أي شخص تسأله: “هل أنت ابن سوريا أم ابن طائفة؟” توقّع أن تكون الإجابة إنكار الطائفية، ونوعاً من الإخفاء غير المقصود، أو التكاذب الماكر المقصود، خاصة عندما يكون في فضاء عام، أو بحضور أشخاص من غير طائفته الدينية.
ما أكثر الناس الشاتمين للطائفية، وما أقل الناس العاملين بمقتضى تجاوزها باتجاه وطني واسع! وحتى أعتى الأشخاص الطائفيين والعنصريين تجدهم يشتمون الطائفية ويرفضون توصيفهم “ابن الطائفة”، يل يقدمون أعمالهم بوصفها مجرّد رد فعل لطائفيّة الطرف الآخر لا غير.
مشكلتنا في سوريا هي الإنكار، وعدم الاعتراف والشفافية،ف كم من المثقفين والممثلين السوريين ورجال الدين والشخصيات العامة، مثلاً، دعموا أو سكتوا عن مجازر السلطة الأسدية! ومن النادر جدا أن يعتذر أحدهم عن ذلك.
هل أنت سوري أم ابن طائفة؟ هذا سؤال شائع ومتكرر في الحالة السورية، وهو من نمط الأسئلة غير المفيدة لكونه يختزل مفاهيم مركّبة، كالانتماء والهوية، في حدّين فقط، وفقاً لمبدأ الثالث المرفوع: إما أن تكون القضية (ألف) صادقة، أو أن يكون نقيضها صادقاً.
بينما في الحقيقة توجد احتمالات كثيرة ومتداخلة للإجابة على سؤال الهوية والانتماء. وأي إجابة نقدمها تتعلق بعوامل مختلفة منها: التجربة الشخصية، والسياق السياسي والاجتماعي، وأنماط الثقافة السائدة، والمصالح المرتبطة بالانتماء الهوياتي.
الهوية ذات طبيعة مركبة متعددة الأبعاد، فلا يوجد سوري فقط، ولا يوجد سنّي فقط أو عربّي فقط أو علوّي فقط أو مسيحي فقط. فما المانع أن يكون الإنسان عائلته (ألف)، وطائفته الدينية (باء) ، وانتماؤه القومي (جيم)، وانتماؤه الوطني (دال)؟
القضية تتعلق بكيفية نظر الإنسان إلى هذه الانتماءات أو الأبعاد المختلفة للهوية. السؤال المفيد هو: كيف يمكن الموازنة بين هذه الانتماءات المتعددة دون الإضرار بالآخرين ومستقبل البلد؟
على سبيل المثال، يمكن القول إن المسلم السنّي الصالح هو المواطن السوري الصالح، أو المسيحيّ الصالح هو المواطن السوري الصالح…إلخ. وهكذا فإنّ هذا الفهم يربط صلاح الانتماء الديني – الطائفي بمعيار سلوكي وأخلاقي أوسع وأكثر نفعاً.
كما ينبغي التمييز هنا بين المستوى السياسي القانوني للانتماء، والمستوى الاجتماعي الثقافي، فالانتماء الوطني، عدا كونه انتماءً وجدانياً ثقافياً، هو أساساً انتماء سياسيٌّ قانونيّ حقوقيّ. بينما لا يصلح الانتماء الطائفي الديني لأن يكون انتماءً على المستوى السياسي الحقوقي، بل يحمل صلاحيات في المستوى الاجتماعي الثقافي، ولا تعارض في ذلك.
إن أي محاولة لتحويل الانتماء الديني أو الطائفي الى انتماء سياسي، كما هو شائع في المشرق العربي، سوف تؤدي إلى إشكالية كبرى. فالوطن المُستند إلى مفهوم الدولة الحديثة هو كيان متعدد الأعراق والطوائف والأطياف، ولا توجد دولة بشعب دونما تمايزات عرقية ودينية و اجتماعية. فالتنوع والاختلاف من سُنن الله في الخلق والمجتمعات.
القضية تكمن في إدارة هذا التنوع لا إنكاره، ولنا في التجربتين البعثية السورية والعراقية أكبر مثال. حيث طرحت هذه الأحزاب مشروع الوحدة العربية والوطن العربي الكبير، لتنتهي إلى كيانات عصبية، طائفية، دون وطنية، تستخدم الشعارات الأيديولوجية القومية في سبيل استمرار حكمها واحتكارها للسلطة والثروة. لقد أنكرت الحالة القطرية، فتسبّبت في تمزيق القطر السوري وغيره.
إن عملية تجاوز صلاحيات الانتماء الطائفي الضيق عملية معقدة، وتحتاج لاشتغال ووقت قد يستغرق عدة أجيال، والمسؤول الأول عنها هو الدولة بمؤسساتها المختلفة، وذلك من خلال:
أولاً: إفساح المجال أمام فضاء عمومي يتاح فيه التفاعل والتواصل، وإعادة هيكلة بناء المصالح خارج الانتماء الطائفي، وذلك عبر منظمات المجتمع المدني والنقابات والأنشطة الثقافية.
ثانياً: الاشتغال على بناء سردية وطنية موحدة، تتجاوز المنظور الفئوي الطائفي، بحيث تكون مُلهمة ومساعدة في توجيه سياسات الانتماء للفضاء الوطني العام.
ثالثاً: الاشتغال على نظام تعليمي وتربوي موحد يؤكد على أولويات الحياة والعدل والحرية ويحفّز التفكير النقدي.
رابعا: ترسيخ قيم دولة القانون، مما يضعف حاجة الفرد للانتماء الطائفي لحماية نفسه من تغول السلطة أو أطراف أخرى، و يُغنيه عن اللجوء إلى روابط المجتمع الأهلي (القرابة والمناطقية والطائفية) لتجاوز تعقيدات البيروقراطية وتجاوز منطق (ابن جماعتنا).
- الثورة السورية






















