ذهب بعض المحللين السياسين إلى توصيف العلاقة الأميركية الإسرائيلية وخاصة بعد إعلان إسرائيل عن قرارها لإنشاء 1600 وحدة استيطانية في مدينة القدس بأنها على كف عفريت؛ وهذا بطبيعة الحال رأي شخصي يحترم؛ بيد أن الحقائق تشير عكس ذلك؛ حيث مرت تلك العلاقة خلال العقود الستة الماضية بمسارات عديدة ومتعرجة؛ لكنها بقيت في اتجاهها العام ذات بعد استراتيجي؛ نظراً لتشابك تلك العلاقة وتداخلاتها؛ وباتت إسرائيل تلعب دوراً في إطار المصالح الأميركية الشرق أوسطية بعد هزيمة النظام الرسمي العربي في حرب حزيران 1967؛ وبهذا المعنى فإن إسرائيل ليست عبئاً على الولايات المتحدة الأميركية.
في الجانب السياسي والديبلوماسي تمثلت صور العلاقة الاستراتيجية بإسقاط الولايات المتحدة لعدة مشاريع عربية في الأروقة الدولية لإدانة الأفعال والسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة ومن ضمنها الاستيطان في مدينة القدس؛ وفي الجانب المادي لم تتوقف المساعدات الحكومية الأميركية المباشرة لإسرائيل منذ عام 1951؛ فبلغت قيمتها التراكمية حتى نهاية عام 2009 نحو 110 مليارات دولار أميركي؛ وتتمايز المساعدات بين سنة وأخرى؛ وتشير الدراسات إلى أن قيمة المساعدات الأميركية السنوية لإسرائيل بقيت بحدود ثلاثة مليارات دولار خلال الفترة (1990-2009)؛ منها ستون في المئة على شكل مساعدات عسكرية وأربعون في المئة على شكل مساعدات اقتصادية؛ وهذا أدى إلى تجاوز إسرائيل لأزمات اقتصادية عديدة؛ فضلاً عن تنشيط الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية بما فيها القدس؛ وثمة مساعدات طارئة تمّ تقديمها إلى إسرائيل وبخاصة بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من سيناء في عام 1979؛ وكذلك هي الحال بعد حرب الخليج الثانية في عام 1991.
وبالعودة إلى أزمة العلاقة الراهنة بين أميركا وإسرائيل والتي اشتعل فتيلها إبان الإعلان الإسرائيلي عن نية حكومة نتنياهو إنشاء 1600 وحدة استيطانية في القدس؛ فإن كافة التصريحات الإسرائيلية والأميركية أكدت على العلاقات الاستراتيجية؛ حيث أشارت وزيرة الخارجية الأميركية إلى عمق العلاقة رغم سوء التفاهم الحاصل بفعل النشاط الاستيطاني الإسرائيلي؛ كما أكد وزير الخارجية الإسرائيلي على قرب تجاوز أزمة العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية؛ ويبدو أن مطالب الولايات المتحدة من إسرائيل والقاضية في الأساس بتجميد الاستيطان لدفع عملية مفاوضات غير مباشرة مع السلطة الفلسطينية لم تكن أساساً في أجندة حكومة نتنياهو الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل؛ والاتجاه العام لموقف الحكومة الإسرائيلية بات واضحاً؛ ويتمثل بإمكانية التفاوض مع الفلسطينيين على وقع الاستمرار في النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية وبشكل خاص في قلب مدينة القدس؛ فهل تستخدم الولايات المتحدة الأميركية وسائل ضغط حقيقية مادية وسياسية على إسرائيل لتجميد الاستيطان في الضفة الغربية والقدس لخلق مناخات تؤسس لعملية تفاوض حول قضايا جوهرية والوصول إلى حل الدولتين الذي أكدت عليه إدارة أوباما؛ أم أن إسرائيل ستستمر في سياساتها وتضرب بعرض الحائط المطالبات الأميركية في تجميد الاستيطان وبالتالي عدم انطلاقة مفاوضات تفضي إلى أي حق من الحقوق الفلسطينية؟.
وهنا يبرز الدور العربي المفقود؛ حيث يمكن لوزراء الخارجية العرب زيارة الولايات المتحدة الأميركية؛ والإعلان عن مواقف موحدة اكثر وضوحاً؛ يرفضون من خلالها عمليات التهويد التي تقوم بها إسرائيل وبخاصة في مدينة القدس؛ فضلاً عن رفضهم للنشاطات الاستيطانية في مناطق الضفة الغربية الأخرى؛ كما أنه بات من الضرورة بمكان شرح الموقف العربي لإدارة أوباما حول شروط وإمكانية التفاوض غير المباشر بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل وفق مرجعيات محددة وسقف زمني واضح؛ عندئذٍ يمكن أن تستند إدارة أوباما إلى تلك التوجهات العربية لمواجهة الضغوط من قبل "الايباك" وغيرها من المؤسسات الأميركية التي تؤيد التصورات والسياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. ويمكن أن تستخدم الولايات المتحدة الأميركية أوراق ضغط متنوعة على إسرائيل في حال تضررت مصالحها الشرق أوسطية؛ ويبدو أن هذا المشهد غير ماثل للمتابع لأوضاع المنطقة واتجاهات تطورها. وتبقى الإشارة إلى أنه رغم أزمة العلاقة الراهنة بين الولايات المتحدة الأميركية؛ إلا أنها بكل الأحوال ليست على كف عفريت.
"المستقبل"




















