نظّم ناشطون سوريون في ساحة يوسف العظمة (المحافظة) في دمشق “اعتصام قانون وكرامة”، يوم الجمعة الماضي الذي صادف ذكرى جلاء المستعمر الفرنسي عن سورية. ورغم رمزية الذكرى والمكان، اقتصرت الاحتجاجات التي أعلنها المنظّمون على مطالب اجتماعية واقتصادية تندِّد بتردّي الأوضاع المعيشية، وسياسات الحكومة المتمثّلة في رفع أسعار الكهرباء والذهاب إلى خصخصات في قطاعَي التعليم والصحّة، والتسويات المشبوهة مع مرتبطين بنظام الأسد، وضدَّ الفساد والاحتكارات وتقديم الولاء على الكفاءة في مؤسّسات الدولة، وتوغّل المشايخ في وزارات الدولة. أمّا المطالب السياسية فكانت بسقف منخفض، واقتصرت على المطالبة بعقد مؤتمر وطني عام. ولم تحضر المسألة الوطنية بقوة في الاعتصام، خصوصاً التنديد بالتوغّلات والتدخّلات الإسرائيلية اليومية في الجنوب السوري، عدا عن هتافٍ ردَّده المعتصمون ضدَّ دولة الاحتلال، وبالمثل، نَدَرَ التنديد بأشكال التدخّلات الأخرى، التركية والأميركية وغيرها.
لم تشارك شرائحُ واسعةٌ في “اعتصام قانون وكرامة” خشيةً من التخوين والتجييش والإساءة
اختار المنظّمون للاعتصام مطالبَ منخفضة السقف تجنّباً لاستفزاز أنصار السلطة المتوقَّع، إذ اعترف بعضهم بأحقّية مطالب الاعتصام وأنّها تشمل معظم السوريين، مع رفضهم توقيتها. مؤيّدو السلطة أولئك، احتشدوا في الساحة انتظاراً للاعتصام، مجيَّشين ومعبَّئِين ضدّ المعترضين على سياسات السلطة، وأنّ الدعوة إلى الاعتصام مشبوهة، وراءها فلول النظام البائد، ما دفع بعض أولئك الأنصار إلى شتم المعتصمين وضرب بعضهم. وكان لافتاً دور كتيبة حفظ النظام في حماية المعتصمين، وقد أعطوا ظهرهم للمحتجّين لصدّ هجمات مؤيّدي السلطة. لبّى الدعوة إلى الاعتصام مئاتٌ من مشارب اجتماعية مختلفة، مع حضور شبابي لافت؛ إلّا أنه يمكن القول إنّ طابعاً نخبوياً غلب عليها من جهة، إذ تحلّى المعتصمون بانضباط عالٍ رغم استفزازات المهاجمين، ومن جهة ثانية، كان لافتاً ثقل مشاركة معارضي نظام الأسد، خلال الثورة وقبلَها، ما أسقط كلَّ روايات التحريض والتلفيق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي حاولت تشويه الاعتصام، وأفقد أولئك المحرِّضين كثيراً من المصداقية، ومنهم مقرّبون من دوائر السلطة.
ويحسب لوزارة الداخلية موقفُها الحيادي في الساحة وحمايتُها المعتصمين، ويحسب لمنظِّمي الاعتصام والمشاركين فيه نجاحُهم في كسب تأييدٍ واسع، حتى من بعض مؤيّدي السلطة المتضرّرين من سياساتها الاقتصادية الاجتماعية؛ وهنا كان لتخفيض سقف المطالب ومحاولة حصرها في رفض القرارات الإفقارية الصادرة أخيراً دورٌ كبير في كسب هذا التأييد. وقد جاء “اعتصام قانون وكرامة” في توقيت حسّاس، وتنبيهاً للسلطة بألا تتغوّل بسياساتها على الشعب الذي ترزح غالبيتُه العظمى تحت خطّ الفقر، ويعاني النزوح ونقص الاحتياجات الأساسية. ومنذ بداية العام، تصاعدت الاحتجاجات المطلبية في قطاعات عدّة، ضدّ رفع تسعيرة الكهرباء، وضدّ احتكار قطاع المحروقات، وضدّ القرارات التي تقيّد عمل شاحنات النقل البرّي، وإضرابٌ لسائقي سيّارات الأجرة احتجاجاً على فوضى التطبيقات الإلكترونية التي تشغِّل السيارات الخاصّة، واعتراض ضدّ قرار إخلاء سوق المناخلية للحرفيين في دمشق، وضدّ استمرار العمل بالمرسوم 66 حول إحداث منطقتَي ماروتا وباسيليا سيتي التنظيميَّتن، وامتعاضٌ كبير في حيَّي جوبر والقابون المهدَّمَين ضدّ مشاريع تطوير عقاري مماثلة لا يشارك أهالي المنطقة في إقرارها لمصلحتهم، واحتجاجات على فصل الموظّفين والاستغناء عن الخبرات، وتحويل آخرين إلى نظام العقود السنوية، وعدم إعادة المفصولين بسبب معارضتهم للنظام، وهناك احتجاجات مرضى السرطان على غلاء العلاج بعد أن كان مجّانياً، فضلاً عن غلاء الأدوية عموماً، وتردّي أوضاع المشافي الحكومية، وانتشار مرض الجرب بين كوادرها، وصولاً إلى إعلان الحكومة نيّتها تخصيصها، إلى جانب قطاع التعليم، ما يعني حرمان الفقراء السوريين من أبسط الحقوق.
لم تشارك شرائح واسعة من أولئك المتضرّرين في اعتصام يوم الجمعة الماضي خشيةً من التخوين والتجييش والإساءة المعنوية، خاصّةً التي تستهدف النساء. إلا أنّ بوادر الاحتقان في دمشق، وباقي المحافظات، بدأت تتشكّل، وقد تتدحرج مثل كرة الثلج، وتُحدث انفجارات اجتماعية يصعب احتواؤها. لا يرغب السوريون في العودة إلى الشارع، ولا البدء بثورة جديدة، وهم منهكون من تجربة 2011، ومآلاتها من حرب وقتل وتهجير؛ إلا أنّ غياب قنوات التواصل الرسمية مع السلطة، وعدم القدرة على المشاركة في صنع القرار الذي يمثّل مصالحهم، سيدفع إلى هذا الانفجار مجدَّداً.
يحتكر قادة هيئة تحرير الشام معظم القرارات المصيرية، ويرفضون مشاركة الشعب في صنعها، اعتقاداً منهم أنّهم يملكون الوصفة التي تمكّنهم من الحكم وإخضاع الشعب. هذا الانغلاق السياسي، وضعف الخبرات، وعدم اجتماع الحكومة لوضع الخطط، والفشل في وضع استراتيجية اقتصادية واضحة، ستقود إلى الفشل، لأنّ السلطة راهنت على رفع العقوبات، وتدفّق الاستثمارات والأموال، واعتقدت أنّ المجتمع الدولي سيقوم بدور إسعافي للاحتياجات الأساسية، كما كان عليه الوضع خلال فترة حكمهم إدلب. يتبيّن اليوم أنّ هذا الرهان خاسرٌ في ظلّ نقص الموارد، خصوصاً مع استمرار الحرب الإقليمية التي لا يمكن أن تكون سورية بمنأىً عنها. تحتاج السلطة إلى مورد لتمويل أجهزتها وموظّفيها، وقد دفع نقص الموارد بها إلى الإسراع في تسويات مالية غير شفّافة مع رجالات النظام البائد، وإلى البحث عمّا في جيوب المواطنين من أموال عبر خصخصة الكهرباء والصحّة والتعليم، والبحث في سجلّات الوقف العثماني عن العقارات التي يستفيد منها رهط كبير من السوريين في دمشق.
يحتكر قادة هيئة تحرير الشام القرارات المصيرية، ويرفضون مشاركة الشعب
هذا الوضع السوري المزري يجعل من الصعب على سلطة دمشق المؤقّتة، وعلى أيّ سلطةٍ بديلةٍ منها، أن تدّعي امتلاكها حلّاً فوقياً، أبوياً، للنهوض بالواقع السوري، ومنعه من مزيد من التدهور، وهو ما تقدّمه السلطة على لسان رئيسها، أحمد الشرع، في خطبةٍ في المسجد الأموي حين قال “أطيعوني”، وعلى لسان قادتها كلّهم، حتى أصغر موظّفٍ، بأن اصبروا وأعطونا الوقت. وهو وقت تهدره السلطة من دون أن تطلق مشروعاً وطنياً ينقذ البلاد يقوم على التشاركية مع الشعب عبر المؤسّسات الديمقراطية، وفي رأسها النقابات والاتحادات والمجالس المحلّية والبلديات التي عطّلت بسياسة التعيين على أساس الولاء، بدلاً من الانتخابات، وأن تكون ممثِّلة للشعب، وبدلاً من قنواتٍ رسمية تشارك في مجمل عملية البناء المؤسّسي، عبر المسح والتخطيط واتخاذ القرارات، وفي مقدّمها تقييد استيراد المنتجات الأجنبية، وتبنّي الدولة دعم الزراعة والصناعات التحويلية، التي من المتوقّع انتعاشُها سريعاً، وإطلاق عملية تنمية اقتصادية، تترافق مع إصلاح مؤسّسي في قطاعات المال والنقد والقضاء، وصون حرّية الإعلام والشفافية، بما يضمن عودة الأموال السورية من الخارج وتوظيفها في الاستثمار الداخلي.
في ظلّ التوغّلات الإسرائيلية المستمرّة، والتدمير الإسرائيلي للقدرات العسكرية السورية، وسيطرتها على الأجواء، تبدو سلطة دمشق منفصلةً عن الواقع مع استمرار الانقسامات الاجتماعية وصفةً تدعم مشروع في الحكم. ففي مواجهة احتجاجات الشعب، يُضخَّم خطر المشاريع الانفصالية والأقليات وعودة النظام القديم، ويُحشد معظم السوريين خلف السلطة على أساس طائفي في ظلّ تخوين المعترضين. إذا استمرّت هذه وصفةً للحكم، فمصيرها الفشل.
- العربي الجديد
























