نقلت شبكة “سي إن إن” التلفزيونية الأمريكية عن مسؤولين بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيلتقي نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في باكستان إذا جرت الأمور بسلاسة وتم الاتفاق على وقف إطلاق نار.
يمكن اعتبار الخبر، كونه منقولا عن مصادر أمريكية من دون تأكيد له من قبل مسؤولين إيرانيين، نوعا من التحفيز السياسي أو الإعلامي على حصول اتفاق يحتاجه، بكل تأكيد، الطرفان، ناهيك عن كونه ضرورة لبلدان المنطقة، وكذلك باقي بلدان العالم، التي وإن لم تصلها المسيّرات والصواريخ والانفجارات، فإن تداعيات الحرب بدأت بالضغط على مواطنيها واقتصاداتها ومصالحها.
عبّر وزير خارجية تركيا، هاكان فيدان، عن هذه القضية بتصريح في مؤتمر صحافي، أمس الأحد، في ختام فعاليات منتدى أنطاليا، قال فيه إنه لا أحد يرغب في استئناف الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران. حسب فيدان فإن البشرية جربت مرة أخرى وبأثمان باهظة وخلصت إلى أنه “ليس هناك رابح في الحرب”. ما لم يقله فيدان، رغم أنه تحدّث عن أن نية إسرائيل في إفراغ غزة لم تتغير، وأن التوسع الإسرائيلي أصبح مشكلة أمنية عالمية، إن إسرائيل، هي الطرف الوحيد الذي يرغب عمليا في استمرار الحرب، ليس في إيران وغزة فحسب، بل كذلك في لبنان وكل المنطقة.
هناك خاسرون محتملون عديدون، مع ذلك، من احتمال قيام الولايات المتحدة باتفاق مع إيران يقوم باستبعاد مصلحة دول الخليج، وهي الدول التي تعتبر المتضرر الهامشيّ الأكبر من هذه الحرب التي لم تستشر في قيامها، والأغلب أن يتم الاتفاق أيضا من دون استشارتها، أو أخذ مصالحها في عين الاعتبار.
هناك خشية، مع ذلك، عبّر عنها الأوروبيون من أن يؤدي الاتفاق المرتقب، إذا حصل، إلى ترسيخ أكبر لمشكلات بدلا من حلها. المنظور الأوروبي لهذه الخشية نابع من أن مفاوضي ترامب، الذين لا يتمتعون بالخبرة اللازمة، سيبرمون اتفاقا سريعا بشأن البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات لا يعالج جميع القضايا الرئيسية.
صار من قبيل الحال المعتاد لدى حكومات العالم أجمع توقع النتائج الكارثية من شخصية ترامب ذات الطابع الانفعاليّ والانتهازيّ المهتم بإنجاز “الصفقات” السريعة تحت شعارات من قبيل “إعادة أمريكا عظيمة مجددا”، والذي دخل في واحدة من أخطر حروب القرن الحالي متأثرا بـ”عرض” مبهر من بنيامين نتنياهو، رغم وعوده للأمريكيين بعدم خوض حروب جديدة. ليس متوقعا بالتالي، لا من ترامب، ولا من مفاوضيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، الأخذ بمصالح أحد (باستثناء إسرائيل) عند توقيع اتفاق مع إيران.
برز هذا الطابع الهوائيّ المهووس بتحقيق الانتصارات التلفزيونية لترامب في إعلانه، قبل أيام، عن اتصال هاتفي سيجرى بين نتنياهو رئيس حكومة إسرائيل، وجوزف عون رئيس الجمهورية اللبنانية إثر إعلان وقف لإطلاق النار. تجاهل الإعلان طبعا تاريخ الاجتياحات الإسرائيلية للبنان، والتغوّل العسكري المهول الذي سبق ذلك الإعلان، وأشكال الإجرام الإسرائيلي التي تواصلت بعده، كما تجاهل الحسابات السياسية اللبنانية الداخلية المعقدة، والوضع الإقليمي والعالمي، فكيف لترامب أن يعرف كل هذه القضايا “المعقّدة”، التي يمكن اختصارها، ربما، بزوج ابنته اللبناني الأصل ميشيل بولس، والذي عيّن والده مسعد موفدا له في الشرق الأوسط، وصديقه توماس براك، سفيره في تركيا ومبعوثه إلى سوريا.
أوصل الرئيس اللبناني رفضه الحديث مع نتنياهو فاضطرّت الإدارة الأمريكية للفلفة الموضوع بتواصل ترامب وماركو روبيو (وزير خارجيته)، ولو افترضنا أن ترامب نجح في تحقيق مطالب لبنان في ترويض الهمجية الإسرائيلية وتمكّن من إنجاز غير الممكن إنجازه: إخراج قوات الاحتلال الإسرائيلي من كامل لبنان (الذي قال ترامب إنه يريد أن يعيده عظيما)، وعودة الأسرى ورجوع النازحين إلى بيوتهم، فهل سنرى اكتمال صفقة أمنية ـ سياسية إسرائيلية مع لبنان، وهل سيتصافح عون مع نتنياهو كما يفترض أن يتصافح ترامب مع بزشكيان؟
- القدس العربي























