لو قُدِّر للخوارزمي أن يعود اليوم ويمشي في شوارع دمشق، ربما لوقف مذهولاً أمام هذا العالم الذي يحمل اسمه دون أن يشبهه كثيراً. ذلك أن الرجل الذي وضع أسس الحساب والنظام والضبط، سيجد نفسه أمام “خوارزميات” جديدة لا تُعنى بحل المعادلات بقدر اهتمامها بتضخيم الانفعالات. ولا تسعى إلى ترتيب المعرفة بقدر تسريع تداولها- بغض النظر عن دقتها. وربما كان سيسأل، بابتسامة العارف: كيف تحوّل علمٌ وُلد لضبط التفكير إلى أدواتٍ تُربك التفكير ذاته؟ ثم يكتشف أن التحدي لم يعد في كتابة المعادلة، وإنما في القدرة على إدارة نتائجها حين تنفلت من منطقها. وفي هذا المفصل تحديداً، تبدأ حكاية سوريا الانتقالية مع زمن الخوارزميات.
فسوريا تواجه، في مرحلتها الانتقالية الراهنة، معطىً نوعياً يضيف طبقةً جديدة من التعقيد إلى مشهدٍ سياسي واجتماعي مثقلٍ أصلاً بتداعيات أربعة عشر عاماً من الصراع. هذا المعطى يتمثل في الحضور الكثيف لوسائل التواصل الاجتماعي، بوصفها فضاءً عاماً مفتوحاً يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الخبر وتأويله، وبين الحدث وصورته في الوعي العام.
وما يضاعف من خصوصية هذا السياق، أن سوريا أصبحت- في هذه المرحلة-واحدةً من أكثر البيئات انفتاحاً من حيث حرية التعبير في المجال العام الرقمي، حيث يتاح للأفراد التعبير عن آرائهم على نطاق واسع وبدرجة غير مسبوقة مقارنةً بمراحل سابقة. هذا الانفتاح، رغم كونه مؤشراً صحياً على حيوية المجتمع، يضيف في الوقت ذاته تحدياً مركباً يتمثل في كيفية إدارة هذه الحرية ضمن إطار يحافظ على التماسك العام ولا يحوّلها إلى عامل تفكيك أو فوضى.
وإذا كان عالم الاجتماع مارشال ماكلوهان قد تحدّث يوماً عن «العالم كقرية صغيرة»، فإن التجربة السورية الراهنة تكشف أن العالم بات أقرب إلى «غرفة دردشة» عملاقة لا تهدأ فيها الإشعارات. وفي سياقٍ انتقالي مثل سوريا، تتمثل التحديات، بالتأكيد، في إعادة بناء المؤسسات أو ترميم الشرعية، لكنها تمتد، أيضاً، إلى سؤال أكثر تركيباً: كيف يمكن بناء دولةٍ رصينة في ظل فضاءٍ رقمي تحكمه خوارزميات تفضّل الإثارة والاستقطاب، وتعمل وفق منطق “اقتصاد الانتباه” الذي يكافئ الضجيج أكثر مما يكافئ العمق؟
لقد جرى توصيف المرحلة الانتقالية في الأدبيات الكلاسيكية لدراسات التحول السياسي (Regime Transition)بوصفها لحظة هشاشة مركبة تتضمن مؤسسات قيد التشكّل، وشرعية قيد البناء، ومجتمعاً مثقلاً بالاستقطاب، واقتصاداً يعاني من اختلالات عميقة. غير أن هذه الأدبيات صيغت في سياقٍ كانت فيه الدولة قادرة-إلى حدٍّ معتبر-على تنظيم المجال العام عبر منظومة إعلامية تقليدية محدودة الفاعلين. أما اليوم، فقد تغيّرت معادلة المجال العام جذرياً، وأصبح فضاءً بلا مركزٍ واضح، وبلا إيقاعٍ موحّد يمكن ضبطه أو التنبؤ به.
أحد أبرز ملامح هذا التحول يتمثل في تفكك المرجعية المعرفية. حيث لم يعد هناك مصدرٌ واحدٌ للخبر، ولا حتى مجموعة محدودة يمكن الركون إليها بوصفها مرجعيةً مستقرة. فكل فردٍ يمتلك منصة، وكل روايةٍ تجد طريقها إلى التداول، وفي بيئةٍ مثقلة بذاكرةٍ جريحة، تصبح المعلومة مادةً قابلة لإعادة التشكيل وفق الهوية والانتماء والانفعال. وعند هذه النقطة، يتراجع سؤال «ما الحقيقة؟» لصالح سؤالٍ أكثر تداولية وتأثيراً: أيّ روايةٍ تنجح في الانتشار؟
ويتصل بذلك تحدٍ آخر يرتبط بطبيعة ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الانتباه»، حيث تتحول المعلومة إلى موردٍ تنافسي، وتُعاد صياغة القضايا العامة بلغةٍ تتناسب مع منطق السرعة والجاذبية. في هذا السياق، نشهد حالة من «فرط السياسة الرقمية»، حيث يُدفع المواطن إلى التفاعل المستمر مع قضايا معقدة ضمن إيقاعٍ لا يتيح دائماً التمييز بين المعرفة والانطباع.
هذا الإيقاع المتسارع يخلق فجوةً واضحة بين منطق الدولة ومنطق الفضاء الرقمي. القرار العام يحتاج بطبيعته إلى التحليل والتشاور وتقدير المآلات، بينما تعمل وسائل التواصل بمنطق الحكم الفوري والتفاعل اللحظي. وبينما تتحرك المؤسسات وفق اعتبارات الواقعية السياسية، يضغط المجال الرقمي باتجاه استجابات سريعة تعكس أحياناً منطق «الشعبوية الرقمية».
ويتعمق هذا التعقيد مع ظاهرة إعادة إنتاج الاستقطاب، حيث تعمل وسائل التواصل كغرف صدى تعزز القناعات القائمة وتعيد تدوير الخطابات المتشددة، ما يعيق إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع.
كيف يمكن بناء دولةٍ رصينة في ظل فضاءٍ رقمي تحكمه خوارزميات تفضّل الإثارة، وتعمل وفق منطق “اقتصاد الانتباه” الذي يكافئ الضجيج أكثر مما يكافئ العمق؟
ويمكن، في هذا السياق، ملاحظة تحوّلٍ لافت يحمل قدراً من الطرافة الجادة: فقد كان الاختلال في الحكم حالةً فردية محدودة الأثر، تُناقش في دوائر ضيقة وتذوب مع الوقت. أما اليوم، فقد أصبح هذا “الجنون الصغير” قابلاً للانتشار والتكاثر. ففكرةٌ غير دقيقة قد تتحول خلال ساعات إلى موجةٍ جماهيرية، تكتسب مظهراً من «الإجماع» يعكس سرعة التداول أكثر مما يعكس عمقاً حقيقياً. وهكذا لم يعد التحدي مقتصراً على وجود الخطأ، وإنما أيضاً على قابليته للعدوى.
ويتصل بهذا أيضاً ما يمكن تسميته بـ “الوصاية الرقمية”، حيث يمنح الفضاء الافتراضي الأفراد شعوراً متضخماً بالقدرة على إصدار أحكام كلية على السياسات العامة انطلاقاً من زاوية رؤية شخصية أو جزئية، ما يؤدي إلى تشويشٍ في إدراك طبيعة القرار العام.
ولا يمكن فهم هذا المشهد بمعزلٍ عن البعد الخارجي، حيث تتحول وسائل التواصل إلى ساحةٍ لإدارة التنافس الإقليمي والدولي، وبث السرديات، والتأثير في الرأي العام، ما يجعل الصراع ممتداً إلى مستوى الوعي.
في ضوء هذه العناصر، يتبيّن أن وسائل التواصل في الحالة السورية تؤدي أدواراً متداخلة في آنٍ واحد. فهي تفتح المجال للتعبير والمشاركة، لكنها تخلق أيضاً بيئةً للفوضى المعلوماتية، وتوفر أرضيةً للتضليل، وتعيد إنتاج الاستقطاب. ومع ذلك، تظل حاملةً لفرصٍ مهمة في نقل المعرفة وربط الداخل بالخارج.
من هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة مزدوجة تتمثل، من جانب، في تطوير قدرات الدولة في التواصل وإدارة السرديات، ومن جانبٍ آخر، في تعزيز الوعي المجتمعي بطبيعة هذا الفضاء. فليس كل ما يُنشر حقيقة، وليس كل تفاعلٍ مسؤولاً.
إن ما تعيشه سوريا اليوم يتجاوز كونه انتقالاً سياسياً بالمعنى التقليدي، ليشمل تحولاً عميقاً في بنية المجال العام ذاته. فقد انتقل هذا المجال من صيغةٍ يمكن ضبطه نسبياً إلى فضاءٍ مفتوح بالكامل، تتداخل فيه الأصوات، وتتقاطع فيه المصالح، وتتسارع فيه الأحداث بوتيرة غير مسبوقة. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على فهم هذا التحول، والتعامل معه بأدواتٍ جديدة، عاملاً حاسماً في نجاح أي مسار انتقالي.
٭ كاتب سوري
- القدس العربي
























