راتب، الذي حصل لتوه على الليرة السورية من أحد محال الصرافة بعد أن استبدلها من الليرة التركية، اضطر إلى هذه الخطوة فقط ليتمكن من شراء الخبز، تنفيذاً لقرار يُلزم التعامل بالليرة السورية داخل الأفران.
مشكلة التسعيرة
يتكرر هذا المشهد يومياً في إدلب وريفها مع بدء تطبيق التعميم بتوحيد العملة، ليعكس جانباً من الإرباك الذي يرافق القرار على أرض الواقع.
في أحد أسواق ريف إدلب الشمالي، رصدت “المدن” دورية تموينية تنظم ضبطاً بحق صاحب متجر بسبب عدم وضعه تسعيرة بالليرة السورية، بالرغم من أن معظم بضائعه كانت مسعرة بالليرة التركية والدولار.
وخلال النقاش، أوضح أحد عناصر الدورية لصاحب المحل أن بإمكانه البيع بأي عملة يريد، لكن بشرط أن تكون التسعيرة الأساسية مكتوبة بالليرة السورية بشكل واضح.
غير أن صاحب المحل يرى أن المشكلة لا تكمن في القرار بحد ذاته، بل في واقع السوق الذي لا يتوافق معه. ويوضح لـِ “المدن” أن معظم الزبائن لا يتعاملون أصلاً بالليرة السورية، وعندما يرون السعر بها، يسألون مباشرة عن قيمته بالليرة التركية، لأنهم ببساطة اعتادوا التعامل بها.
ويضيف أن الليرة السورية سريعة التقلب، وسعرها يختلف بين السوق السوداء والتسعيرة الرسمية، بل وحتى بين منطقة وأخرى، ما يضطره إلى تعديل الأسعار بشكل مستمر، وهو أمر مرهق له وللزبائن.
في الأيام الأولى لصرف الرواتب، تشهد شركات الصرافة في إدلب ازدحاماً ملحوظاً، حيث يسعى الموظفون إلى تحويل رواتبهم فوراً إلى عملات أخرى.
وتقول يسرى، وهي معلمة في مدارس إدلب، إنها تقبض راتبها بالليرة السورية، لكنها تسحبه فور وصوله عبر “شام كاش” وتقوم بتحويله إلى الدولار أو الليرة التركية.
وتوضح لـِ “المدن” أنها مضطرة لذلك، لأنها تدفع إيجار منزلها بالدولار، وأقساط المدارس كذلك، وحتى الجزء الأكبر من مشترياتها اليومية يكون بالليرة التركية، ما يجعل التعامل بالليرة السورية أمراً غير عملي ولا منطقي بالنسبة لها.
بين التطبيق وواقع السوق
يظهر جلياً الفارق بين القرار الرسمي لإعادة التعامل بالليرة السورية وبين سلوك المواطن وحالة السوق، حيث تُعرض الأسعار بالليرة السورية، فيما تتم عمليات البيع الفعلية غالباً بالليرة التركية أو الدولار.
وفي تقييمه لهذه القرارات، يعتبر الباحث الاقتصادي حيان حبابة أن فرض التسعير الكامل بالليرة السورية غير مجدٍ في الوقت الحالي، خاصة في مناطق شمال غربي سوريا، حيث لا تزال الليرة التركية هي الأوسع استخداماً في السوق.
ويرى أن الحالة الأكثر واقعية هي اعتماد تسعير مزدوج بالليرتين السورية والتركية، مع ربطهما بالدولار كمرجعية، لا سيما أن ما بين 70 إلى 80% من السلع في السوق مستوردة وتُسعر أساساً بالدولار.
ويحذر من أن فرض التسعير بعملة واحدة في ظل هذا الواقع قد يؤدي إلى تآكل دخل المواطنين، نتيجة الفروقات بين أسعار الصرف، داعياً إلى الإبقاء على ازدواجية التسعير مرحلياً إلى حين استقرار الليرة السورية.
ويؤكد حبابة أن استعادة الثقة بالليرة السورية لا يمكن أن تتحقق دون استعادة قدرتها الشرائية، وهو ما يرتبط بشكل مباشر بقوة الاقتصاد الوطني وزيادة الناتج المحلي، عبر دعم الإنتاج وإعادة بناء البنية التحتية، وتفعيل قطاعات الزراعة والصناعة والطاقة والثروة الحيوانية والسياحة.
وبين ليرة سورية تفرض على الواجهة، وعملات أخرى تُستخدم في الواقع، يبقى المواطن في إدلب عالقاً بين تسعير لا يعكس السوق، وسوق لا يعترف بالتسعير. وفي خضم هذا التداخل، لا يسعى كثيرون إلى فهم السياسات النقدية بقدر ما يحاولون ببساطة تأمين احتياجاتهم اليومية وسط فوضى لا تبدو قريبة من الاستقرار.
- المدن
























