من لا يعرف إيران فسينتظر طويلاً نضوج “لحظتها اليابانيّة” بعد هيروشيما وناغازاكي، أي تلك اللحظة التي يدرك فيها النظام أنّ الكلفة الوجوديّة للحرب أصبحت فوق طاقته على الاحتمال، فيعلن الاستسلام تحت غطاء سلام الشجعان.
إشارات كثيرة وردت من طهران عزّزت هذا الانطباع. فمجرّد قبول الإيرانيّين بالجلوس مع قتلة المرشد علي خامنئي، بالتزامن مع مرور أربعين يوماً على وفاته، عُدَّ مؤشّراً على جهوزيّة طهران لطيّ صفحة 47 عاماً من منطق الثورة.
قبل أيّام فقط من موعد الجولة الثانية في إسلام آباد، وجّه رئيس البرلمان الإيرانيّ ورئيس وفد التفاوض محمّد باقر قاليباف أصدق خطاب لمسؤول إيرانيّ منذ سنوات، محاولاً إنقاذ ما تبقّى من “الدولة” من براثن “أوهام الثورة”. بواقعيّة صادمة، اعترف الرجل أنّ ميزان القوى العسكريّ يميل بوضوح لصالح واشنطن وإسرائيل، مصحّحاً لغو الانتصار الساحق الذي تروّجه الميديا الحربيّة الإيرانيّة. قالها بوضوح: “نحن لسنا أقوى من الولايات المتّحدة.. هم يمتلكون مالاً وعتاداً وموارد أكثر.. نحن لم ندمّرهم، لكنّنا صمدنا”.
عشيّة تعثّر المفاوضات، لجأ قاليباف إلى منصّة “إكس” ليغسل يديه من مضمون مقابلته ويؤكّد أن البوصلة الإيرانيّة، في أعقاب زلزال 28 شباط، ليست باتّجاه طوكيو
البقاء في الخنادق؟
كان قاليباف يحاول إقناع الصقور بأنّ الصمود هو الانتصار الوحيد المتاح لبلاده، وأنّ التفاوض الآن من موقع قوّة نسبيّة أفضل من التفاوض لاحقاً من موقع ضعف تامّ. كانت رسالته: خذوا الصفقة الآن قبل أن تقول لغة الأرقام وموازين القوى كلمتها الأخيرة.
تزامن صدور هذه الإشارات مع سيل من التقارير عن صراعات داخل النخبة التي تدير المرحلة الانتقاليّة في إيران بعد مقتل المرشد، والتعيين المشوب بالظنون لنجله، والإقصاء العمليّ لمؤسّستَي الرئاسة والحكومة لصالح تصدّر الحرس الثوريّ مشهد القيادة الفعليّة. كان كلام قاليباف في المقابلة الجزء الظاهر من السجال المكتوم والحادّ داخل إيران، والذي يبدو أنّه أطاح بجولة التفاوض الثانية. اكتفت طهران بتسليم الباكستانيّين إجابات وتعليقات على العرض الأميركيّ، في حين قرّر الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب أن يُبقي فريقه في واشنطن، قائلاً للإيرانيّين: يمكنكم الاتّصال بنا حين تصلون إلى قرار.
عشيّة تعثّر المفاوضات، لجأ قاليباف إلى منصّة “إكس” ليغسل يديه من مضمون مقابلته ويؤكّد أن البوصلة الإيرانيّة، في أعقاب زلزال 28 شباط، ليست باتّجاه طوكيو، وأنّ طهران اختارت نموذج “الانتحار الألمانيّ”.. والبقاء في الخنادق حتّى الرمق الأخير.
نشر قاليباف صورة لوصيّة قائد فيلق القدس الراحل قاسم سليماني، التي كتبها الأخير بخطّ يده، وتقول: “ليكن عزيزنا خامنئي أعزّ من أرواحكم”، وأرفق الصورة بتعليق يعلن ارتداده عن المضمون الواقعيّ لمقابلته وانخراطه في إعلان ولاء مسرحيّ للمرشد الجديد ولمنطق الحرب، مستعيراً كلمات من زمن الحرب العراقيّة الإيرانيّة.
كتب قاليباف: “خامنئي العزيز، الأعزّ من أرواحنا، لقد كان ولا يزال عهد فتية الجبهات المخلصين، القتال خندقاً تلو خندق حتّى تعلو كلمة وإرادة الوليّ الفقيه. إنّ غضب العدوّ وترّهات ذلك الوزير المجرم (إشارة إلى وزير الدفاع الإسرائيليّ) نابعة من اتّحادنا حول عمود القيادة وفشل مخطّطاتهم”. وأضاف ترجمة فارسيّة لآية من سورة آل عمران: “قل موتوا بغيظكم”.
ليس تفصيلاً أن يستعير قاليباف من لغة الثمانينيّات مفردة “بچهرزمندهها”، أي فتية الجبهات، في إشارة إلى المتطوّعين الشباب من الباسيج الذين التحقوا بالجبهات وهم في العشرينات من أعمارهم، وهو أحدهم، وأحد الناجين من بين مئات الآلاف الذين قضوا. لا تستدعي هذه الاستعارة في عام 2026 قصّة نصر مؤزّر، بل تقدّم دعوة مفتوحة إلى مقبرة فسيحة. والمسافة بين الاثنين، النصر والمقبرة، هي بالضبط المسافة بين النظام الإيرانيّ الذي كان والنظام الذي صار بعد الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة. هذا هو الانتحار الألمانيّ في صياغته الفارسيّة. فليست النخبة وحدها هي التي تختار الموت كما فعل أدولف هتلر، بل تختاره نيابة عن عموم الإيرانيّين الذين لم تستشرهم، تماماً كما فعلت قبل نحو خمسة عقود.
مصلحة المنطقة والعالم، إن كانت طهران حاسمة في قرار أن تموت واقفة، هي التعجيل في وصول هذه النهاية بدل إطالة أمد الاحتضار
الولاء المجنون؟
يعكس التخبّط في رسائل قاليباف، بين حديثه عن واقعيّة ميزان القوى في مقابلته، ثمّ ارتداده خلال أيّام قليلة إلى مبالغات الخنادق والحرب، مرارة الصراع الذي يمزّق النواة الصلبة للنظام، التي تزداد استفحالاً في ضوء بقاء مصير المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، محاطاً بغموض كثيف وضجيج عن خلافات حول شرعيّة انتقال منصب المرشديّة إليه.
ولئن كان من الحكمة التريّث في تبنّي كلّ المعلومات المسرّبة عن تشقّقات تضرب بنية المجموعة الحاكمة في طهران اليوم، إلّا أنّه ليس غريباً أمام جسامة ما تعرّضت له إيران أن تنشأ فصائل تتصارع على حطام الجمهوريّة الإسلاميّة. وما لجوء قاليباف للغة “موتوا بغيظكم” إلّا محاولة شبه يائسة منه لفرض مشهد وحدة قسريّة عبر توظيف الأداء المتطرّف، وهي السمة التي ميّزت الأيّام الأخيرة لنظام برلين في عام 1945، حيث كان الولاء يُقاس بمدى الاستعداد للذهاب إلى النهاية الكارثيّة، وليس بمدى العقلانيّة في إنقاذ الأمّة.
وعليه، فإنّ مصلحة المنطقة والعالم، إن كانت طهران حاسمة في قرار أن تموت واقفة، هي التعجيل في وصول هذه النهاية بدل إطالة أمد الاحتضار، أو الاكتفاء بنزاع مجمّد، وهو أسوأ ما يمكن أن يصيب الجغرافيا التي نعيش فيها. تغيير النظام هو رغبة سياسيّة مسبقة لا سيّما عند إسرائيل، ولكنّه أيضاً النتيجة المنطقيّة لمسار اختاره النظام لنفسه حين فضّل برلين 1945 على طوكيو 1945.
تشير بنية المعادلة الإيرانيّة نفسها، كنظام شموليّ منكبّ على مهمّة غيبيّة، إلى أنّ خيارات المنطقة وواشنطن باتت محصورة بين أن يحدث هذا التغيير بشكل منظّم وسريع، أو أن يكون فوضويّاً وطويلاً.
- المجلة


























