يتحول التوغّل الإسرائيلي في ريف القنيطرة يوماً بعد يوم، من عملية عسكرية محدودة الأهداف إلى تراتيب زمنية متكررة تعيد تشكيل معنى الوجود الاحتلالي ومعنى الوجود الأمني لهؤلاء الجنود والعربات، حيث يجري التعامل مع الزمن وعملية التكرار كأداة سيطرة ميدانية موازية للقوة العسكرية؛ إذ تعتمد هذه المقاربة على إدخال الحضور الإسرائيلي في الروتين اليومي لقرى القنيطرة، بحيث لا يظهر كحدث طارئ مرتبط بلحظة اقتحام، بل كجزء من تسلسل زمني قابل للتوقّع. بهذا المعنى، لا يُقاس النجاح بحجم السيطرة الجغرافية، بل بمدى قدرة هذا الحضور على التحول إلى عنصر مألوف ضمن الوعي المحلي؛ إذا ما اعتبرنا أن إسرائيل لا ينقصها ذريعة لاحتلال هذه القرى بشكل كامل وتهجير أهلها منها.
تكرار عمليات التوغّل في القرى والأرياف الحدودية في القنيطرة، مثل العجرف ونبع الصخر والحميدية وأوفانيا وجباتا الخشب وطرنجة، ثم الانسحاب دون تثبيت دائم، يُنتج ما يمكن وصفه بخلق حضور محسوب، حيث تتكرس لدى السكان حالة من التوقع المسبق لهذا النمط من التحركات؛ بحيث يخّفض هذا السلوك من مستوى الصدمة الأولية التي ترافق أي اختراق عسكري، ويحوّل الحدث تدريجياً إلى ظاهرة يمكن استيعابها ضمن قواعد شبه مستقرة، وروتين يومي للتوغل، والتجوال والتفتيش والانسحاب. لا تتمثل النتيجة في قبول مباشر، وإنما في نشوء حالة من التكيّف الإدراكي، حيث يُعاد تصنيف التوغّل من فعل عدائي استثنائي ينفذه جنود متوحشون في مناطق أخرى في لبنان وفلسطين، إلى واقع يومي مرن متكرر يمكن التعامل معه.
في هذا السياق، يعيد هذا النمط صياغة مفهوم السيطرة الإسرائيلية في الجنوب السوري، بحيث تقوم على القدرة على التحكم بلحظات الظهور والانسحاب. وليس على الاحتلال التقليدي أو الانتشار المستمر وتثبيت النقاط واستخدام العنف الممنهج في هذه القرى.
ربما يخلق هذا الشكل من الحضور نموذجاً مبسطاً للسيادة المتقطعة، حيث تتراجع فكرة السيادة السورية كحالة ثابتة، في ظل غياب إدراك رسمي لحجم الخطر الذي تفرزه هذه الحالة، وغياب خطاب إعلامي توعوي وجامع؛ لتظهر بدلاً منها حالة متذبذبة تتخللها تدخلات إسرائيلية مدروسة بالتوقيت، والعتاد، وعدد الأفراد، والمهمات. وبالتالي فإن مفهوم السيطرة يتغير تدريجياً إذ لم يعد يفرض عبر البقاء، وإنما عبر إمكانية العودة في أي وقت، وضمن أي مناخ أو مهمة وهو ما يفرض بعداً آخر لميزان القوة في المنطقة.
يرسم هذا النمط طبيعة جديدة للخط الفاصل في القنيطرة، فيتحول من حدّ واضح بين فضاءين سياديين إلى مجال مرن قابل للاختراق والتجاوز بشكل متكرر، ويُنتج هذا التحول حالة معقدة تقع في منطقة وسطى تتجاوز توصيفات الحرب والسلم، وتُدار ضمن إطار مستمر من الاحتكاكات المحدودة والمنضبطة التي تحدد مستوى التصعيد وتُبقي إمكانية تغييره حاضرة في كل لحظة. تُدار العلاقة في هذا السياق عبر حضور محسوب وتفاعل متكرر يرسّخ واقعاً ميدانياً متحركاً، ويُدخل المنطقة في حالة تماس دائمة تتغير معطياتها وفق الظروف والتقديرات؛ ولا ننسى أن هذه الحدود ذاتها قد ألغيت في المدة بين 2012 و2016 عندما كانت القنيطرة تحت سيطرة قوات المعارضة السورية المسلحة حينها، لتقدم تل ابيب الدعم لهم في معاركهم ضد نظام الأسد والجماعات الإيرانية في المنطقة ذاتها.
يظهر الأثر الأعمق لهذا الأسلوب في تشكيل وعي السكان المحليين في القنيطرة، فيُدخل التكرار نمطاً جديداً من التوقعات اليومية داخل حياة الأفراد، ويجعل التوغّل الإسرائيلي عنصراً حاضراً ضمن حساباتهم في الحركة والعمل والتنقّل والتفاعل مع الفضاء العام؛ ليُعيد هذا المسار تعريف الأمان ليصبح مرتبطاً بقدرة الفرد على إدارة التعايش مع حضور متقطع ومتوقّع للقوة الخارجية، ويمنح هذا الحضور بعداً عملياً يتجاوز كونه حدثاً طارئاً. تكشف هذه المقاربة عن أهمية استراتيجية عالية، حيث تنقل إسرائيل مركز الصراع من السيطرة المباشرة على الأرض إلى مستوى أعمق يرتبط بتشكيل إدراك التفاعل مع السكان داخل المجتمع المحلي، ويمنح هذا النمط قدرة على الاستمرار عبر فترات طويلة بكلفة أقل مقارنة بأشكال السيطرة التقليدية عبر القوة الصلبة والعنف.
تتحول القنيطرة في هذه الحالة إلى مساحة يتقاطع فيها التوغّل الإسرائيلي مع أدوات دعائية ميدانية تُصمَّم بعناية لتغيير صورة هذا الحضور داخل الوعي المحلي، حيث أصبحت التحركات العسكرية تجري ضمن قالب أقرب إلى اجتماعي يبدو قريباً من حياة الناس اليومية؛ وتُدخل القوات الإسرائيلية نفسها في تفاصيل الحياة عبر توغلات متكررة للقرى، و البحث في ملفات النفوس الخاصة بالسكان، وتُرافق ذلك ممارسات تحمل طابعاً خدمياً مثل توزيع عبوات ومساعدات بسيطة، وتقديم مواد غذائية أو مستلزمات للأطفال، والمشاركة في مشاهد تفاعلية تُظهر الجنود وهم يتحدثون مع الأهالي أو يلتقطون صوراً مع الصغار. تُعرض هذه المشاهد بصيغة ترويجية تُبرز أطفالاً يحملون عبوات مياه أو هدايا عليها كتابة عبرية، بما يمنح الصورة بعداً رمزياً يتجاوز اللحظة إلى محاولة إدخال عناصر من الثقافة الإسرائيلية داخل الفضاء البصري المحلي. تُضاف إلى ذلك إجراءات ميدانية مثل قطع بعض الطرقات بحجة تأمينها والبحث عن ” إرهابيين”، أو نصب حواجز أمنية تُقدَّم باعتبارها خطوات تهدف إلى حماية السكان وتنظيم الحركة، ما يمنح هذا الحضور مظهراً إدارياً أقرب إلى إدارة شؤون محلية بدل كونه تدخلاً عسكرياً عابراً.
تُستخدم هذه الأدوات مجتمعة لتقريب صورة الجندي من المجتمع، وتطبيع وجوده ومروره وسلاحه ولغته واساليب تعامله بحيث يظهر في دور من يقدّم مساعدة أو يساهم في تحسين ظروف الحياة اليومية، وهو ما يستهدف بشكل خاص الأطفال والمراهقين بوصفهم الفئة الأكثر قابلية للتأثر على المدى البعيد، حيث تتشكل تصوراتهم عن هذا الحضور ضمن خبرات مباشرة تتكرر أمامهم. تُنتج هذه المشاهد حالة ذهنية معقدة ربما لدى السكان المحليين، حيث يتداخل حضور القوة المسلحة مع سلوك يبدو ودوداً، غير عدواني ( باستثناء بعض الحالات التي تبرر على انها رد فعل تجاه هجوم محلي ) ما يخلق التباساً في تعريف طبيعة هذا الوجود، ويجعل فكرة “العدو” كعدوّ أقل وضوحاً داخل التجربة اليومية، خاصة مع تكرار هذه الصور وانتشارها.
تتكامل هذه الممارسات مع عمل إعلامي منظم يُشارك في صياغة الصورة وتوسيع انتشارها، حيث تُستخدم منصات مثل i24NEWS والمتحدثين الإعلاميين مثل أفيخاي أدرعي وإيلا واوية وإيدي كوهين لنقل مشاهد مختارة تُبرز جانب التفاعل الإنساني وتقدّم التوغّل كجزء من مهمة لضبط الاستقرار، بينما تُعاد مشاركة هذه المواد عبر شبكات رقمية تُضخّم تأثيرها وتحوّلها إلى رواية واسعة التداول. تستند هذه المقاربة إلى تجارب سابقة في فلسطين وجنوب لبنان، حيث جرى إدخال عناصر منفعة يومية وخدمات محدودة لإقامة علاقة مرتبطة بالحياة المعيشية، كما تُظهر تجربة جيش لبنان الجنوبي كيف يمكن خلق قنوات محلية تُسهّل إدارة المجتمع وتُعيد تشكيل علاقاته الداخلية. يُطبَّق في القنيطرة نموذج يجمع بين الحضور العسكري المحدود، والتواصل المباشر مع السكان، واستخدام صور دعائية تُركّز على التعاطي ضمن مسار الحياة اليومية، ما يحوّل المنطقة إلى ساحة اختبار لتقييم مدى تقبّل هذا الأسلوب. يُعاد هنا توجيه الصراع ليأخذ طابعاً مرتبطاً بطريقة فهم السكان لما يجري حولهم، حيث تصبح المسألة متعلقة بكيفية تفسير هذا الحضور أكثر من كونه مجرد وجود ميداني. تُنتج هذه العملية واقعاً تدريجياً تتغير فيه طريقة النظر إلى القوة، ويُصبح التفاعل اليومي معها جزءاً من حسابات الحياة، ما يمنح هذا النموذج قدرة على الاستمرار عبر الزمن دون الحاجة إلى انتشار دائم أو مواجهة مفتوحة، ويجعل القنيطرة نقطة ارتكاز لتجريب أدوات تجمع بين الضغط العسكري والتأثير النفسي المجتمعي في آن واحد.























