مع استمرار الخلاف بين الحكومة السورية و«قسد» حول تسليم المؤسسات وإدارة المنطقة، تزداد الوقائع تعقيدًا، ويتضاعف العبء على السكان، الذين ينتظرون إدارة مستقرة أكثر من الوعود السياسية.
تعرّض اتفاق 29 كانون الثاني/يناير بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» لانتكاسة جديدة، ولم يبقَ عالقًا عند حدود السياسة ومكاسبها، بل انتقل إلى اختبار المؤسسات في الحسكة، حيث تحوّل ملف القضاء إلى واحدة من أبرز العقد التي تؤخر تنفيذ التفاهمات. وبين تعثر تسليم القصور العدلية، وعودة الحواجز الأمنية، ومحاولات تشغيل المعابر وتنظيم الامتحانات، تبدو المحافظة أمام إدارة يومية مأزومة، تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع متطلبات تسيير شؤون السكان.
ويبرز ملف القضاء بوصفه العقدة الأوضح في طريق تنفيذ الاتفاق داخل الحسكة. فالحكومة السورية تسعى إلى استلام القصور العدلية ودمج العاملين فيها ضمن منظومة وزارة العدل، بينما تصطدم هذه الخطوات بعوائق ميدانية وإدارية مرتبطة بهيئة العدالة في «الإدارة الذاتية».
ووفق تصريحات رسمية، عقد وفد من وزارة العدل اجتماعات مع مسؤولين وقضاة في الحسكة والقامشلي، وطرح خطة تقوم على استلام المباني القضائية، وتلقي قوائم بأسماء القضاة والموظفين العاملين ضمن مؤسسات «الإدارة الذاتية»، تمهيدًا لدمجهم وفق معايير الاختصاص والكفاءة.
وتشير أوساط محلية مطلعة على التفاوض إلى أن «قسد» تصر على قبول جميع قضاتها العاملين في القضاء، والبالغ عددهم نحو 200 قاضٍ في مختلف المحاكم، فيما تعتبر الوزارة أن الأولوية هي تسليم الإدارات العدلية، ثم الانتقال إلى الخطوة الثانية بدون شروط مسبقة.
وتضمنت الخطة الحكومية تطمينات بعدم الاستغناء عن الكفاءات المحلية، وفتح المجال أمام تأهيل بعض العاملين عبر المعهد العالي للقضاء، إضافة إلى تسوية أوضاع المحامين من خلال تسهيل انتسابهم إلى نقابة المحامين.
غير أن هذه الجهود لم تتحول إلى خطوات عملية حتى الآن، إذ لم تتسلم وزارة العدل القوائم المطلوبة، كما واجهت صعوبات في استلام بعض القصور العدلية، ما أبقى إعادة تشغيل القضاء بلا جدول زمني واضح، وأبقى مصالح السكان القانونية معلّقة بين جهتين تتنازعان الصلاحيات.
وعلمت «القدس العربي» من مسؤول حكومي في الحسكة أن جلستين عُقدتا لحلحلة «عقدة» قصر العدل، بالتوازي مع اتصالات هاتفية مكثفة يجريها الفريق الرئاسي المكلف من قبل الرئيس السوري بتنفيذ الاتفاق مع «قسد»، إلا أنها لم تسفر عن تفاهم حتى ليل الجمعة.
الحواجز تعود إلى الشارع
ميدانيًا، عادت الحواجز إلى أحياء الحسكة والقامشلي، مع تدقيق أمني شمل الهويات والسيارات، ووصل في بعض الحالات إلى الهواتف المحمولة. ويقرأ سكان هذه الإجراءات بوصفها مؤشرًا على مرحلة توتر جديدة، أكثر من كونها إجراءات عابرة.
وفي مدينة الحسكة، تركزت الإجراءات في نقاط حيوية ذات غالبية سكانية عربية، أهمها أحياء الزهور وغويران، حيث نفذت الوحدات الأمنية التابعة لـ«قسد» عمليات تفتيش للمشاة والسيارات، وتحققًا من البطاقات الشخصية للعابرين، وفق ما أفاد به ناشطون محليون لـ«القدس العربي». ولم تعد هذه الإجراءات محصورة في مداخل المدن، بل امتدت إلى داخل الأحياء السكنية، بخلاف ما اعتاده السكان من القوات الكردية. ويرى الأهالي أن تفتيش الهواتف بدون مبرر واضح يثير مخاوف تتعلق بالخصوصية، ويعزز شعورًا عامًا بعدم الاستقرار.
وتزامن ذلك مع رفع الأعلام الكردية وصور زعيم حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، في مواقع مختلفة داخل المدن، ما يمكن قراءته كرسالة ضغط سياسية في سياق الخلاف مع دمشق حول الدمج والسيادة.
بالتوازي مع ذلك، تحدثت مصادر أهلية عن اعتقال مجد عزو الزوبع في الحسكة، على خلفية اعتراضه على رفع علم كردي فوق منزله في حي النشوة، من دون صدور توضيح رسمي بشأن ملابسات الحادثة.
كما شهدت بلدتا معبدة والمالكية تحركات ميدانية تمثلت في وقفات ومسيرات احتجاجية شارك فيها موظفون وطلاب، على وقع دعوات مرتبطة بملفات سياسية وإدارية، من بينها قضايا تتعلق بالمعتقلين والتغييرات الحاصلة في المؤسسات التعليمية.
وتُعد مسألة المعتقلين في سجون «قسد» من أكثر الملفات الضاغطة على حكومة دمشق، التي تصر على تسريع بسط سلطة الدولة على محافظة الحسكة، وتأجيل الملفات الخلافية أو كل ما يمكن تأجيله منها. ويبدو أن هذا الملف مرشح للبقاء حاضرًا في أي جولة تفاوضية مقبلة، نظرًا لاتصاله المباشر بالشارع المحلي وبثقة الأهالي في أي ترتيبات إدارية جديدة.
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، انعكست هذه التطورات في سجالات حادة بين مؤيدي «قسد» ومؤيدي الحكومة السورية، إذ تبادل الطرفان الاتهامات، في مؤشر إلى عمق الانقسام السياسي والإعلامي حول مستقبل الإدارة في المنطقة.
على الضفة الاقتصادية من المشهد، عاد منفذ اليعربية الحدودي بين سوريا والعراق إلى العمل، بعد إعادة تشغيله رسميًا أمام حركة المسافرين. ويُعد هذا المنفذ، المعروف من الجانب العراقي باسم ربيعة، من النقاط الحيوية التي تربط شمال شرقي سوريا بالعراق، ما يمنحه أهمية خاصة اقتصاديًا.
وفي تصريح لـ«القدس العربي»، قال مازن علوش، مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، إن إعادة افتتاح منفذ اليعربية- ربيعة بعد انقطاع دام نحو 13 عامًا شكّلت تحديًا كبيرًا على المستويين اللوجستي والأمني، بسبب حجم الأضرار التي طالت البنية التحتية خلال السنوات الماضية.
وأوضح أن إعادة التشغيل تطلبت أعمال تأهيل شاملة شملت الطرق والمرافق الخدمية، إضافة إلى تجهيز البنى الفنية والجمركية اللازمة. كما برزت تحديات تتعلق بتأمين المنفذ ومحيطه، وضمان جاهزيته التشغيلية بعد سنوات طويلة من التوقف، ما استدعى تنسيقًا مكثفًا مع الجهات المعنية، وإعادة تنظيم الموقع، وتحديث آليات العمل، واعتماد إجراءات أمنية دقيقة لضمان السلامة والكفاءة.
وبشأن انسيابية الحركة، أشار إلى أن الهيئة اعتمدت خطة تشغيل مرحلية لتنظيم عبور البضائع والمسافرين منذ اليوم الأول، عبر تبسيط الإجراءات الجمركية، وتخصيص مسارات واضحة للشاحنات والمسافرين، وتعزيز الكوادر البشرية المؤهلة. وأضاف أن نظام العمل المعتمد مرن وقابل للتطوير، بما يسمح بتقييم الأداء بشكل مستمر ومعالجة أي اختناقات محتملة، خصوصًا مع توقع ارتفاع تدريجي في حركة العبور.
ورأى أن إعادة افتتاح المنفذ ستنعكس إيجابًا على حركة التجارة بين سوريا والعراق، باعتباره أحد المعابر الحيوية لتعزيز الربط الاقتصادي بين البلدين، متوقعًا أن يسهم تشغيله في زيادة التبادل التجاري وتنشيط حركة الترانزيت ورفع الإيرادات الحكومية، إلى جانب دعم الاقتصاد المحلي في المناطق الحدودية وتحفيز قطاعات النقل والخدمات اللوجستية.
التعليم أمام استحقاق الامتحانات
في ملف التعليم، تتعامل مديرية التربية مع الامتحانات بوصفها استحقاقًا لا يحتمل التأجيل. وتوزيع المراكز بين الحسكة والقامشلي والشدادي والمالكية ورأس العين يعكس محاولة لتقليل كلفة التنقل على الطلاب، خصوصًا في منطقة تتداخل فيها السيطرة الأمنية مع صعوبات المواصلات.
وبحسب مدير تربية الحسكة، عدنان محمد البري، فإن مراكز الشهادة الإعدادية ستتوزع في الحسكة والقامشلي والشدادي والمالكية ورأس العين، بما يتيح للطلاب التقدم لامتحاناتهم ضمن نطاق جغرافي أوسع.
أما مراكز الشهادة الثانوية، فستُعتمد بشكل أساسي في الحسكة والقامشلي، مع العمل على افتتاح مركز إضافي في منطقة الشدادي، في محاولة لتخفيف أعباء التنقل عن الطلبة، خصوصًا وسط الظروف الأمنية واللوجستية المعقدة، حسب ما نقلت مديرية إعلام الحسكة عن البري.
وتعكس هذه التحضيرات رغبة المؤسسات التعليمية في تسريع الانضمام إلى مؤسسات التربية المركزية، رغم التحديات، إذ تمثل الامتحانات بالنسبة إلى الطلاب محطة حاسمة لا يمكن تأجيلها، حتى مع الاضطرابات، خصوصًا أن امتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية باتت على الأبواب، ولا تفضل «قسد» خسارة طلابها سنة دراسية بسبب ربط ملف التعليم بباقي الملفات.
ختاما، لا تبدو الحسكة أمام أزمة واحدة، بل أمام طبقات متداخلة من التعطيل: قضاء لم يستعد انتظامه، وأمن يضغط على الشارع، ومعبر يعاد تشغيله بحسابات اقتصادية، وتعليم يحاول النجاة من التجاذب السياسي.
وبين هذه الطبقات، يبقى المدنيون الأكثر تأثرًا، إذ يدفعون ثمن كل تأخير في المؤسسات وكل تشدد في الشارع. ومع استمرار الخلاف بين الحكومة السورية و«قسد» حول تسليم المؤسسات وإدارة المنطقة، تزداد الوقائع على الأرض تعقيدًا، ويتضاعف العبء على السكان، الذين ينتظرون إدارة مستقرة أكثر من انتظارهم وعودًا سياسية جديدة.
- القدس العربي

























