قد يبدو العنوان في غير السياق المقصود، ويقود إلى خلاصة مختلفة عمّا يوحي به، إذ لا يشير إلى أقلية طائفية أو إثنية، بل إلى أقلية بنيوية، تتكوّن من نخبة مترابطة، تمثل دائرة نفوذ ومجموعة مصالح فوق مؤسساتية. هذه الأقلية تشكّلت تاريخياً من تحالف ثلاثي بين رجال من المؤسسة الدينية، ورجال الأعمال المرتبطين بالاقتصاد الاحتكاري، ورؤوس السلطة السياسية والعسكرية والأمنية.
وعلى امتداد تاريخ سوريا الحديث، لم يكن هذا التحالف مجرد ظاهرة عابرة، بل بنية عميقة استطاعت التكيّف مع التحولات الداخلية والتدخلات الخارجية، وإعادة إنتاج نفسها بأشكال متعددة، مع الحفاظ على جوهر ثابت يقوم على احتكار النفوذ غير المؤسساتي، وفرض المصالح الضيقة، وتقييد المجال العام.
لفهم نشوء هذه البنية في سياق التاريخ السوري، لا بد من العودة إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، ففي عهد شكري القوتلي، أسهم ربط البيئة المشيخية الدمشقية بالمؤسسة الرسمية عبر الإفتاء، إلى جانب تأسيس وزارة الأوقاف، في خلق أرضية لتداخل الدين بالسياسة، في حين حاولت النخبة البرجوازية تكريس نفوذها، فعملوا معاً للتجديد المباشر للقوتلي، في ظل بيئة إقليمية ودولية كانت تنظر إلى سوريا بوصفها نموذجاً لدولة عصرية، لا تتطابق مع توجهاتها ومصالحها، فعملت على تحويلها لساحة تنافس، ودفعت باتجاه تمييع الاستقرار الدستوري وعدم جعله أولوية. ولكن افتقاد ذاك التحالف الثنائي إلى دعم موازٍ من كتلة موزونة في الجيش أفشل المخطط. كما أثبتت التجربة فيما بعد فشل كل من حسني الزعيم وأديب الشيشكلي بفرض نموذج حكم شمولي قائم على السيطرة المباشرة، على الرغم من الدعم الخارجي.
لم يؤمن القادة البعثيون في مرحلتَي 1963 و1966 بأهمية إعادة بناء تحالف بنيوي أقلوي جديد، يديرون به السلطة، ويحميهم من الصدامات المباشرة، ويفضي إلى توازن جديد يمنح سلطتهم الاستقرار والديمومة، باستثناء حافظ الأسد، الذي كان قد بدأ مبكراً في نسج علاقات داخلية متينة تجمع بين رجال الأمن والاقتصاد والدين..
النظام الديمقراطي، الذي تم استعادته في عام 1954 برئاسة الأتاسي ثم القوتلي، شكل فرصة لمعرفة أوزان القوى السياسية الموجودة في المجتمع، وهزيمة للتيار الديني، كما أن أطرافاً متعددة استخدمته كغطاء لعملية إعادة ترتيب داخلية، لتشكيل محور نخبوي جديد قادر على اتخاذ وتنفيذ قرارات وخطط التغيير والاستقرار، وفق المصالح والتوازنات الداخلية والإقليمية والدولية.
الوحدة مع مصر شكّلت محطة مفصلية في هذا المسار، إذ حظيت بدعم شعبي واسع، وحاولت بعض تلك الأطراف التكيّف معه لضمان استمرار نفوذها. وفي الواقع فإن تلك الوحدة لم تكن مجرد قرار داخلي متناغم مع الحالة الشعبية، بل نتيجة لتلاقي عوامل داخلية، مع نهج لمواجهة ضغوط خارجية إقليمية ودولية، غير أن سياسات التأميم والإصلاح الزراعي، ومركزية السلطة في القاهرة، والتي امتدت بما يشبه “التمصير” إلى الإقليم الشمالي في المؤسسات المدنية والعسكرية، ضربت بمصالحهم جميعاً عُرض الحائط، فكانت ردة الفعل بالمساهمة في تفكيك الوحدة هذه المرة، وبالاستناد إلى الخصوم الخارجيين أنفسهم، الذين كانوا قد رأوا في هذا الاندماج تهديداً لتوازنات إقليمية قائمة. هنا تجلت إحدى السمات الجوهرية لوجود تحالف “أقلية بنيوية” وهي مواجهة أو التناغم مع الخارج وفق مصالحها، سواء في قدرتها على الاستثمار في الحالة الشعبية، أو الانقلاب عليها إذا تعارضت مع تلك المصالح.
بعد الانفصال، ومع تشكل الجمهورية الثانية، الجمهورية العربية السورية، سعت قوى دمشقية في الجيش، بالتوازي مع النخب البرجوازية والدينية، إلى تجديد بناء محور صلب، لكن صعود التيارات القومية واليسارية – البعثية والناصرية والشيوعية – في الجيش، والمُقادة ظاهرياً من أحزاب ومجموعة من المثقفين السياسيين والأكاديميين أطاح بهذا المسعى، لتدخل سوريا منذ آذار 1963 مرحلة هيمنة عسكرية-أمنية بجناح واحد. هذه المرحلة اتسمت بتغوّل السلطة العسكرية وخوض صدامات حادة مع البرجوازية التقليدية “التأميم” و”دموية” ضد البيئة الدينية المحافظة، ولاسيما في دمشق وحماة وحلب، ما أدى إلى اختلال في التوازنات الداخلية. الدعم الخارجي في تلك الفترة لم يكن ثابتاً، بل كان متحركاً بين محاور متنافسة، وكل محور يسعى لكسب ولاء السلطة القائمة.
لم يؤمن القادة البعثيون في مرحلتَي 1963 و1966 بأهمية إعادة بناء تحالف بنيوي أقلوي جديد، يديرون به السلطة، ويحميهم من الصدامات المباشرة، ويفضي إلى توازن جديد يمنح سلطتهم الاستقرار والديمومة، باستثناء حافظ الأسد، الذي كان قد بدأ مبكراً في نسج علاقات داخلية متينة تجمع بين رجال الأمن والاقتصاد والدين، بالتوازي مع بناء علاقات خارجية متوازنة مع قوى إقليمية ودولية متنافسة، أهلته بمجملها مع فريقه العسكري والأمني لتحقيق انتصار سهل على خصومه في انقلاب تشرين الثاني 1970.
في هذه المرحلة الأسدية الأولى، لم يكن الدعم الخارجي موجهاً لشخص الحاكم بقدر ما كان موجهاً لاستقرار النظام ككل، وهو ما أتاح للتحالف الثلاثي أن يترسخ ويزداد تعقيداً، وقد تم اختبار فعاليته بقوة خلال المواجهات السياسية والأمنية والعسكرية ضد الإخوان المسلمين والقوى الأخرى المعارضة لنظام الأسد، بدء من العصيان المدني 1980 وصولاً إلى مجزرة حماة.
ومع انتقال السلطة إلى بشار الأسد، ظهرت فرصة لإعادة تشكيل العلاقة بين الداخل والخارج، وربما إدخال إصلاحات تخفف من حدة هذا التحالف البنيوي، إلا أن ما حدث فعلياً كان تعميقاً لهذه البنية، وحدوث انزياح في التوازن الإقليمي نحو المحور الإيراني، ترافق مع خلل داخلي تمثل في إضعاف بعض مكونات التحالف التقليدية، خصوصاً في البيئتين الدينية والاقتصادية، مقابل صعود شبكات أكثر ضيقاً وتركيزاً.
ومع اندلاع الربيع العربي، ظهرت هشاشة هذا التوازن المختل، لكن المفارقة أن “الأقلية البنيوية” استطاعت التكيّف مجدداً، مستفيدة من الدعم الإيراني ثم الروسي، لتعيد إنتاج نفسها خلال سنوات الصراع (2012-2020). فبدلاً من أن يؤدي الصراع إلى تفكيك هذه البنية، أسهم في كثير من الأحيان في إعادة تشكيلها، حيث تم امتصاص الموارد والمساعدات والضغوط داخل الشبكة، وإعادة توجيهها بما يخدم بقاء النظام.
التحولات اللاحقة، ولاسيما ازدياد النفوذ داخل الدائرة الضيقة للسلطة، والعقوبات الدولية، أدت إلى تفكك جزئي داخل هذا المحور، عبر استبعاد شخصيات مركزية من دون توفير بدائل مكافئة، ما خلق ثغرات عميقة. هذه الثغرات، بالتوازي مع عوامل خارجية متغيرة، أسهمت في انهيار النظام بصورة لم تكن متوقعة، وكشفت حدود قدرة هذه البنية على الاستمرار في ظل اختلالات حادة.
بدأ يتشكل مؤخراً حراك مضاد تقوده قوى تقول إنها تتحدث باسم شريحة واسعة ومهمّشة من السوريين، هذا الحراك يعكس إدراكاً متزايداً بأن المشكلة ليست في الأشخاص بقدر ما هي في القواعد التي تسمح بإعادة إنتاج هذه البنية الخطرة، وأن تجاوزها لا يكون إلا بإعادة تأسيس قواعد الحكم نفسها.
بعد هذا الانهيار، وفي ظل السلطة الانتقالية، أخذ كثير من السوريين في مراقبة ظهور قوى جديدة، سياسية واقتصادية ودينية وعسكرية، وبدأوا مؤخراً في الحديث على أن هذه القوى لم تخرج عن النمط ذاته، بل اندمجت فيه، أو أنها تعيد إنتاجه بصيغ جديدة. في حين يتحدث آخرون أن ما جرى بعد سقوط النظام لم يكن تغييراً جذرياً، بل كان مجرد إعادة تشكيل لتلك “الأقلية البنيوية” بوجوه مختلفة.
في المقابل، بدأ يتشكل مؤخراً حراك مضاد تقوده قوى تقول إنها تتحدث باسم شريحة واسعة ومهمّشة من السوريين، هذا الحراك يعكس إدراكاً متزايداً بأن المشكلة ليست في الأشخاص بقدر ما هي في القواعد التي تسمح بإعادة إنتاج هذه البنية الخطرة، وأن تجاوزها لا يكون إلا بإعادة تأسيس قواعد الحكم نفسها.
هذا التأسيس له مسار داخلي واضح، يبدأ بتطبيق العدالة الانتقالية واستعادة الحقوق، وبناء مؤسسات تفصل بوضوح بين السلطات، تديرها حكومة تمنع تداخل الديني بالسياسي كأداة للشرعنة، وتشرف على اقتصاد قائم على الشفافية والمنافسة، يُراقب عملها مجلس شعب كفوء، في ظل قضاء مستقل وآليات مساءلة فعالة، ودور تكاملي لمجتمع مدني وإعلام قادرين على كشف الاختلالات.
أما خارجياً، فيتطلب هذا المسار إعادة صياغة العلاقات الدولية على أساس التوازن لا الارتهان، وتنويع الشراكات بما يخدم مصالح المجتمع والدولة، لا مصالح النخب الضيقة، بحيث ينتقل الدعم الخارجي من عامل تشويه إلى عنصر توازن، وأن تتحول الدولة من أداة بيد تحالفات مغلقة إلى إطار جامع يعبر عن مصالح شعبها، ويضع حداً لإعادة إنتاج “الأقلية البنيوية الخطرة” في كل مرة بأسماء جديدة وجوهر واحد.
- تلفزيون سوريا





















