ليست كل لحظة احتكاك في الفضاء العام دليلاً على انهيار النظام، كما أن الامتناع عن القمع، لا يعني بالضرورة وجود تواطؤ خفيّ. ففي المجتمعات الخارجة من صراعات طويلة، تصبح قراءة الوقائع مسألة دقيقة وحساسة، لأنها لا تتعلّق بما جرى فقط، بل بكيفية تفسيره، وبالنتائج السياسية التي تُبنى على هذا التفسير.
ما شهدته الساحات في دمشق مؤخّراً، يكشف هذه الإشكالية بوضوح. فبدلاً من التعامل مع الحدث بوصفه حالة مركبة تتداخل فيها عوامل اجتماعية وسياسية وأمنية، جرى اختزاله بسرعة ضمن قوالب تفسير جاهزة، تفترض أن كل ما يحدث، هو جزء من بنية متكاملة لإنتاج التوتر وإدارته.
هذه المقاربة قد تبدو جذّابة ببساطتها، لكنها تفقد قيمتها التحليلية عند التدقيق، فهي تنطلق من فرضية وجود تصميم مركزي لكل تفصيل، وتتجاهل احتمالاً أكثر واقعية: إن المجال العام في المجتمعات المتوتّرة، يتحرك ضمن توازنات هشّة، لا ضمن سيناريوهات مغلقة ومحكمة.
في بيئة سياسية حادّة الاستقطاب، لا يمكن افتراض أن طرفاً واحداً يحتكر الفضاء العام، أو أن أي تجمّع يعبّر عن صوت واحد. وجود أصوات متقابلة في الشارع ليس انحرافاً، بل انعكاس طبيعي لبنية اجتماعية منقسمة. تحويل هذا التعدّد إلى دليل على “تصنيع مقصود للتوتر” لا يفسّر الواقع، بل يستبدله بسردية مبسّطة.
الأكثر إشكالية يظهر في طريقة قراءة سلوك الأجهزة الأمنية، التي غالباً ما تقع ضحية تفسير انتقائي. فعندما تتدخّل، يُوصَف الأمر بالقمع، وعندما تمتنع، يُفسَّر كإدارة للفوضى. هذه الازدواجية لا تترك مساحة لتقييم موضوعي، بل تجعل كل قرار إدانة مسبقة مهما كان سياقه.
المقاربة المهنية تقتضي التمييز بين أشكال متعدّدة من التدخل: بين استخدام القوة لفرض السيطرة، وبين التدخل المنضبط، وبين الامتناع المقصود عن التصعيد. هناك فرق جوهري بين جهاز يسعى لفرض الهيمنة بالقوة، وجهاز يحاول احتواء الاحتكاك ومنع تحوّله الى صدام مفتوح.
في هذا السياق، قد يكون ترك هامش محدود للاحتكاك، طالما بقي ضمن حدود قابلة للسيطرة، جزءاً من ادارة التوازن، لا دليلاً على صناعة الفوضى. ففي البيئات الهشّة، لا ينشأ الانفجار من وجود التوتّر بحدّ ذاته، بل من طريقة التعامل معه. وغالباً ما يكون امتصاص الاحتكاك تدريجيا أقلّ كلفة من قمعه المباشر.
من جهة أخرى، تبرز مشكلة في بعض القراءات التي تميل إلى تصنيف فئات اجتماعية كاملة ضمن قوالب أخلاقية جاهزة، فتتعامل معها ككتلة واحدة تميل إلى العنف أو الإقصاء. هذا النمط من التوصيف لا ينتمي إلى التحليل السياسي بقدر ما ينتمي إلى الخطاب التعبوي، وهو يعيد إنتاج الانقسام بدلا من تفسيره.
أمّا على مستوى الخطاب السياسي العام، فإن الخلل الأكبر يكمن في غياب المعايير. إذ يجري أحياناً تصوير أي سلوك غير تصعيدي من قبل السلطة كحالة استثنائية تستوجب الإدانة، أو على العكس، كتصرّف يستحقّ الامتنان المطلق. وفي الحالتين، يتمّ تجاوز التقييم الموضوعي.
العمل السياسي الرشيد لا يقوم على الولاء ولا على الرفض المطلق، بل على بناء ميزان دقيق: ما هو مقبول يجب تثبيته، وما هو مرفوض يجب تغييره، دون الخلط بين الاثنين.
المشهد الذي يتشّكل في الساحات اليوم لا يمكن اختزاله في ثنائيات مبسطة من نوع سلطة مقابل شعب، أو قمع مقابل حرية. الواقع أكثر تعقيداً: مساحات مفتوحة جزئياً، أصوات متعددة، احتكاكات قابلة للاحتواء، وأجهزة تحاول إدارة توازن حسّاس بين الضبط وتجنّب الانفجار.
اختزال كل ذلك في سردية واحدة مغلقة لا يكشف الحقيقة، بل يحجبها. فالسلوك السياسي لا يُقرأ من خلال النوايا المفترضة، بل من خلال الوقائع في سياقها. وكل قراءة تتجاهل هذا التعقيد، مهما بدت حادّة، تظلّ قراءة ناقصة.
وفي لحظة تتطلّب أعلى درجات الدقّة، لا يعود التبسيط مجرّد خطأ تحليلي، بل يتحوّل إلى مساهمة غير مباشرة في تعميق الأزمة نفسها.
- كاتب سوري





















